in

رحلة إلى قبور ثلاث شعراء مع الروائي فادي عزام

فادي جومر.

صدر مؤخرًا عن دار جداول كتاب “رحلة إلى قبور ثلاثة شعراء: آرثر رامبو، فرانز كافكا، فيرناندو بيسوا. برفقة رياض صالح الحسين”  للروائي السوري فادي عزام، المقيم حاليًا في بريطانيا، وهو صاحب رواية “سرمدة”، التي غاصت عميقًا في العمق الروحي للبيئة الريفيّة لجبل العرب في محافظة السويداء السورية.

يأخذنا الكتاب في رحلة ممتعة لثلاث دول: فرنسا، التشيك، والبرتغال. في استحضار مكثّف لشخوص الشعراء الثلاثة، وقصائدهم، مع حضور روح الشاعر السوري الراحل رياض صالح الحسين، مازجًا بين الحس النقدي، وروح أدب الرحلات، والتداعيات الشخصية للكاتب. طارحًا عشرات الأسئلة، ومجيبًا على عشراتٍ غيرها، في لعبٍ بارعٍ على حبال الدهشة والفضول والمعرفة.

عن الكتاب، أسئلته، وإجاباته، كان لـ “أبواب” الحوار التالي مع الكاتب فادي عزام.

منذ البداية يبدو العنوان إشكاليًّا، فأنت تصطحب شاعرًا “ميتًا” لزيارة قبور ثلاثة شعراء؟ أهو الوحيد الذي مازال حيًّا؟

العنونة، هي تلخيص مخاض عنيف. بجوهرها تشبه الكلمات الأخيرة الملفوظة قبل الموت. فهي إشكالية فعلاً وأنت محق في هذا السؤال. وهناك دارسة أكاديمية حول العنونة للدكتور أحمد جاسم الحسين يعتبر أنها منجز إبداعي كامل. معرّض للفشل والنجاح.

بعض العناوين تنقذ كتّابها بالكامل، ففرضًا الجميع يعرف بعض العناوين وإن كانوا لم يطلعوا على المحتوى. مثل يوليسيز لجيمس جويس، البحث عن الزمن المفقود لبروست، مدام بوفاري لفلوبير، السيدة دالواي لفرجينا وولف…. إلخ. شخصيًا بعد يأسي من إيجاد عنوان قمت بتوصيفه. هذا كل ما في الأمر.

كانت لنا كقرّاء، خيبات مريرة مع قامات ثقافيّة كبيرة فيما يخصّ موقفهم من الثورة السورية.. كيف يمكن ألّا نتوقع خيبات مماثلة ممن عصمهم الموت عن الخطأ؟

جميعنا تكلمنا عمّن خاب أملنا بهم في مواقفهم الملتبسة أو المضادة للثورة السورية من مثقفين عرب وسوريين وانسحب سؤال الثورة السورية حتى على الأموات. يا ترى ما موقف ممدوح عدوان، سعدالله ونوس، نزار قباني، محمد الماغوط، محمود درويش … حاليًا، هذا سؤال مضلل يمكن استخدامه بمكر في الصراع. ما يهمنا اليوم هو الاهتمام بموقف الأحياء “خونة” أنفسهم أقصد من دعوا إلى التثوير أدبًا، وعملوا ضده واقعًا. وهنا يطرح السؤال المرعب: هل الأدب مضاد للواقع؟ هذا السؤال، إجابته ليست في الإبداع بل الواقع.

لنعد قليلاً إلى مئة عام مضت: سيلين الروائي العبقري الفرنسي، كان رجعيا بموقفه من النازية. عزار باوند عمل في إذاعة موسليني الفاشية. عشرات المثقفين تغزلوا بفرانكو الدكتاتور الإسباني ولم يعنِهم إعدام شاعر بقامة لوركا، لا بل أدانوه بالمثلية الجنسية ومزقوا كرامته بهذه الذريعة. هذا بالضبط يؤكد أنّ ما يحدث في سوريا هو ثورة، لأن حجم الاختلاف هائل، وهذا لم تصنعه الثورة السورية، بل صنعته التحولات الكبرى في التاريخ والثورة السورية واحدة منها.

