in

“جاسوسة الملائكة”.. قصص مدينةٍ كانت منسيّة

جاسوسة الملائكة / عمار الأمير
جاسوسة الملائكة / عمار الأمير

موسى الزعيم. كاتب سوري مقيم في ألمانيا
جاسوسة الملائكة هو عنوان المجموعة القصصّية الثانية للقاصّ عمار الأمير، والتي صدرت مؤخراً عن دار موزاييك للطباعة والنشر في تركيا. تقع المجموعة في 165 صفحة من القطع المتوسّط وفيها 15 قصة قصيرة. 

يحاول عمار الأمير المقيم في إدلب، اقتناص الوقت بين البحث عن متطلّبات حياته اليوميّة المستعرة تحت هدير الطائرات ودويّ الانفجارات، والكتابة، يسعى لالتقاط حوادث يوميّة مؤلمة، بأسلوبه السرديّ الشيّق، إذ يغوص في أعماق الواقع، يتلمّس نبض المتعبين من الحرب، ووجع الحارات والبيوت التي ألفها والمدينة التي كبر معها.
في جاسوسة الملائكة يكتب بالضوء، يركض خلف المشاهد ليمسك بها لا ليكتبها فقط، يكتب عن الحبّ على صوت القذائف، عن خوف الأطفال وشهوتهم لحبّة “بندق”، عن حزن الأمهات في صباحات العيد.
نقرأ من عناوين القصص “عين الحقيقة، جاسوسة الملائكة، أبي، حياة ملك، لن أعود بعد قليل، عروس النهر، قسم الشتاء، وغيرها من العناوين..”

يفتتح المجموعة القصصية بقصّة “عين الحقيقة”، البطل فيها مصوّر موهوب منذ الصّغر، يتحوّل حبّه للتصوير إلى قضيّة مدينةٍ وادعةٍ كانت منسيّة “إحدى تسميات إدلب” لكن بات العالم كلّه يعرفها الآن، يسمع بأوجاعها، يتوجّس منها خوفاً. ينطلق المصوّر من جدلية أنّ لكلّ حادثة روايتين مختلفتين، وقصصٌ مغربلة، لكنّه يرى نفسه معنياً بالبحث عن الرواية الثالثة التي أخفاها أو تجاهلها الإعلام، لعل العالم يدرك جزءاً من الحقيقة عبر عدسته.
في “عين الحقيقة” صورٌ للدمار، على الصعيد العام، وعلى الصعيد النّفسي، أطفالٌ يقولون الحقيقة بصمتهم ودموعهم، سياسيّون “عرب” يجتمعون ليتفقوا فقط على شيءٍ واحدٍ هو أنّه “لا يوجد لديهم ما يمكن فعله”. في القصّة ينتصر البطل لنفسه، لمدينته، للمقهورين، فيرمي الناطقة باسم المؤتمر بكاميرته، وهي أعزّ ما لديه، مقابل هدم برج الكذب.  

أمّا في قصة مهمّة مستحيلة فأنت “تسمع تكسير الوطن تحت أقدامك”، ترى امرأة تجمع علب الكرتون لتعيل أطفالها، امرأة لا تعرف أين قبر ابنها البكر، ولا تعرف متى يخرج زوجها من المعتقل، تنام على وسادته لعلها تشّم رائحة شعرةٍ سقطت منه، لكنها رغم ذلك تمتلك هذه المرأة ما لا يستطيع غيرها أن يمتلكه من الكرامةٍ وعزّة النفس. 

في قصة “جاسوسة الملائكة” البطل يرفض السفر ويقنع بالبقاء في حضن مدينته التي تشكّل له الفضاء الجغرافيّ العام، فهي بالنسبة له بحجم “وطن” معتقداً أنّ حبر قلمه سيجفّ في الغربة. 
وفي لحظة خوف على أطفاله يقررّ السفر، لتأتيه استشارة قريبٍ له مغتربٍ قبله يشغله الحنين إلى التين والزيتون، يعقد مقارنةً بين المنطق والعاطفة، منطق أنّك تعيش في وطنٌ يركلك ركلاً إلى الخارج لأنّ هذا الوطن كما يقول “يكسرني كما يكسر طفلٌ حصّالته الفخارّية، أخذ محتوياتي ورماني “، بينما المدينة امرأةٌ طاهرةٌ غائصةٌ بالتراب، يرجمها الزّناة “أسياد الأرض عليها يحملون مقصّات، تقطع تلك الشعرة الواصلة بين العقل والجنون”.. لك أن تتخيل وجع بطل القصة وهو يترك زوجته المصابة بشظايا قذيفة تنزف على قارعة الطريق مع طفليها على كرسي أصفر، ويذهب ليبحث عن مسعف أو سيّارة ليعود إلى ذات المكان فلا يجد أحداً، هذا الهلع الذي ينتابه في هذه الثواني يكفيه لكي يملأ الكون صراخاً وخوفاً، يركض وتركض معه كلّ كراسي العالم. 

