الرئيسية » باب أرابيسك » الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2
العمل الفني عبدالكريم مجدل البيك

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش

ترجمة: روزا ياسين حسن

 

لكن هناك بالتأكيد الكثير من الوظائف والمهام الأخرى للأدب العربي: فهو يستطيع نقل عبث وبشاعة تجربة الواقع لغوياً، ويعيد إحياء الحقيقة بابتذالها وشذوذها في اللغة. كما يستطيع استخدام تجربة الظلم الخاصة بالكاتب كفرصة ليعكس تجارب الظلم الأخرى التي عاشها الآخرون.

ويمكن أن يكون الشعر كمنولوجات داخلية أو كحوار، أي يدور حول الذات أو يحتفل بالحوار وتعدّد الأصوات. أفكر كيف كان كل من “بول سيلان” و”كمال سبتي” مثلاً منشغلاً بتعاسته ومأساته الخاصة، في حين كان ثمة شعراء آخرون كـ”محمود درويش” و”إنجبورغ باخمان”، فكّروا بالآخرين وبالضحايا الغرباء، ربما لأنهم كانوا مميزين بطريقة ما، وبالتالي تمكّنوا من اختراق المونولوجات أكثر من غيرهم، أو على الأقل بطريقة خاصة بهم، باتجاه الحوار وتعدّد الأصوات.

في نهاية الأمر، يعيش الأدب أيضاً بعد الهرب عبر التخييل وقدرة اجتراحه والرغبات والأمنيات، بغية الفرار من قيود الواقع الضاغطة الصادمة والمليئة بالخسارة، ليواجهه وليضع نقاط علام جديدة لعالم آت أفضل. ربما كان التخييل هو الكنز الأكثر حيوية وقيمة، حينما لا يتحوّل على المدى البعيد إلى هروب ثانٍ، وحين لا يقود المرء للخروج من الواقع تماماً. لذلك من غير المسموح للأدب أن يتخلى عن الخيال، سواء لأدب السوريين اليوم، اليمنيين، الأفغان، والكونغوليين وغيرهم. ولكن هل يوجد بالعموم أدب للكبار يرقى إلى مستوى هذا الادعاء؟ حيث يجب عليه بالإضافة إلى سرد الفظاعات أن يمتلك قدرة التخييل وموهبة الحالمين بمستقبل أفضل، والتي تصبح واضحة في ظروف الحياة الجديدة والجيدة. وإلا لن يبقى إلا أدب الأطفال، الذي نستطيع فيه، نحن الكبار، أن ندنو من المستحيلات (كما يطلق عليها أبرز شعراء الحداثة العرب): الوطن، البيت، الجمال، الحب، والصداقة، بطريقة فورية وبسيطة وربما ساذجة. وفيما يستمر العالم بسقوطه في الدمار والرماد، وفي تبديد مصادر الحياة، تتم تنحية الواقع الحقيقي من خلال الافتراضية والثقافة المزيفة.

***

يمكننا أن نجد الكثير من أوصاف المنفى في الأدب العربي بعد العودة من المنفى إلى الوطن الأم، وليس فقط في المنفى. بعض الكتاب العراقيين عاوا إلى الوطن بعد العام 2003 2004، ولكنهم ما لبثوا أن عادوا ثانية إلى منفاهم. فليس “صدام حسين” من دمّر البلاد فحسب، وإنما الأميركيون كذلك وبعض الأطراف الاجتماعية الفاعلة. فلا يمكن لأحد أن يختار العيش بملء إرادته في ظل الاعتداءات اليومية وعمليات الاختطاف. بعض الكتّاب الفلسطينيين وصفوا العودة من منافيهم إلى المناطق المحتلة بعد اتفاق أوسلو في منتصف التسعينيات بأنها مستحيلة، وتحدّثوا عن استمرار المنفى، أو عن العودة (غير الكاملة) إلى الوطن. هل يمكن للمنفيين اليوم الاستفادة من الصراع الذي عاشه الفلسطينيون والعراقيون مع تجربة المنافي كي لا يكوّنوا توقعات مستقبلية خاطئة! أو ربما من الأفضل أن نستمر في الحلم ونرعاه لفترة قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى أوهام، كي لا نخسر طاقة الحياة.

