الرئيسية » افتتاحيات » افتتاحية العدد 42: الانتخابات الأوروبية ومستقبل الاتحاد

افتتاحية العدد 42: الانتخابات الأوروبية ومستقبل الاتحاد

طارق عزيزة*

أجواء الحملات الانتخابية التي سبقت الانتخابات الأوروبية الأخيرة، ومضامين شعارات وخطابات أحزاب التيار اليميني المتطرف، والحماس الشديد الذي أظهره رموز هذا التيار وأنصاره، كشفت جدّية التحدّيات والمخاطر التي تتهدّد الاتحاد الأوروبي، وتكاد أن تضع مستقبله على المحك بشكل فعليّ للمرة الأولى منذ نشوئه.

إنّها لحظة مصيرية، فأوروبا “تواجه أناساً يريدون تدميرها”، وفق تعبير بيير موسكوفيتشي مفوض شؤون الضرائب في الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى التيارات الشعبوية الصاعدة بقوّة. فالاتحاد، وإن تأسّس بدايةً لاعتبارات اقتصادية، إلا أنّ تجربته قدّمت نموذجاً فريداً يقوم على الانفتاح، التنوّع، التعاون بين الدول، التضامن، التعددية، عالمية الثقافة والأفكار والقيم. وفي المقابل، تتعزّز مواقع اليمين المتطرف والشعبوي، ويزداد حضوره وهو الممثّل لكلّ ما يناقض تلك القيم والمبادئ. وتحت عناوين ضبط الهجرة وتعزيز الحدود الخارجيّة، وإعادة السيادة السياسيّة إلى دول الاتحاد الأوروبي وحماية الهويات الثقافية، يسعى إلى تدمير النموذج التعدّدي المنفتح، لصالح الانغلاق والتعصب القومي والديني، بما ينتجه من صراعات هوياتية تدمّر المجتمعات وتقوّض السلم الاجتماعي.

المفارقة الملفتة أنّ الشعبويين الذين يزعمون الحرص على “الثقافة الأوروبية”، وينتقدون الاتحاد الأوروبي في شكله الحالي أو حتى يرفضونه بزعم أنه فشل في حماية أوروبا من “الأجانب” والأخطار التي يحملونها، يعتمدون هم أنفسهم على الدعم الكبير الذي يقدّمه لهم “أجانب” من نوع آخر، مثل روسيا بوتين أو اليمين الأمريكي المتطرّف الذي انتعش في عهد الرئيس ترامب، علماً أنّ كلّاً من هذين يعمل ما في وسعه لإضعاف التكتّل الأوروبي خدمةً لمصالحه.

إنّ منافسة أوروبا مفككة تقودها حكومات قومية متعصّبة أسهل بكثير على موسكو وواشنطن من تلك الموحّدة المتضامنة المتنوعة والمنفتحة، ولإضعاف خصمهما ليس من شريك أفضل من أحزاب اليمين المتطرّف الأوروبي. ولعلّ هذا ما يفسّر جهود المستشار السابق لدونالد ترمب، ستيف بانون، وهو اليمنيّ المتعصّب، في سعيه إلى توحيد أحزاب اليمين المتطرف الأوروبيّة وتنسيق جهودها، ومثله العلاقات الممتازة بين قادة هذه الأحزاب ويبّد الكرملين.

ومع تمسّك الفريق المقابل بالاتحاد في صيغته الحالية، وسعي دول جديدة للانضمام إليه، مثل جورجيا، التي تقول رئيستها سالومي زورابيشفيلي إنّ بلادها “ستكون سعيدة للغاية في حال ما أخذت المكان الذي ستخليه المملكة المتحدة”، فالأرجح أنّه، وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات ، فإنّ عنوان المرحلة القادمة سيكون: الصراع على أوروبا.

*كاتب سوري من أسرة “أبواب”

اقرأ/ي أيضاً:

افتتاحية العدد 41: Making Heimat بين أحلام المعماريين وواقع اللاجئين

افتتاحية العدد 40 من أبواب: حين يغذّي الإعلام النزعات العنصرية

في سوء الفهم الناجم عن الفروق الثقافية

أسئلة “الوطن” التي لا تنتهي

طارق عزيزة

كاتب سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1982، مجاز في الحقوق من جامعة دمشق – 2006. عملَ أستاذاً ومحاضراً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ببيروت. له عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية عربية. من مؤلفاته: “جبهة النصرة لأهل الشام القاعدة في طبعتها السورية” (2013)، “العلمانية” (2014). مقيم حالياً في ألمانيا.

عن طارق عزيزة

طارق عزيزة
كاتب سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1982، مجاز في الحقوق من جامعة دمشق - 2006. عملَ أستاذاً ومحاضراً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ببيروت. له عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية عربية. من مؤلفاته: "جبهة النصرة لأهل الشام القاعدة في طبعتها السورية" (2013)، "العلمانية" (2014). مقيم حالياً في ألمانيا.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

Öl ins Feuer: Die Medien befeuern rassistische Tendenzen

Souad Abbas, Chefredakteurin Der terroristische Anschlag auf Betende in Neuseeland hat weltweit eine Welle der Verurteilung ausgelöst. Die rassistischen Motive des Täters belegen, wie gefährlich der sich ausbreitende Rechtsextremismus ist und verdeutlichen die Rolle der Medien, deren Berichterstattung dieser Tat mindestens Vorschub geleistet hat, aber ...