أمّا رياض صالح الحسين، فعلى ما أظن، لو كان على قيد الحياة فهو حتمًا لن يكون أدونيس ولا فايز خضور ولا نزيه أبو عفش. أنا بالطبع لن أمتلك اليقين لأقول ماذا سيكون. أنا واثق مما لن يكونه.. فهو الميت أكثر حياة ومعاصرة من أحياء مبدعين بأرواح بليدة، رسمها ناجي العلي يومًا ككتل من دهن الوضاعة.

كان المكان، تفاصيله، أسماء الساحات والمحطات، حاضرًا بقوة، بل شبه مسيطرٍ في أقسام كبيرة من الكتاب، ألا ترى هذا مؤثرًا في تركيز القارئ على هدف الكتاب المعلن: زيارة الشعراء؟

شخصيًا، أريد تحرير المكان من سلطته وبنفس الوقت إعطاءه حقه. الهدف الأساسي حقيقة ليست جغرافيا ما. بل إنسان ما وماذا يمكنه أن يفعل بجغرافيا. الشعراء والأنبياء يقترحون الكعبات، أنّى يحلّون: يؤثرون.

شارفيل بلدة رامبو مثلاً التي أنكرته ونبذته، تعتاش على جثمانه، إذ يزور مليونا سائح سنويا قبره فيها. هل كنت سأسمع أنا أو أنت ببلدة فرنسية نائية لولاه؟ من منح هذا المكان هذا الامتياز؟

أنا منحاز للإنسان وللشاعر ولتذهب كل الأماكن إلى الفناء. لا يوجد مكان مهم في العالم إلا لأنه يحمل ذاكرة ما عن إنسان.

في أكثر من مكان، كان تركيزك على الشاعر أكثر من النصوص ذاتها، وكدت تقول في ما بين بعض السطور: لايمكن لعاقلٍ أن يكتب الشعر. هل علينا أن “نأكل” الشاعر، لنتذوق شعره؟

المازني والعقاد قاما بتشكيل مجموعة أبولو للشعر، وقالوا: إن الشعر العربي مصاب بحالة صنمية نتيجة تكريس رموز راسخة، كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم. خصصوا أزاميلهم النقدية لتحطيم الأصنام ووعدوا أن يكون كتابا من عشرة أجزاء لم يصدروا منه إلا جزءًا واحدًا.. نجحوا نقديا بالفعل بتجريد أمير الشعراء وشاعر النيل من التاج والنهر.. نحن اليوم بحاجة ماسة لتحطيم أربعة أصنام شعرية بأدوات اللغة والشعر والنقد نفسها. ولكن، وأشدد، أنا احتفلت برياض وبنفس الوقت أشرت لمكامن عطبه. حميت نفسي ولم أحمه لأني لست شاعرًا. باختصار نحتاجه رمزًا الآن ونحتاج تحطيمه وبعدها سنقرر: نأكله أو نجعله يتآكل.

الغضب ظاهر في كتابك من: المثقف، الفنان، الكاتب… الذين تغنّوا دهورًا بالثورة، وحين قامت الثورة كانوا أعداءً لها، أو تجاهلوها في أحسن الحالات. أترى هذا عبئًا على الثورات، أم “فلترًا” من “الفلاتر” التي زادت نقاءها، والأهم: جذريتها؟

أجمل ما في الثورة أنها تفضح. الثورة طاقة عمياء لا تعبأ بكل ذلك، في الحقيقة هي مضادة للجمال المكرّس وبنفس الوقت تملك المادة الخام لقيم جمالية وأخلاقية لما بعدها.

