شرعيّاتٌ في ميزانِ الحُلْم

  د. مازن أكثم سليمان | شاعر وناقد سوريّ

 

(1)

لنا المطَرُ اللُّغويُّ

إنْ كانَ القبوُ مُظلِمًا

لنا البحرُ الفدائيُّ

إنْ كانَ التَّعذيبُ مُحكَمًا

لنا المَشهَدُ الذي تُجدِّدُهُ الدُّموعُ،

كُلَّما ردَّدوا:

القوَّةُ طَوْعُ سِياطِنا..!!

 

(2)

النُّبلاءُ هم -فقط- المُتمرِّغونَ بتُرابِ الأسئلةِ:

]الغُبارُ شُبْهَةٌ مُغمَّسَةٌ بالتَّحدِّي والنِّداءِ

… شُبْهَةٌ لا يمحو مَفاتِنَها هُبوبُ أيَّةِ ريحٍ عميلةٍ[.

 

(3)

النُّبلاءُ هم مَنْ لا يُميِّزونَ شجرةً عن شجرةٍ، ولا عُصفورًا عن آخَرَ.

مَنْ يَرْوُونَ المَراثيَ على الدُّروبِ المائِلةِ، فتنفتِحُ المَساراتُ أبعَدَ، ومَنْ يَقُصُّونَ شريطَ أيِّ تغييرٍ مهما كانَ نحيلاً، ومهما تدحرجَتِ المَناماتُ على هَوامشِ الوسائِدِ.

 

(4)

في المُعتقلاتِ الرَّثَّةِ يظهَرُ معدَنُ الرَّحيقِ الأصيلِ: ذاكَ الذي نُزِعَتْ أُلفتُهُ من قَبْلُ! وداخِلَ كُلِّ سجنٍ سجنٌ ذاتيٌّ أشدُّ فتكًا مُذْ تألَّمَ الضَّوءُ القديمُ وهوَ يتقمَّصُ لحناً كحصانِ طروادةٍ يَلِجُ عبرَهُ انفجارًا ما زالَ ينأى عن الوصفِ.

 

(5)

الجسَدُ برأسٍ مَفصولٍ عنهُ يبثُّ شرعيتَهُ في صَهيلِ الأحلامِ: شرعيةٌ تتسلَّلُ رويدًا رويدًا منذُ ما قبلَ الوجودِ بالفعلِ، وتتغلغَلُ في تَجاعيدِ الأرضِ ومَسامِ العالَمِ لأنَّ معها وحدها المَفاتيحَ السِّرِّيَّةَ لما حدَثَ ويحدُثُ وسيحدُثُ…

 

(6)

لأنَّها الحياةُ

اختاروا لأنفسِهِم زوايا

لا تصلُحُ لالتقاطِ الصُّوَرِ التِّذكاريّةِ

إنَّهُم يعيشونَ الآنَ

-فحسبُ-

في تمريناتِ المُستقبَلِ.

 

(7)

الشَّرعيَّةُ عزْفٌ على أصابعِ بيانو التَّحوُّلِ. لُعبَةُ الصُّراخِ المُغامِرِ، وإكساءِ فضاءِ الرَّفضِ بطُيورٍ اعْتُقِدَ أنَّها انقرَضَتْ منذُ عُصورٍ.

 

(8)

شرعيَّةُ المُغيَّبينَ والمَفقودينَ والمُهدَّدينَ في حياتِهِم وحياةِ ذويهِم أشدُّ سُطوعًا من كُلِّ الحبرِ المُراقِ في كُتُبِ القوانينِ ودساتيرِ الأُمَمِ.

 

(9)

قد تبدو المُنعطفاتُ الحادَّةُ في التَّاريخِ بلا ماهيَّةٍ: ذلكَ صحيحٌ؛ لأنَّ الوجودَ حينَها يكونُ شكلاً حركيًّا لا يتوقَّفُ عن تفتيتِ الجواهِرِ القديمَةِ ونسْفِها بمفخَّخاتٍ من مَجاهيلِ الغَدِ الغريبِ رُبَّما..

/ما لا يُوقِنُ بهِ النَّاسُ ويتحكَّمونَ فيهِ قَبْليًّا -كما يتوهمونَ- يُخيفُهُم إلى حُدودِ تطايُرِ شَرَرِ الغرائِزِ عشوائيًّا، وقلَّما ينجو عابرو المرئيِّ من التَّردُّدِ كُلَّما ازدادَتْ تلفُّتاتُ الأحداثِ تشويشًا، وتكثَّفَ الانبساطُ الهلاميُّ لكيفيّاتِ المَعيشِ/.

 

(10)

-تسقطُ الأنظِمَةُ والحُكوماتُ، وتتخلخَلُ السُّلطاتُ معَ أوَّلِ شهقَةٍ مُختَطَفةٍ لطفلٍ أو شابٍّ أو أو: أوَّلُ حديثٍ عن مَعونةٍ أو إغاثةٍ هوَ بدايةُ الفضائِحِ العُظمى لمُدَّعي القلوبِ الكونيّةِ، وأصحابِ العُيونِ التي لم تكُنْ دُموعُها يومًا سوى مُحاكاةٍ للشَّمْعِ السَّائِلِ قبلَ أنْ يبرُدَ ويأخُذّ شكلَ خنجَرٍ…

 

(11)

لسْتُ ذراعًا عسكريًّا للوردةِ؛

لكنَّ انغراسيَ –نحوَ- الأمامِ

أبقى مُخيَّلتي فوقَ مُستوى الفقرِ.