في قصيدة بعنوان: عودة 1999، يرتّب الشاعر الفلسطيني “غسان زقطان” صور ومشاهد رحلة العودة مع بعضها البعض، ليكشف في النهاية باقتضاب: لم نصل بعد. عودتـ”نا” لم تتحقق بعد! ذلك أن على الأسلاف بوجود الأحياء أن يعودوا إلى الصفوف الخلفية، ليس ليجدوا السلام فحسب، بل ليتحقق وصول العائدين وتنتهي الغربة. ولكن لا توجد قبور لموتى أو قتلى أو أماكن ذكرى النكبة! بل يجب على الشعر تعقّب الأسلاف والموتى بطريقة إحيائية ورهيبة، لإعادة إيقاظ الحياة وخلق نصب تذكارية من الكلمات، يجد فيها الموتى سلامهم.

السؤال الذي يطرح نفسه: كم هو مهم لأناس اليوم بقاء الأسلاف؟ وهل لا يزال ثمة وطن في تشرّد الحداثة متصل بشكل ما مع الأسلاف والموتى؟ أم ينتمي معنى الأسلاف لمرة واحدة وإلى الأبد لماضي المجتمعات التقليدية؟ ربما كان ذلك أيضاً نتيجة الحروب الحديثة والعنف السياسي العام: تدمّرت العائلات الكبيرة كما الأوطان، ولم يعد لهم دور حقيقي في حياة الأجيال الشابة. كما هي مجازية أو حقيقية أشباح أسلاف “توني موريسون” في روايتها الكلاسيكية ما بعد الكولونيالية: “محبوبة”.

هل هو استعارة لماضي العبودية والاقتلاع، أم ما يزال يلعب الأسلاف والموتى والأرواح دوراً حقيقياً في حياتنا اليوم؟

في مقطع طويل حول فهم المنفى، يتحدّث الشاعر العراقي “سعدي يوسف” الذي يعيش في المنفى الإنكليزي حول الأسلاف ونقطة التقاطع التي يشكلها الخط العمودي والأفقي والتي كان الوطن يقع فيها يوماً:

“يتضمن المنفى فكرة الالغاء: إلغاء علاقة الفرد بالسماء والأرض والمجتمع، ثمة خط رأسي يصل بين السماء حيث المعبود والأرض حيث الأسلاف، في هدأة الموت الطويلة، وثمة خط أفقي ينتظم القرية أو البلدة، حيث المنازل والذكرى وملاعب الطفولة، وفي نقطة تقاطع الخطين يقف الفرد، هول المنفى هو في اقتلاع الفرد من نقطة التقاطع هذه، وزرعه في بقعة أخرى لن تكون نقطة التقاطع فيها”.

عرّف جون بيرغر John Berger “مفترق طرق” الوطن، “le foyer”، العام 1986 بعبارات مشابهة قد يكون يوسف قد عرفه:

“الوطن هو مركز العالم، حيث يتقاطع العمودي مع الأفقي. الخط العمودي يصعد إلى السماء وينحدر باتجاه باطن الأرض إلى عالم الموتى. الخط الأفقي يمثل الدورة الأرضية، جميع الشوارع والطرق التي تؤدي إلى أماكن أخرى، وتربط الأماكن ببعضها. لذلك فالمرء سيكون قريباً من الآلهة والأسلاف في الوطن”.

الأهم من ذلك، تبدو النتيجة النهائية لبيرغر فيما يتعلق بالهجرة في العصر الحديث، والتي تطرح أسئلة ليس من السهل رفضها:

“أنا أصرّ لأن المرء إذا لم يفهم بداية ماذا يعني الوطن بالأساس، لن يدرك أبداً المعنى الكامل للاغتراب.

الاغتراب ليس مجرد ظرف طارئ، إنه ليس أن تغادر وطنك تعبر البحر وتعيش بين الغرباء فحسب، ولكنه يعني أيضاً أن ترى تفكك معنى العالم، وفي الحالات القصوى تحوّله إلى عالم غير واقعي، وهذا استسلام للامعنى والعبث”.