مآسٍ ترصدها عين عمار الأمير الذي يلهث وراء وطنٍ نغدو فيه “وكأننا طفلٌ يمدّ رأسه من عربة أطفال، والعربة في منحدرٍ، أفلتتها يد أمّ قنصت للتو” في مدينة باتت محكومة من “جيش يتدّرب على محاربة المنطق، يريدون إطلاق الجنون من معتقله”، لكن ثمّة أصوات لا بدّ أن تصدح من بين جوقة الأموات لتقول: إنّ الحزن صار كهلاً هنا.
عمّار الأمير يعيش دراميّة الحياة من حوله يرصد دخولها في باب الغرائبيّ اللامعقول، لذلك لم يقف حائراً أمام اختيار شخصيّاته القصصيّة، هي أمام عينيه، تعيش معه ذات التفاصيل، حتى يكاد كلّ فرد في هذه المدينة أن يكون بطلاً لقصّة، والمكان فضاء حارات وأزقّة يعرفها، ويخبر ناسها جيداً، يعيد رسم شكلها في مخيّلته، كلّما غيّرت ملامح وجهها قذيفة، حالها كحال باب منزله الذي قصف خمس مرّات وكأن المتحاربين على ثأر معه.

القصص في المجموع هي احتضان واحتفاء بهذا الواقع المرّ وهدهدته أو تضميد جراحه أو تعريته ومحاولة أنسنة الأشياء فيه إمعاناً في رصد جذور المأساة وآثارها التي تمتدّ وتتوسّع كما الألم والحزن، “فالكاميرا تبتسم له والكرسي يحزن ويركض معه، وباب بيته يشكو له”.
يجنح الكاتب إلى تأصيل علاقات الحبّ والألفة، كحالة تأسيسية، لبنية النص بالتوازي مع حالة المجتمع، كما في قصةّ “أبي” كتأكيد على نمط تلك الحياة الوادعة في المدينة، رغم الظلم والتهميش الذي يعيشه سكانها، ثم جاءت الحرب وخرّبتها من جهة تداول السلطة لمن هم على الأرض.

تعلو نبرة سخريته أحياناً في متون السرد، لكنّها سخريةٌ تكشط معها الألم المتراكم في الأوردة، يريد أن يضحك، فيصير دمعه جمراً. فسخرية عمار الأمير نابعة من فلسفة لها خصوصيتها، فهي رغم الامتلاء الظاهر للنص بحالة المرح والبشاشة في بعض الأحيان إلاّ أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع، نابعة من رفض الواقع المرّ الذي يعيشه، وهي سلاح الضعيف بلا شكّ في وجه القاتل، بعيداً عن السبّ أو الشتم، هي سخرية وليدة واقع جديد تعيشه المدينة، يسعى من خلال ذلك إلى الدخول في تفاصيل دقيقة من خلال التضاد والمفارقات أحياناً كما في قصة “حياة ملك” والتي مزج فيها الفانتازيا بخيالٍ ساخرٍ يعريّ فيه بإسقاط ذكيّ ملكاً “أهبل”.

في جاسوسة الملائكة يحاول عمار الأمير أن يماهي الحدود بين ما هو سردّي مطوّل وما هو مكثّف، بمعنى أنّ الأمير يبني لغةً سرديّة سلسة بسيطة لكنّها غنية، وتغدو على مساحة القصص قابلة للمدّ على بساط رواية، وهذا ما تضيق عن حمله القصة القصيرة أحياناً.
جاسوسة الملائكة صوتٌ قصصيّ صادرٌ من الداخل، من قلب لهيب الواقع ويتحسّسه الأمير بقلمه وروحه، وهي جديرةٌ بالقراءة والاحتفاء.

*الاقتباسات من القصص.

قيود جديدة في ألمانيا: ولاية ألمانية تمنع المئات من دخول البلاد عبر المعابر الحدودية

قيود جديدة في ألمانيا: ولاية ألمانية تمنع المئات من دخول البلاد عبر المعابر الحدودية

ملفات لم الشمل / اللاجئين السوريين في ألمانيا

بيروت وكورونا.. والآثار الخفية على ملفات لم الشمل