الرئيسية » باب أرابيسك » المسكوت عنه ونرجسيّة التلقّي… “لا ماء يرويها” لنجاة عبد الصمد

المسكوت عنه ونرجسيّة التلقّي… “لا ماء يرويها” لنجاة عبد الصمد

ملك عادل الدكاك*

يقول ميلان كونديرا: “إنّ الرواية تؤدي وظيفة البديل المعرفيّ الذي يعمّق الوعي”، فيستند أيّ عمل روائيّ إلى مرجعيات كثيرة، وربّما لا يبرح الأديب تجاربه وما خبر من الحياة، وخاصّة إن ضعفت لديه ملكة التخييل، لكنّ عمله يبقى ينوس بين قضايا متنوعة، وما قضية المرأة والرجل إلاّ أكثرها خطورة في تماسها مع الواقع.

فعلى النقد ألاّ يصدر أحكام قيمة على النصّ الأدبي، مستخدماً مساطره النقديّة الجاهزة والمسبقة الصنع، بل عليه أن يتعامل مع النصّ كما هو لا كما يجب أن يكون، ومن خلال معايير ينتجها النصّ لا معايير دخيلة عليه شكّلتها تراكمياً مرجعياتنا المعرفيّة والفلسفيّة والذهنيّة، وأنا هنا لا أدافع عن النصّ الروائيّ بل أنحاز إلى حقّ المرأة في حريّة الكتابة.

تناولت الكاتبة نجاة عبد الصمد في روايتها واقع المرأة في المجتمع المحليّ (جبل العرب) بسرد يمتطي القهر فيه قمة الهرم في تراتبية مثقلة بتنازع الأحداث، نزولاً إلى قاعدته من الأب إلى الزوج إلى الإبن متلفعاً بأشكال شتى كالعوز والانتهازيّة والذكوريّة والأعراف والتقاليد والعطش بمرموزاته. ومن خلال البطلة الجسورة، التي أُخرجت من الشرنقة لتعود إلى القوقعة، وتعاطيها مع المؤسسة الزوجية والأسرية وصولاً إلى مجتمع مأزوم من مناحيه كافة، وقد استخدمت الكاتبة أدوات وتقنيات تعيد تمثيل الأحداث في بيئة يجري العمل فيها مجرى الحقيقة.

في هذا الإطار لاقت رواية “لا ماء يرويها” نقداً بمفهوم معرفيّ ضيّق، بل ومناطقيّ، ومن خلال معايير أخلاقيّة عرفانيّة اجتماعيّة جاهزة، محكومة ببيئة وتاريخ محدّدين، ولهذا كان الناقد خصماً جاهزاً لا قارئا للنصّ، وكأنّه قد أعدّ أسلحته النقديّة قبل الولوج بالعمل، فيتجاهل الثراء الفني والجماليّ والدلاليّ للنص، وما ولّد من وعيّ وإدراك، ويبدأ الصراع بين مكونات السرد وغايته، وبين المرجعيّة المؤسسة لوعي الناقد.

استدعت الكاتبة من الذاكرة الجمعيّة المشتركة خبرات فرديّة قابلة للتذكّر، تلك الذاكرة التي امتلكت مكاناً لها ضمن المنظومة الاجتماعيّة، وقد توقفت عند محطات وتجارب لتسدّ التهميش، وتستدعي التحريض، وتزلزل الراكد، وتعيد اليقين إلى الوهم المتعمد بأننا تجاوزنا الماضي والادعاء أننا دثرنا الذهنية المتخلفة. ونحن لسنا شهود زور إذا قلنا إن الأمس لمّا ينته، وهذا حال الأدب في أي بقعة من الأرض، فأمسكنا بتلابيبها لنشهد على عدم إخلاص الروائيّة إلى البيئة التي أنشأتها، وتبدأ الأحكام تنهال على عملها الأدبي من جهة التعصب للمكان والجغرافية أو للجيل أو لمرحلة زمنيّة نعرفها أو كنّا شهوداً عليها، وكأنّنا نطالب الكاتبة بأن تغرق في المثاليّة التي تستنزف الصدق الفني الروائيّ، ويغدو التمرّد على الجاهز والمتداول والبحث عن التفرّد إثما تُحاسب عليه.

