الرئيسية » باب شرقي » عربيات يتركن بيوتهن ويلجأن إلى حكومات الغرب: ولاية الرجل و”حق” السيادة على الذات؟!
رهف محمد القنون

عربيات يتركن بيوتهن ويلجأن إلى حكومات الغرب: ولاية الرجل و”حق” السيادة على الذات؟!

د. محمد الزّكري

أنثروبولوجي بحريني يقيم في ألمانيا

كلنا استيقظنا على وقع الإثارة الإعلامية بترك الشابة السعودية “رهف محمد القنون” منزل أبيها إلى تايلاند ثم إلى كندا. وما لثبنا نتتبع موضوع “نجود منديل” السعودية، وفي سياق مشابه علمت أن في مدينتنا كتبس الألمانية امرأتين مهاجرتين قررتا ترك منزل الزوجية واحتمتا بظل القانون المعمول به في ألمانيا.

هناك من يتساءل هل ما نراه ضوء أحمر يلوح منذراً عما هو أعمق مما تراه العين؟ هل مشهد ترك الشابة منزل والدها أو ترك الزوجة بيت الزوجية هو حقيقة مشهد ذكوري أفرزه عجز البنية الفقهية العاملة في تشكيل الوعي الأسري عن أداء وظيفتها؟ هل الوعي الذي ينظم علاقة ولي أمر المنزل مع أسرته ينهار، أم أنه ضحية ذكورية مستعرة؟ هل الخطاب الديني اللامنتمي لزماننا بفعل ترسباته العميقة ينتج مخيلة تلهم خيال الرجل بكيفية تصرفه أو توحشه عندما تختلف المواقف بينه وبين المرأة بشكل مخلول؟ أم أن المرأة لم تحسن فن الاقتباس بما يناسب محليتها من الثقافة الكونية (خصوصا الأمريكية) التي تغمر وسائطنا الإعلامية المشاهدة والمحمولة والمقروءة؟ هل هي المرأة التي بالغت في تعولمها أم أنه الرجل الذي بالغ في ترجله الشرقي؟!

أمر بلا شك مهم وبحاجة إلى دراسات عميقة وواقعية للبحث عن مخرج لعربي وعربية في معبر الثقافات.

اختلاف فهم المصلحة:

من غير الإنصاف القول بأن العرب وحدهم الذين يواجهون هذا التحدي. فكل الأسر من أتباع الثقافات العالمية لها مشاكلها في قضية ضبط عائلتها في إطار يناسب فهم رب أو ربة الأسرة حول ما يحقق مصلحة الأسرة.

من منا لم يسمع بالمثل الأمريكيMy Way or the Highway ، ويعني يا تسير على قوانيني في البيت يا تسير من المنزل. أو المثل الذي يقول my house my rules، ويعني منزلي يدار بقوانيني لا بقوانينك. هذه أمثلة أمريكية مرتبطة بتحديات سنين المراهقة والنضج، وهي مرحلة يصلها الأبناء والبنات بعدما تسري في أجسادهم هرمونات البلوغ ليتحولوا من أطفال إلى مراهقين.

لكن الأطفال يكبرون، وبعد زمن تنضج قدرات الفتاة والشاب على فهم الحياة وفهم المصلحة وطريقة المساهمة في تشكيل مضامينها مع رب الأسرة. فمن المتوقع أيضاً أن تستجد مواقف لا يتفق فيها الأب مع ابنته على تشخيص ذات المصلحة. مثل هذا الاختلاف في تشخيص المصلحة بين الأب وابنته تطرق إليه القرآن العظيم، كما فطن فقهاء الإسلام القدماء (مثل ابن قدامة في المغني 7/368) إلى هذه الظاهرة تحت عنوان “تعضل” الرجل على المرأة.

تعضّل الولي:

قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا “تَعْضُلُوهُنَّ” أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون).

قديما قال الفقهاء بحرمان تعضل الأب على ابنته، ويقصدون بذلك عندما يفرض الأب رأيه بشكل يخل بتحقيق المصلحة التوافقية المتفق عليها بينه وبين أفراد أسرته، وذلك في حالة منعها من الزواج بكفئها من رجل تحبه وترغب به ويرغب بها. أي أن الأب يرى مصلحة غير التي تراها أبنته. وهذا أمر منهي عنه في القرآن. إذ يجب أن تخوض الأسرة حوار متكافئاً بين الولي وموليته للتوصل إلى مصلحة متفق عليها.

