الرئيسية » باب شرقي » نبش في الذاكرة.. مع مغنية الأوبرا السورية نعمى عمران: “صوتي هو فرحي وحبي واستقلالي وحريتي”
photo by Michel Le Bastard

نبش في الذاكرة.. مع مغنية الأوبرا السورية نعمى عمران: “صوتي هو فرحي وحبي واستقلالي وحريتي”

حاورتها روزا ياسين حسن

كنت أشبه الكائنات البرية:

– النبش في ذاكرة مبدعة مثلك ليس أمراً سهلاً، ولكن متى بدأ ولعك بالغناء الأوبرالي، وهل كان قرار دراسة الغناء خيارك الشخصي منذ البداية؟

– الحياة الأولى: بدأ ولَعي بالغناء يوم اكتشفت مقدرتي في الدفاع عن نفسي والتعبير بكلمة: (آ)، حين كنتُ طفلة. أجدُ نفسي الآن بأسمي (آ). كان الصوت (آ) زمناً خاصاً وغريباً، وكان صورة ولوناً وكانَ أنا. وكان اللعب والدفاع عن النفس. في الدفاع عن النفس تَلَمَّسْتُ نفسي، فبَدَأَتْ سعادةٌ ما.. مَدَّت الآآآآ وحركتها. اكتشفتُ متعة المَدّ مثل كائن بدائي.. ثم بدأت أُليَّلُ.

أتذكر أن رنين الـ(آ) كان يطربني. فيما بعد تطورت الـ(آ) وصارت استغراباً وتعجباً. كنتُ محبوبةً وصرتُ فرجةً. أحب اللعب ولا أقبل أن يقودني أحدٌ سواء عنوةً أو تحبباً. كنت أحب الماء وأحب الـ(آ). الـ(آ) كانت الماء، أرى ما أرى فيه وأحبّه.. وما أزال. كنت صغيرة جداً عندما طُرِدتُ من المدرسة أول مرّة. اتصلوا بأمي لتأتي وتأخذني. كنت خلعت حذائي في باحة المدرسة ووضعت قدمي في نافورة الماء. رنّ الجرس ولم أذهب إليه، ولم أساوم ولم أتخلى عن هذه المتعة. تشبّثت بالماء واحتميت به وبصوتي.

كنت أُشبه الكائنات البريّة، وكان ثمة غريزة استباقية تتحسّس التدخل والإملاء وكنت أقاوم بشراسة، أحتمي وأقاوم وأهاجم بالـ(آ) الصوت.

ثم تطورت الـ(آ) لتصبح (آآي) ثم (أوووو) ومن ثم (آه) في سنّ المراهقة، لأصنع لنفسي “أسلوباً” خاصاً مجبولاً بالألم واللذَّة والكره والحبّ. اكتشفه صوتي وقادني في دنيا مجهولة.

كانوا يرغبون بنفيي ليبدو وكأنهم الظاهرة الطبيعية:

– كيف كانت ردّة فعل وسطك الاجتماعي تجاه هذا القرار، هل تذكرين شيئاً من صعوبات البدء؟ كيف كانت ممارسة الغناء في سوريا قبل مغادرتك لها؟

– البدء كان سعادة. كان يبدو أنّها بلا حدود. لم يستغرب أحد دخولي الكونسرفاتوار ودراسة غناء الأوبرا فعائلتي والجيران والأصدقاء كانوا ينتظرون دائماً الصوت الذي كنت أرسلهُ ليصل آخر الشارع. وكنتُ أسميتُه وأنا ما أزال في الثامنة بالأوبرا.

في المعهد العالي للموسيقى ظننت أنني دخلت الحلم. توّهمت أن الكونسرفاتوار منطقة محررة بالجمال والموسيقى. وأن الحياة المشتهاة بدأت الآن. الغناء في عقلي وروحي، رحم الحريّة ومحرّض الحقيقة المستقبلية، يؤلف مستوى من وعيٍ جمالي جديد وحرّ. الوعي الجمالي حصانة.

المسؤولون ”الثقافيون“ فصاميون، ينشطرون بين الإخلاص للفن والمهنة وبين الولاء للسلطة. يقلّدون السلطة ويصبحون سلطة. مراهقون عجزة وعنيفون ويقدمون أنفسهم كآلهة. وحين يقتضي الولاء خيانة أحدهما (الثقافة أو السلطة) يخونون الثقافة. المشروع الإبداعي الحرّ رهن بالحاجز الأمني العلني والمستتر، ولابدّ لعبور الحاجز أن تبايع الفساد، بدءاً من أن تكون بعثياً سواء آمنت أم لم تؤمن بالبعث. فالانتساب المنافق يعطب النقاء ويؤسس لانتهازية لا يمحو داءها الإدّعاء بأنها وسيلة مؤقته لبلوغ ما تريد.

حصلتُ على ثلاث منح تخصصية من أوروبا وفقدتها الواحدة تلو الأخرى. تصوري سعادة أن تقرأي اسمكِ أعلى اللائحة ثم يحدث أن يختفي منها. تصوري أي خفقان لحظة تقرئين الاسم ولحظة تجدينه محذوفاً. اختنقت وشعرت بالظلم. كنت وحيدة في مواجهةٍ لغزٍ جارحٍ وديكتاتوريات قزمة ومؤذية تنهشك لتنال من اعتدادك وحريتك وتدعوك للولاء وللفساد الأخلاقي والفنيّ. ازدادَ حنقي وازداد دفاعي عن نفسي. كنت أشعر بعمق تضادي الأخلاقي معهم وبحصانتي الإنسانية وكانوا يشعرون بذلك. كان ازدرائي لهم واضحاً وغير مُقَنَّعْ. كانوا يرغبون بنفيي وبانقراضي، ليبدو وكأنهم الظاهرة الطبيعية.