إن كان جوهر الأدب الإقناع والامتاع والتأثير فإنّ من وظائفه أيضاً ضبط الخلل وفضح المهمش، وتعرية المسكوت عنه، حتّى لا يغدو طعنة في خاصرة المجتمع يوما ما، ولاريب أنّه يستشرف المستقبل من خلال تساؤلات تستثيرها المضامين فيهجس القارئ بالعمل حتّى بعد أن يطوي صفحاته.

استطاعت الكاتبة تجسيد العقلية الذكوريّة الشرقيّة متمثّلة بأبطالها لتعبّر عن عالم طافح بالخراب ومن خلال المدركات الحسيّة مثل الأرض العطشى القاسية، وقتامة الصخر وصلابته، ممّا يجعل القارئ العارف بهذه الحيثيات مستفزاً إن كان المتن لا ينسجم مع تطلعاته، والمضامين لا ترضي نزوعه نحو المثاليّة الغائبة أصلاً عن أرض الواقع، ونرجسيّة أقلويّة صنيعة التأخر التاريخي، كما أنّ الكتابة تحتاج إلى الانفلات من تابوات ومحرمات السلطة المتمثّلة بالثالوث المحرّم وفق قول المفكر بوعلي ياسين: (الدين، الصراع الطبقي، الجنس).

انتهت الاديبة في روايتها من النقطة التي بدأت منها، وهي تقنيّة دلاليّة رمزيّة بأنّنا ندور في المكان، وكأنّنا نحيا في واقع غير قابل للتطور.

الأدب النسائي شبهة وعلى كل أديبة أن تستعدّ للإدانة، ولربّما يكون مصيرها كمصير مي زيادة (المصحّ العقلي) وما أكثر النساء اللاتي نجحنَ في مشوارهنّ إلى أن امتدت إليهنّ ألسنة المجتمع لينتهي مصيرهنّ خلف أبواب البيوت المغلقة شاعرة كانت أم طبيبة أم إعلامية.

أيّة رقابة هي إضعاف لعملية الإبداع وإبعاد الأدب عن مهمته نحو الاغتراب النفسي للكاتب، ليتشكّل لديه مايسمّى فوبيا الكتابة وهي العدوّ الأول للإبداع، رغم يقيننا أن المشاكل الاخلاقيّة تنتهك كلّ المحرمات التي تشكّل التابو العربي، وما البعد الاخلاقي المرهون بأنثى إلاّ واحد منها، فلماذا لا نقرأ العمل الادبي بعيداً عمّا نميل إليه من جغرافيا وأعراف وعقائد علّنا نلمس وعيا معرفيا جديدا! وألّا نفتش في حنايا النصّ عمّا يرفع منسوب مناقبنا أمام الاخرين لنمرّر الصورة التي نريدها، والنزوع التعاضديّ مع بيئتنا على حساب الدمار والعيوب التي تتراكم عامودياً من السطح إلى القاع، فالنقد الحقّ هو الذي يفتح الجدل دون أحكام جائرة.

* كاتبة من سوريا

 

مواد لأخرى قد تهمك/ي:

سليمان الجائع.. عن الضحك والبكاء في فلسطين، قراءة وحفل توقيع للروائي حكم عبد الهادي في كولون

مانسيل في متاهة المشرقة: قراءة في كتاب “ثلاث مدن مشرقية”

مكالمة فائتة… قراءة في رواية لناهد العيسى

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لن أتعلم يوماً

زين صالح* لن أتعلم يوماً ، غضاريفي تعظّمت عند باب الشادر الأسود، قرب جموع المتلفّعات بالأسود والمناديل البيضاء المطرزة. يوم كسرتُ الساعة “الأورينت” الثمينة دون قصد. شهر آب الموسوم بالقيظ والخسارة، حين لفّ محمد أفراحنا معه.. هناك في جيوب الثوب الأبيض الذي لا جيوب له. ...