in

الاغتراب اللغوي في بلاد اللجوء: عقبة أم عتبة

العمل للفنان ميسم مليشو "حديث ودّي"

د. نوال الحلح

يقول ميخائيل باختين في كتابه (الكلمة في الرواية): “إن المعنى اللغوي لقولٍ ما، يُفهم على خلفية اللغة، أما مرماه الحيوي فعلى خلفية الأقوال الأخرى المشخصة في الموضوع ذاته، على خلفية الآراء ووجهات النظر والتقويمات المتضاربة”.

وفي خضمّ محاولاتنا الحثيثة للخوض في تعلم اللغات الجديدة في بلاد اللجوء، يصبح معنى هذا القول مجسّدا على أرض الواقع، ضمن متاهة المفردات الجديدة واستخداماتها المختلفة، وضمن المعاني التي تختزنها هذه المفردات ولا تشير إليها قواميس اللغة، مما يستلزم استخدامًا خاصًا للجُمل والكلمات، وهذا ما يُنتج بالضرورة شعورًا مضاعفًا بالاغتراب والعجز.

ومن هنا تنشأ ضرورة تعلم الاستخدام الخاص للغة، الاستخدام اليومي لعباراتها الذي يُضفي عليها الحياة كي تُخرج العبارة من الحياد، وتنقلها من درجة الصفر -أي استخدام اللغة بأقل قدر من المجاز- إلى خطاب ذي دلالات أبعد.

تفصلنا عن هذه المجتمعات الجديدة لغة كاملة، لغة عمرها آلاف السنين، وفيها آلاف المفردات التي لا نعرفها، هذا الاغتراب اللغوي هو اغتراب من نوع آخر؛ فالفرنسيون مثلاً يستخدمون في لغتهم تعبيرات اصطلاحية لا يعرفها الغرباء عادة، فهم مثلاً يقولون عن الفقير المعدم أنه (فقير مثل فأر)، وفي الواقع أننا نحن الغرباء نشعر في مواجهة تعبيراتهم ولغتهم بأننا مثل الفئران المحاصرين الذين يلتقطون فتات اللغة من مدارس اللغة، ولكننا نشعر أننا ضئيلو الحجم دون أوراق رسمية تعترف بوجودنا ودون مفردات تعيننا في شرح معاناتنا ومطالبنا ومأساتنا التي تركناها خلفنا وما زلنا نحمل آثارها على أرواحنا. هذه الغربة اللغوية عائق هائل يمنع اندماجنا في هذه المجتمعات الجديدة، ويضيف بعدًا جديدًا للمأساة. عندما يضيع منك الكلام في مواجهة موظف أعزل تشعر بـ (فأريّتك) أو حجمك (الفأري) إذا جاز لنا الاشتقاق، ففي غمضة عين تصبح لغة الإشارات هي الطريقة الوحيدة للتواصل، ناهيك عن سوء الفهم الذي قد يحصل، فإن حجمك المكاني يتصاغر ويذوي مثل عود كبريت يحترق، وكأن وجودك الشخصي الذي كنته في بلادك يغدو هنا حبة قمح متروكة في الفراغ على أرض اسمنتية لا يمكن اختراقها كي تصنع لها جذرًا.

ومن هنا تبدأ المعركة في تعلم لغة جديدة، جديدة كليًا لا تعرف منها حروف الجر من حروف العطف من الأعداد من الأفعال من الصفات، تتسلح بالصبر وتبدأ بالتعلم، لكنك في الحقيقة تغرق في رمال متحركة، فلفظ اسمك يتغير وسياق الجملة يتغير، وتشعر شيئا فشيئا أنك ضيعت صوتك، لأنك عندما تقول الكلمات الغريبة تخرج من فمك بصوت آخر؛ فاللغة -كما درسناها تحمل أصوات المتكلمين فيها- أما أنت، فغريب وكلماتك الغريبة لا تحمل سوى معناها المعجمي الجاف، لذلك كلما أردت قول شيء يسمع منك الآخرون معنى مغايرًا تمامًا لما قصدته، ومن هنا يبدأ سوء الفهم. دوامة لا بداية لها ولا نهاية، تعصف بروحك وتلقيك على قارعة المدن الغريبة تبحث عن المتكلمين بلغتك وتزداد انزواءً وغربة.

عادة يرتبط مفهوم الاغتراب بشرط اجتماعي واقتصادي ضمن ظرف زمني محدد، فهو نتيجة للعزلة الاجتماعية والعجز عن الفعل بشكل عام  في المجتمع الجديد، شعور العجز وكأنك تحت تأثير تخدير عام، ولكنك تشعر بكل ما حولك. هو قلق وجودي مُربِك، وكأنك ضيّعت يديك وعينيك ولسانك، مزيج من عدم الفهم وعدم القدرة على التأثير هنا أو هناك، ولكن تجاوز هذا الوضع ليس مستحيلا، بل هو منوط أولا وآخرا بالرغبة الحقيقية في كسر حواجز اللغة، وإعادة إيجاد ذاتك وتجذيرها في هذه البلاد، وكذلك إثبات قدرتك على التميز والحضور الفاعل.

اغترابنا يعلقنا في مواجهة أسئلتنا الحارقة، ولكنه حافز على تخطي هذه العقبة\العتبة التي من بعدها سيتضاءل اغترابنا وسنعود لنجد لساننا يقول بما نريد، ويضيف إلى اللغة الجديدة ملامحنا وهوياتنا الحضارية التي نحملها معنا أينما ذهبنا.

 

*أكاديمية من سوريا، مواليد عام 1977، حائزة على شهادة دكتوراه في الأدب الحديث. لها دراسات نقدية منشورة في مجلات محكمة. ومواد ثقافية في المواقع التي تهتم بالشأن الثقافي. مقيمة في باريس.

اترك تعليقاً

لا أحدَ يصدّق حزني يا الله!

تطبيق موبايل يلبي احتياجات العربي في برلين