عفَّشوا جميعَ أملاكِ المَجازِ

وظلَّ بطينَتِهِ السِّحريَّةِ

طليقاً يُوَلِّدُ شرعيَّتَهُ

بالطَّريقةِ التي لا تتوقَّفُ أبدًا

عن مُباغتَةِ أُمِّهِ (اللُّغةُ)

فيتبرآنِ من بعضِهِما

بمُنتهى التَّراضي في الحُرِّيّة.

 

(12)

الشَّرعيّاتُ التي تبدو أزليّةً وثابتةً فريسَةُ أوَّلِ بهلوانيٍّ يُموِّهُ عُرْيَ النَّورَسِ بعُرْيِ الغيمةِ.

 

(13)

الشَّرعيّاتُ المُسَبَّقَةُ مَساميرُ الآلهةِ المُتزلِّفَةِ لتثبيتِ انحطاطِ الاستعاراتِ قبلَ أنْ تصيرَ كينوناتٍ، والشَّرعيّاتُ المَفتوحةُ على المدى دعوى الجَمالِ النَّيءِ لتجديدِ الألمِ بالألمِ: القسوةُ ضرورةٌ مهما تمنَّى الثَّائِرونَ أنْ لا يحتاجوا إلى الدُّخولِ في مَتاهاتِها التي لطالَما جاءِتْ على هيئةِ مُطابَقةٍ حَرْفيَّةٍ لا تلبَثُ أنْ تنكشِفَ فضائِلُها المٌنزاحةُ.

 

(14)

إنَّهُ فرنُ المَعاني المُحتشِدةِ، والحرارةُ التي تصهَرُ تُسوِّغُ سِفاحَ قُربَى الدَّلالاتِ.

 

(15)

الآنَ..

والأسئلةُ تُحدِّقُ في دمِي الغزيرِ

لا طاقةَ لي على قراءةِ حتّى كلمةٍ واحدةٍ

من خُرافةِ (المَنطقِ) التَّقليديّ.

 

(16)

النُّبلاءُ سارِدوا حكايا الشُّهداءِ بلا ظِلالٍ؛ لأنَّ الشَّمسَ تُفضِّلُ العُزلةَ حينما يتعلَّقُ الأمرُ بتسكينِ الجُروحِ عبرَ فتْحِها. وهُنا، تُمنَحُ (الشَّرعيّةُ) من ذاكرةِ البُكاءِ، وتُنزَعُ في الوقتِ نفسِهِ عن قهقهاتِ القتَلَةِ، ودونما أنْ يعوا ذلكَ دُفعةً واحدةً، وبحبوٍ خجولٍ وبطيءٍ، تتصعَّدُ المُبادَراتُ الانقلابيَّةُ كأنَّها تجيءُ في أرديةٍ كاذِبَةٍ، فتنفصِمُ الثُّنائيّاتُ الباليةُ: الشَّرعيّةُ فائِضُ دمٍ جديدٍ يُمارِسُ مِهنةَ البلسَمِ الحارِقِ -أقدَمُ مِهنةٍ في التّاريخِ- ريثما تُكمِلُ قيَمُ (الحقيقةِ/اللّاحقيقةِ) التباسَها الحُرَّ الرَّهيبَ.

 

(17)

لا شرعيَّةَ لجُثَّةٍ ترتدي طقمًا وتُدخِّنُ السِّيجارَ، وتدوسُ على جُثَثٍ هامِدةٍ، مُتوهِّمَةً أنَّها بمُجرَّدِ أنْ تُشوِّهَ جثامينَ المَوتى تدفنُهُمْ إلى الأبَدِ..

 

(18)

لا شرعيَّةَ إلّا لمَنْ يصرُخُ مرَّةً واحِدَةً، وإلى ما لا نهايةٍ: لاااااااااا

 

(19)

لإنقاذِ الغابةِ من سُلطانِ العُنفِ

قد تُحْرَقُ بأكمَلِها.

الثَّوراتُ خيانةٌ وقِحَةٌ وبذيئةٌ لكهنوتِ الأسْيجةِ، ولا تتمدَّدُ شرعيتُها إلّا بسلْبِ مَنظومَةِ المُحاصَصاتِ طُمأنينتِها.

شرعيَّةُ الزِّلزالِ ليسَتْ في ضبطِهِ على مقياسٍ مُحدَّدٍ؛ إنَّما في قوَّةِ الدَّفْعِ المُدمِّرِ الذي يَسْندُ بهِ عزيمةَ القابعينَ تحتَ القصفِ.

 

(20)

من غيرِ المُمكِنِ تعيينُ الشَّرعيَّةِ الثَّوريّةِ:

حدقةُ عينِ الأُفُقِ

قد لا تُبصِرُ ما وراءَ جبَلٍ قصِيٍّ

لكنَّ ذلكَ يكفي أحيانًا

لفَتْحِ أعظَمِ ممَرٍّ في الاحتمال!!

 

(21)

كُلُّ مَنْ يخوضُ في خِطابِ الشَّرعيّاتِ عليهِ أنْ يتذكَّرَ (الينبوعَ) من كُلِّ شيءٍ، ثُمَّ يبكيَ نشوةً…

 

(22)

النُّبلاءُ فقراءُ بأرصدَةٍ من الهُتافاتِ وأوراقِ الأشجارِ المُتراميَةِ كروايَةٍ مُزِّقَتْ أوراقُها إرَبًا إرَبًا، وحفِظَها الضَّوءُ عن ظَهْرِ قلبٍ…