ماذا يعني فقدان الشعور بـالعالم أو انتفاء معناه؟! هل الإنسان قبل كل شيء غريب في هذا العالم إذا لم يعد يملك معنى للعالم أو للحياة؟ ماذا يعني للهاربين ألاّ يصلوا بعد؟!

الفيلسوف الفرنسي “جان لوك نانسي Jean-Luc Nancy” يعتبر (غير الواصل) غريباً، فالغربة تتأتى من (عدم الوصول)، وفقط حين يتحقّق الوصول تنتفي الغربة، ويعبّر عن ذلك بقوله:

“يبقي المرء غريباً بعد وصوله، فوصوله لايني حاضراً. لن يكون وكأنه في وطنه، على الأقل طالما يشعر بأنه غريب! وسيكون لاحقاً المرء الذي وصل، لكنه لا زال عالقا في الطريق”.

باستخدام تعبير “im Kommen” أي في الطريق، يُذكِّر “جان لوك نانسي” بالظاهرة، التي سبق ورآها “جاك دريدا” أيضاً، التي تتم في المستقبل: الأطياف والعدالة والديمقراطية. الأدب لن يتوقف عن الحديث عن هذه الأشياء القادمة، التي يمنع عدم وصولها وصولنا للعالم.

(القادم) يلعب دوراً أيضاً عند “غسان زقطان”، لأن العودة تحوّلت لديه سلفاً في خضم محاولة (الوصول) إلى يوتوبيا، أو على الأقل إلى مكان موعود لم ينوجد بعد، ولن يأتي إلا مع تحقيق العدالة! لابد من خلق ذلك المكان الأكثر عدالة، رغم غيابه الذي نشعر به في كل مكان. و(الوصول) هو ليس فقط إيجاد معنى، لكنه مرتبط بإحقاق العدالة والاعتراف بالظلم من قبل الجاني، أو على الأقل من قبل طرف ثالث.

إذا لم يكن هناك فهم عادل للتعامل مع الماضي، فسيكون (الوصول) بعد العودة إلى البلاد أشدّ صعوبة. وإذا لم يتحقق (الوصول) بسبب رفضه، فسيأخذ معنى القبول الإيجابي للمكان الجديد الذي يحتله المرء الآن في العالم. هذا القبول سيمنع المرء من البقاء سجيناً في حالة الضحية وانتظار النجاة.

يضيف “نانسي” بعداً آخر لفكرة “الغريب القادم” فيقول: “وصوله مابرح يتسلّل إلى كل علاقة من علاقاته، فلا يعول عليه في حق أو ألفة أو اعتياد”.

يجلب العائد معه كغريب لحظة مقلقة إلى وطنه الذي لم يره منذ مدة طويلة، تعزّزها طرق الحياة والعادات الجديدة المتّخذة في الغربة. في قصائد “زقطان” لا يكون القلق أو الاضطراب عند أولئك المستقبلين ولكن عند الواصلين كمجتاحين من الخارج.

يواجه الفرد العائد إلى أماكن حياته القديمة أناه القديمة، يشعر بعمق أنه أصبح شخصاً آخر! وبكل الأحوال سيبقى العائد لوقت طويل مسجوناً في قضية (الوصول) المقلقة: فلايمكن الحديث بعد عن وصول مكتمل ومنجز.

خاص أبواب

*روائية سورية مقيمة في ألمانيا

 

اقرأ/ي أيضاً:

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج1

أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة  47

“الذين مَسّهم السّحر” لروزا ياسين حسن رواية ترصد مرارة الحرب السورية

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

احتفالات الهدنة وآلة الحروب التي لن تتوقف

شريف الرفاعي* فيما كنت أتابع قبل أيام الاحتفالات الفرنسية بذكرى الهدنة والذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، تذكرت رواية اسمها: صبر العصافير اللامتناهي وهي تخرج عن المألوف في صياغتها وموضوعها، يروي كاتبها الأسترالي دافيد معلوف (وهو من أب لبناني وأم بريطانية) قصة شاب استرالي مولع ...