قال الفقهاء القدماء إن تعضّل الولي بفرض رأيه على موليته في قضية الزواج يُسقط ولايته في هذه المسألة، لعدم جدارته بأن يكون ولياً توافقياً، وتنتقل الولاية في هذه المسألة إلى الولي الأبعد مثل الجد. ويسمّى الولي إذا تعضل على بناته في قضية الزواج فاسقاً وتسقط عدالته وولايته. وفي مذهب الإمام أحمد تسقط حتى إمامته فلا يصح أن يكون إماما في صلاة الجماعة في المسلمين.

على المستوى العامي نسمع بتعبيرك “لا تتعضّل علي” أي لا تشتد علي، أي لا تمنعني عن مرادي ولا تغلق الأبواب في وجهي. لكن الغريب أننا لا نجد فقهاء زماننا يثقفون الجماهير بأنواع التّعضلات وحدودها!

أنواع التعضّلات:

الملفت أن عاميتنا ليست ملمّة بمفردة تعضل فحسب، لكنها تستخدمها في قضايا مختلفة غير الزواج، بل في كل القضايا التي يكون الرجل والمرأة فيها طرفي حوار وأخذ وعطاء.

هنا نتسائل هل التعضلات على مستوى الفقه محصورة فقط في قضية الزواج؟ أم أن مقصد الآية الكريمة هو توسيع مدارك الوعي الأسري لكي يحقق كافة مناحي مصلحة الأسرة. هل يمكن إذا توسيع فقه التعضّل ليعني القدرة على إنتاج مواقف توافقية بين أعضاء الأسرة حول أفضل السبل لتحقيق “المصلحة” دون تشتيت الأسرة؟

مثلا ماذا لو أرادت فتاة أن تدرس الطب وهو متاح لها ولكن ولي أمرها يصر أن تدرس تخصص التعليم ضد رغبتها، فهل يسمى ولي الأمر هنا عاضل وتسقط ولايته في هذا المحور؟

وعلى مستوى عش الزوجية لو تم تقسيم شؤون الحياة بين الزوج وزوجته إلى محاور ومواضيع يجب فيها أن ينجح الزوج بالامتناع عن التعضل مع زوجته لكيلا يتحول إلى فاسق في نظر الشرع. وفي حالة ما قام الزوج بممارسة ولايته على زوجته بنهج التعضل، أي بفرض رأي لا يخدم مصلحة الأسرة، فهل يسقط شرط السمع والطاعة له في هذا الملف؟

الأمر لا يقتصر فقط على فقه التعضل فهناك انقراض وتآكل للثقافات المحلية لصالح ثقافة كونية تبثها القنوات العربية من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية واللاتينية. هذه المحطات مملوكة لعرب وخليجيين يبثون إلى جانب المسلسلات فقرات دينية وتغطيات للصلوات المباركات في الحرمين الشريفين، مما يسهل على المستهلك لهذه البرامج تقبّل الأشياء الأخرى التي تبثها تلك المحطات. فبعد سنوات من هذا البث الإعلامي لابد أن نتوقع حدوث تبدّل معياري في السلوكيات غير متطابق مع روح الثقافات المحلية!

تنمية الذكاء العاطفي:

أمام هذا الزخم من البث الإعلامي لثقافات كونية تُـقْرِض الثقافات المحلية، لا نجد بالمقابل برامج ثقافية وسيطة تساهم في تنمية الذكاء الثقافي بين مستهلكي تلك البرامج التلفزيونية. فالذكاء العاطفي والثقافي ينمي قدرات فردية تسمح بتقييم السلوك الكوني الذي يمكن تقمصه محلياً دون الدخول في تصادم حاد مع أتباع الثقافة المحلية. لابد أن يعلم المحلي عند اقتباسه من ثقافات كونية أن بعض تلك الثقافات ليست أمريكية بل نيويوركية ولاسفيغية وأن ليس كل الأمريكان يتقبلونها. فأمريكا ثقافات وليست ثقافة واحدة. فكيف يُترك المستهلك العربي دون دليل إرشادي ليعي فعلاً ماذا يتقمص ودرجة التقمص.