لتعرف ما أعني بالضبط راقب ما يقال عن الثورة السورية من المثقفين الذين خاصموها فهم يصرفون مليارات الحريرات ليناقشوا أنها ليست ثورة، يستبسلون بكل ما لديهم من قوة لينفوا عنها هذه الصفة، رغم أن “الثورة” ليس بالشيء الحسن على الاطلاق. ولكنها تملك شاعرية الفضيحة.. كي لا تضيع الكثير من الوقت عليك بمراقبة خطاب الشعراء والمثقفين، يكفي إنكارهم لثورة بهذا الحجم لتتأكد من صوابيتها. على كلٍّ، فإن الثورة السورية وعبقرية الربيع العربي عمومًا، ممتزجة بفرادة تاريخية غير مسبوقة. أما من يتحدث عن المؤامرة والوضع الدولي والخليج.. فهذا عادة لا يرد عليه هنا، فهذه مضيعة للوقت.

في كتاب تبدو خلاصته الفكرية “نقدًا” والشعورية “مغامرةً روائيّةً”، أيكون هذا بداية نمطٍ أقلّ رتابة من النقد، وأكثر معرفيّةً من المغامرة؟

باختصار الكتاب في أدب الرحلة، وبنفس الوقت هو مخصص لقارئ يتذوق روح المدن، هو خلطة غير متسقة رافضة للتصنيف.

سأبوح لك بسر: في الكتابة الأولى اعتمدت توثيق المراجع بشكل منهجي والقارئ الحصيف سيعرف إني عدت لأكثر من مئة كتاب في هذه الرحلة. لكني آثرت محو التوثيق والهامش، المراجع في الفهرس مع الإشارة إليها في المتن كي لا يبدو كتابا ثقيلًا. أردت كتابًا متهمًا بالخفة يؤدي مهمة الثقل من حيث لا يدري القارئ.

ولكن إن كان هذا القارئ متجردًا عن التصنيفات، سيجد فيه الشعر، النقد، الرحلة، القصة، السيرة الذاتية، الأدب، الثورة. باختصار سيحبه أو يكرهه مثل موقفي من رياض تمامًا. وبكلا الحالتين أنا ممتن لمن سيقرأ.

مما أوردته في وصف “ثوريّة” الحسين، أنه سمّى الأشياء بأسمائها الأولى دون مواربة بعد أن غطّسها بحبر الخفاء والرمزية.

هذا لم يرد في وصف رياض، أطلقت هذا الوصف على آرثر رامبو لا على رياض الحسين فرامبو غطّس المعاني بحبر الخفاء والرمزية.

وعلى العكس عدت وبحثت لأيام طويلة محصيًا عدد المفردات المباشرة التي استخدمها رياض في دواوينه. أحصيت كم مرة قال كلمة حرية، موت، حب، قبلة.. إلى آخره. رمزية رياض غير مغموسة بحبر الخفاء، بل مترعة بوضوح الصمت.

 استحضار روح الربيع العربي عمومًا، والثورة السورية خصوصًا، أعطى بعدًا ثالثًا غير (النقد والمغامرة) بشكل واضح ومباشر، أقرب لقراءة التاريخ واستشراف المستقبل.
أيكون هذا، وقول ما لم يقله الحسين جهارًا، هو غاية الكتاب؟

غاية الكتاب هي (الأنانية الشخصية) مثل غاية أي كتاب في العالم. الرغبة بترك الآثر، المشاركة، الشفاعة والتبرير. غاية كتاب الرحلات هو المتعة والمعلومة ببساطة إن فشل بذلك هو كتاب فاشل ولا عزاء لي وله. أرادوا للربيع العربي أن يتوقف في سوريا. وهذا موضوع يطول.. وفي الحقيقة مهما فعلنا سنكون أمام حقيقة بسيطة (إن كنا موالين أو معارضين فهذا تصنيف إجرائي، الفرق إن كنا ثوّارًا أو قامعين وهذا تثبيت حقائق) أيّا يكون فنحن أمام حقيقة بسيطة للغاية: لا يوجد مخرج في سوريا بدون تغيّر النظام. لا يمكن السماح للمعارضة (ذات الخطاب الغامض) بالانتصار، ولكن حتمًا لا يمكن إنقاذ النظام. يمكن إنقاذ ما تبقى من سوريا.

