in

ستكون لك حياة أخرى

هيفين تمو

في شوارع هذه المدينة، تتعالى شُجيراتُ المنفى صارخةً بضوءٍ أعمى، عابقٍ برائحة أوراق اللوز الرطب، ضوءٌ تركَ أثرًا للماء على أسوار مدينةٍ ثكلى بالحزن والدمار، ضوءٌ احترق في عيون التائهين وأسمائهم المنقوشة على حقائب سفرٍ تفتشُ عن بلادٍ بلا لغة.

أنا اللاجئ الذي يتمتم تعويذةً لا تبصرها العين، تمرّ عبر نوافذ هذه المدينة، تحمل خطوات اللاجئين والمشردين والمهاجرين من تفاصيل وطن، اللاجئ الذي يداوي المنفى بالملح كي لا يتشقق، الذي يخفي الذكرى تحت قميصه الشتوي بضحكةٍ ووجهٍ يتفيأ الحيرة، ضحكةٌ واحدة تكفيني أرسمُها على رمل بلدٍ بُترت يداه بالحرب. يكفيني أن أصير إنسانًا يغني وحيدًا لهشاشة الحنين على رصيفٍ فارغٍ بملامحَ باهتة.

أنا اللاجئ الذي يسيل مني فراغٌ معلق بالأمل، لمدينةٍ أحملها على كتفيَّ كأمنية عن بلادٍ تحولت لفكرة ما، أنا هو اللاجئ الذي يشربُ من منافي قاسية ولا يرتوي بانتظار إجراءات الإقامة هنا.

على مدى المدينة، تمتلئُ الذاكرة بامرأةٍ حبلى برجلٍ سافرَ في البحر، إلى وطنٍ سماؤه كالشمس، تستلقي على ظهرها تجمع حزنه، تجرُ العتمةَ وتغدرُ بالذاكرة. “أيبدأ بابُ المنفى عند حدود الوطن أم في قلبه؟” هكذا يهمس لها، ويبكي كفراغٍ موجعٍ تخذله ثرثرة العالم حينَ تنفيه بمائها المالح، وحدهُ حذاؤه العنيد يحمله من مدينةٍ إلى أُخرى، وهو يقتلُ روائح الحربِ بغدٍ يُنبتُ على ظلاله كسرةَ خبزٍ وأمنيةً بحجم الحياة، تحلقُ في السماء دون أن يحاصرها أو يلوثها قطاع الطرق أو مرتزقة إلهٍ يطعنُ خاصرة البلادِ بهلوساتٍ موجعة.

انتبه، قد لا تكون أنت نفسك لأنك لا تملك روحك هنا، وقد يرقص وجهك ملتهبًا كلما تعكر بهواء العالم، هذا يعني أن تكونَ وحيدًا في شوارع هذه المدن، على حافة شظيةٍ مهترئة تخدشُ بها قلبك، وأن تحرثَ تجاعيد روحكَ بعكازة الذكرى، تحك بها صباحاتك القسرية،  أن تكون مزدحماً بطفولةٍ ملونة بمذاق الهواء الأول، أن تكون لاجئًا يضع أسى البلاد، كل البلاد في حقيبةٍ واحدة، أن تضع شريطًا لاصقًا على رأسك وتضحك، تضحك عاليًا من اعتذارات الحياة النيئة، وغطرسة المدن المشغولة بتكرار مقولة: “غدًا ستكون لك حياةٌ أخرى”.

اترك تعليقاً

الكفاح ضد كتاب “كفاحي” لهتلر ما زال مستمرا

ابراهيم الجبين يصدر كتابه “قيامة المشرق العربي”