برامج الذكاء الثقافي مفقودة في ثقافتنا، وهي مطلب حرج ووجودي لمجتمعات في طور انتقالها عبر الثقافات. برامج الذكاء الثقافي ترشد المستهلك للثقافات الكونية لصنع تصنيف تمييزي يرشده حول ما يمكن اقتباس وجرعاته ودرجات إشهاره في محليته.

من الذين تفطّنوا بشكل مبكر إلى أهمية الذكاء الثقافي وساهمت بقدراتها المتواضعة على نشره في الثقافة العربية هي المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي. فقد جمعت ما بين العلوم الإسلامية والأنثروبولوجية ووظّفتهما في قضية تحسين وضع المرأة العربية، لا بإحداث ثورة غربية بين العرب بل بالاهتداء إلى تلك الثغرات في الثقافة العربية الإسلامية التي تسمح بالتغير، وتساهم في إحداث طفرات نوعية وثقافية تخدم وضع المرأة وجعلها في كفّة شبه متساوية مع الرجل كأب وزوج. ما قامت به المرنيسي هو استخدام منطق الإسلام ولغته لبناء مباني ثقافية جديدة تسمح باستضافة قادم ثقافي كوني من الخارج ليكون متناسباً مع البيئة الإسلامية العربية.

وعي ثقافي جديد:

لا يجب أن نستثني في زمن متعولم بثقافات كونية تعضل المرأة في صيغة البنت أو الزوجة على الرجل، فمثلما الانخراط في ثقافة توافقية مطلوب من الرجل فهو مطلوب من المرأة، ونحن بلا شك بأمس الحاجة إلى إعادة فتح ملف “فقه العضالة أو التعضل” ومن ثم توسيع نطاقه ليكون محور تشكيل وعي شرعي يعطي الرجل والمرأة الحافز الديني على تجنب تعضل الواحد على الآخر، وتحفيزهما على تجنّب سلوك فرض الرأي على الشريك.

يجب على الرجل والمرأة في الثقافة العربية خوض حواراتهم بمعايير التكافؤ بين شركاء المصلحة لتحديد مصلحة الأسرة وكيف يمكن تحقيقها بشكل لا تعضّلي، أي ألا يتعضل الرجل على المرأة وألا تتعضل المرأة على الرجل، بل يعملوا على إنتاج تعريفات أسرية ثقافية متطورة بشكل ونهج توافقي لا قسري.

إن ثقافاتنا المحلية تنقرض لصالح ثقافة كونية تلفزيونية، لذلك لابد من الضغط على مؤسسات الثقافات العربية في بلاد العرب أو في أوروبا لتأسيس منصة مجتمع مدني نخبوية، تنتج مباني فكرية جديدة لتطور منظومة الذكاء الثقافي، لتسمح لنا بالبقاء كعرب ومسلمين، ولتسمح لنا بالتفاعل بشكل إيجابي مع ثقافات كونية متدفقة جديدة.

خاص أبواب

 

اقرأ/ي أيضاً:

رهف القنون تتحدث عن حياة “العبودية” في السعودية وحياة الحرية في كندا

رهف القنون… من كوابيس السعودية إلى فضاءات كندا

تداعيات قضية رهف القنون… سعوديات يهددن بالهرب ما لم يُلغَ نظام الولاية

هند البلوكي: سيدة إماراتية هربت من القمع المنزلي والمجتمعي

سعوديات في وجه القمع والتخلف دفاعاً عن حقوق المرأة والإنسان

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكاتب أنور السباعي: لولا “هموم الدعوة” لدخلت عالم الرواية مبكراً

حاوره طارق عزيزة.  كاتب سوري من أسرة أبواب ماذا أردت من روايتك “الأعراف، برزخ بين جنتين” التي صُنّفت ضمن “الكتب المحرمة” وصودرت في عدّة بلدان عربية؟ الأعراف هي الانسان، الأرض العصيّة على التصنيف، المؤمن والكافر فيها سواء. تحتويك بشرط واحد، أن تكون إنساناً، يخطو بتعثّر ...