أمام الهول ستبدو كتابة كتاب بالرحلات نوعا من البطر يثير الحنق. لكن أنا وأمثالي ماذا نفعل غير أن نكتب؟

شخصيًا إن خيّرت بين الكتابة وتعلم استخدام الكلاشنكوف سأختار السلاح… ولكني نجوت من هذا الخيار لذلك اتجهت للكتابة. ولأني أعتق نفسي من أهل الكتابة أسمح لنفسي أن أقول ما يلي:

الموجة الأولى من الربيع تم احتواؤها، ودفعت الدول التي تخاف الربيع –وهي بالمناسبة كل الدول العربية الخريفية والصيفية والشتائية ومن يدعمهم- مليارات الدولارات للتشويش على الربيع العربي واسمه. ولكن الموجة الثانية لن يقدر عليها أحد. هي قادمة حتمًا، قادمة ومدمرة وستطال الجميع. وما شهدناه في هذه السنوات الخمس هو لا شيء قياسًا بما هو أتٍ. لذلك: قراءة رياض الصالح الحسين قد تساعد!!

تعود دائمًا للتركيز على شخصية الشاعر، ومع بيسوا بالذات، تبدأ في الكشف عن التناقض بين الشاعر والقصيدة، إلى أيّ منهما على القارئ أن يتجه؟ وماذا لو أحبّ القارئ الشاعر ولم يستسغ قصائده؟ أو العكس؟

ربما الإجابة هنا ليست عندي بل عند هنري ميلر في كتابه الرائع رامبو وزمن القتلة. حين يقول من حاكم حياة رامبو ظلم شعره ومن حاكم شعره ظلم حياته. حين يغيب الشعر يُفتقد صوت الشاعر فهل ينتبه الإنسان أنه هو المفقود حينها؟

ولكن مهلًا من هو الشاعر المقصود؟ في زمن توزيع ألقاب على متشاعرين. هنا علينا العودة لحكاية نديم محمد وتنسب أيضًا لممدوح عدوان. حين كان على منبر في دمشق وتأخر في البدء بقصيدته، فما كان من أحد المتفذلكين وهم كثر اليوم على الفيسبوك، أن صرخ به: “خلّصنا يا شويعر!” فأجاب بثقة الشاعر الحق: “إلى من قال شويعر: الناس ثلاث: شاعر وشويعر وابن عاهرة. أنا شويعر ورضيت بحكمك، أما أنت فتقاسم مع المتنبي ما تبقى!

تختم كتابك بسرد طويل هو أقرب لمرثية شجيّة لسوريا، أتراها في نهاية المطاف بلادًا تصلح لقبور الشعراء؟ أتعتقد أن زائرًا غريبًا لقبور شعرائها سيجد ما يصفه كما أغرقت في وصف المدن والطرقات في رحلتك؟

لم استطع الوصول إلى قبر رياض في مارع- حلب، وحتى الشباب الذين كلفتهم بتصوير قبره لم يفلحوا بالوصول. على كلٍّ، لو قيّض لي أن أقف أمام قبر رياض الصالح الحسين ذات يوم، وسأفعلها حتما قبل أن أموت، لأخبرته بكل ما فعلته. ولقرأت له نصّي: أن تكون سوريا هذه الأيام. وقلت له: أنا ممتنّ أن نصّك القصير الشهي ما زال يلمع في سوريا الحزينة كعظمة في فم الكلب. سأنظر إليه، أنظر إليه، فقد تفسخ جسده ومازال يحمل راية الحرية. وأقول: “أنت يا رياض مصنوع من تراب الخلود، وكل ما آلمك مصنوع من طين زوال.”  فرياض أصبح اليوم من حيث يدري أو لا يدري جزءًا من  ردنا الحاسم على القتلة وزمن القتلة.

اترك تعليقاً

مساحات من الأمل بحجم وطن… في برلين

ترامب: “سأكون رئيسا لكل الأمريكيين”، والبيت الأبيض في حالة صدمة