الرئيسية » باب أرابيسك » جذور من ورق
جيسون دي كريس تايلور. underwater sculpture

جذور من ورق

نيرمينة الرفاعي*

لا وطن لي ولا حدود، وليسَ من الضروري أن أفردَ جسدي داخل حدودٍ يحرسها الجنود والبنادق وطاولات المفاوضات كي يكون لي جنسية، سأنتمي إلى التفاصيل الصغيرة، وسأخلق أرضًا قابلًة للتمدد أو للانكماش حسب مزاجي الخاص، سأروي لأحفادي أنَّ لا أرضَ احتملت ثقلَ حقائبنا الفارغة، وأنَّ لا جدارَ صمدَ أمام ظلالنا الداكنة.

سأحكي لعصافيري أنَّ الشجرة خدعةٌ كبيرةٌ، وأنَّ كلَّ خشبٍ مدَّ لهم غصونه اقتلع من أصواتهم جذورها ولم يترك في حناجرهم سوى الوحل، سأكتبُ في دفتر مذكراتي أنني بعد ثلاثين عامًا اكتشفت أنَّ لونَ دمي لا يُشبه لونَ طرابيش أجدادي، وأنَّ أصابعي لا تصلحُ لفرز أوراق الشدّة، وأنَّ قطعة النردِ خاصّتي بيضاءُ تمامًا من أوّلِ ارتفاعاتها وحتّى آخر سقطاتها، وأنني بعد ثلاثين خيبة اكتشفتُ أنَّ الطاولات كراسٍ فقدت عقولها، أو رؤوسها، وأنَّ أرضَ الغرفة الخشبية ليست سوى طاولة تمددت كقطة أليفة تنتظر عودة الراحلين صعودًا دون رجعة.

لا مكانَ يحتويني، لا أرضَ لي سوى ما تركته الأماكن في قلبي من تراب، لا حدودَ لي سوى ما رسمه الليلُ على جفوني من أرق.

أنا لا أنتمي إلى مدنٍ تتشابه ذئابها، وتتحول شوارعها في العتمة إلى صوفٍ ملتفٍ حولَ أعناق البائعين على الإشارات الخضراء دومًا، أنا لا أنتمي إلى فجرٍ لا رائحة لنداه، ولا إلى قمرٍ لا يستطيعُ حرقَ فراشات قلبي بعتمته المقوّسة، أنا لا أنتمي إلى موجٍ عاجزٍ عن حشرِ صوته داخلَ القواقع، ولا أعترفُ بماءٍ يأكلُ غرقاهُ رسائلَهم الأخيرةَ ندمًا.

أنا لا أنتمي إلى مدنٍ قايضت نساؤها أقدامهنَّ بكرةٍ زجاجية وخريطةٍ لفتح الفنجان ومزيجٍ من البهارات المقوّية للرحم والمبايض والذاكرة، ولا إلى صفحة وفيات كلُّ أصحابها فارقوا حياتهم متممين لواجباتهم الدينية، والمدرسية..

أنا لا أنتمي إلى مدنٍ يقضي رجالها وقتَهم في عدّ الأيام المتبقية لآخر الأسبوع، ولا إلى أسبوعٍ أيامهُ سبعةٌ منذُ بدءِ البشرية..

أنا لا أنتمي لساعةٍ لا تحملُ أكثرَ من عقربين، ولا إلى زمنٍ دائري لا يختلف نبضه إنْ شددته إلى قلبي من فرط الوحدة..

أنا لا أنتمي إلى الجدّة المستلقية في السرير، ولا إلى ليلى التي أكلها الذئب مرارًا وتكرارًا حتى ملّ، ولا إلى سلال القشّ وتفاحات الجنّة..

سأخبرُ طفلًا لم أجد الوقت لإنجابه أنني لم أعثر له بعد على لونِ عيونٍ مناسب أو جوازِ سفرٍ مقنع..

سأخبرُ حبيبًا بعيدًا أنَّ قلبي مثقوبٌ بألفِ رصاصة، كبلاده، وأنَّ جنسيته لا تصلحُ سوى لتوريث الدمع تلوَ الدمع، وأنَّ الأختامَ على أوراقنا الرسمية مجرّد كدمات..

سأخبرُ المنجّمة التي رمت ببلوتو في مداري أنَّني ضيّعت تاريخ ميلادي ولونَ أظافري ومدى توافقي مع لونِ الدخان في رئة الرجل الذي أحبّه ولا يحبّني..

في الساعة السابعة وبضع دقائق مساءً من كل يوم سأغلقُ البابَ على الشمس، سأبيعُ ما مضى من عمري لقاءَ ثقوبٍ في أباجور النافذة، ثم سأنسكبُ في عتمتي كالماء..

سأهربُ من سطوة حكايا الرصاص والجغرافيا، وسأنتمي إلى الحجرِ الذي يركله طفلٌ ذاهبٌ إلى مدرسته البعيدة، وإلى خبزه المختبئ في كيسٍ من النايلون..

سأسكنُ داخلَ علبة موسيقى بلاستيكية لا تمّلُ المرأة الواقفة عليها من الرقصِ على قدمٍ واحدة، وسأحفظُ أغنيةً واحدةً تصلحُ للفرح وللبكاء في ذات الوقت..

أنا التي أنتمي إلى وهمٍ يسمونه “وطن” وأنسجُ حولَه القصص والتاريخ، ألملمُ صوتَ أبي ورائحةَ أمّي كما ألملمُ مزهريةً زجاجيةً مهشّمةً وأخبئ قطعها الحادّة في قلبي، ثم أقضي ما تبقّى من العمر أنزفُ ترابًا لا مكانَ لدفنه سوى على وثائق لا تصلحُ للوصول إلى أيّ مكان.

 

*روائية أردنية

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

شخصية العدد 47: رفيق شامي.. روي القصص ما بين الحقيقة والخيال

ولد رفيق شامي -واسمه الحقيقي سهيل فاضل- في سوريا عام 1946، لعائلةٍ سريانية من بلدة معلولا، درس الكيمياء والرياضيات والفيزياء في دمشق. وفي عام 1970 غادر سوريا إلى لبنان هرباً من الخدمة العسكرية. وفي العام التالي انتقل إلى ألمانيا. حيث واصل دراسته في الكيمياء أثناء ...