استطاع النظام خلق بنية تحتية فسادية تدير نفسها بنفسها، فتتنافس على الولاء ويصبح الآخر سلطة على الآخر، ويمنعه من دخول منطقة التنافس الحقيقي الإيجابي. لا أعتقد أن الصوت يستطيع أن ينجو من فساد الروح. كنتُ أَجْهَرُ بروحي ومقاومتي عندما أغنّي. كان صوتي حزني وحبي واستقلالي وحريتي.

نعمى عمران: مغنية أوبرا ومؤلفة موسيقية وممثلة. خريجة المعهد العالي للموسيقا في دمشق، قسم الغناء 1997، درست الغناء في كونسرفتوار أورليان فرنسا 1996-1997، تابعت دراستها في أكاديمية ياناتشيك للموسيقا في برنو التشيك 1999-2000. مثّلت سوريا في عديد المهرجانات العربية والدولية، وغنت على كبريات المسارح العالمية، وشاركت في التأليف الموسيقي لعدد من الأفلام والمسرحيات. تقيم اليوم في العاصمة الفرنسية باريس.

 

غنيت “قوّة القدر” وأغلقت باب الفرقة السمفونية وخرجت إلى الحياة الحريّة. كنت قد تغيرتُ ولم أتغير، ولو أنني أملك سلطة على الذاكرة لحذفت منها الغضب. غضب مؤلم مؤذٍ لا يفتتهُ الزمن، لقد زادتني الرحلة الجمالية في عالم الموسيقى والغناء احتراماً لانسانيتي. كانت الـ(آ) الطفلة التي ترفض العنف والمهانة وتصون كرامتي، قد نضجت وتأصلت في روحي.

هل تستطيع الروح احتمال هذه المبارزة؟! مبارزة مستمرة حتى الموت، تستبدل روح اللعب باللعب بالروح، وتجعلها صمدية على طاولة مسؤولين يفوحون بالفساد. فتصبح الـ(آ) (إإإإإ) حادّه عنيفة. ويوم تمأسست الفرقة السيمفونية، وتمّ تثبيتي فيها كـ”صوليست“ أغلقت الباب وخرجت. قررت أن أصون الحب.. أن ألجأ إليه.

أول امرأة تشارك طقس الزن المقدس:

لجأت إلى حلَبْ. تعرفتُ على الاستاذ “نوري اسكندر” وعملتُ معه على التراث الغنائي السرياني. رمّمت جيناتي الشرقية مع الأستاذ “محمّد قدري دلال” وعدتُ به ومعه إلى دار الأوبرا، فغنيت الدور والمونولوج والقصيدة المرسلة “حبّ وطَرَبْ على مقامات حَلَبْ”، كان زمناً جمالياً وإنسانياً بلا حدود. عثرت على رغبتي فوقفت على المسرح مغنية وممثلة. وألّفت الموسيقى لـ”جلجاميش” مع “إريان منوشكين” في مسرح الشمس في باريس. ودعاني الموسيقي الياباني “ستومو يامشتا” لأغني النوته الأوغاريتية في معبد “كيوتو”، وكنتُ أول امرأة في التاريخ تشارك في طقس الزين المقدس. هؤلاء معلمون، محبّون وباحثون ومتواضعون وعارفون ولا يحملون “العصا”.

الثورة واللجوء:

– درست في فرنسا والتشيك، ولكنك عملت أيضاً مع الفرقة السيمفونية السورية، هل للعمل ومعوقاته دور في خروجك من سوريا، أم للحرب ووضعك السياسي الدور الأكبر في ذلك؟

في التشيك وقفت على خشبة المسرح الوطني في “برنو” وأديتُ “ڤيوليتا” في أوبرا “لاتراڤياتا”، وانفتح كلّ المستقبل. لكن بطاقة العودة إلى سوريا كانت الأقوى. كان الخارج هو المؤقت وسوريا هي المستقبل. في العام ٢٠١١ انقلبت الصورة وصار المنفى كلّ الزمن. سوريا ٢٠١١ تشبه أمنية كانت تسكنني وأحاولها. كانت ثورة. وحين قتل المتظاهرون السلميون أبناء سوريا غنيّتُ أسماءهم في كل مكان. إنّها (آه) لا تشبه سواها. ووجدنا أنفسنا في المنفى بلا بطاقة عودة. ولم نقبل اللجوء السياسي، فـ”تناحتنا” أنا وأسامة محمد زوجي لم تقبل استبدال صفة الفنان بالسياسي، ولم نقبل ولم نتلق (نَگلةً) من أحد أو من جهة أو من دولة. كان زمناً قاسياً جداً لكن خيارنا هذا أعاد لنا توازننا الروحي.

أحاول غناء حلم الضحية وتخليد موسيقاها:

– خرجت وأكملت عملك من الخارج وأبدعت فيه، هل لك أن تحدثينا عن عملك الآن، وما هي الصعوبات بالنسبة لفنانة سورية مثلك في المهجر؟

الصعوبة تكمن في فكرة الإبداع نفسها، وما زلت أبحث عن معناه الحقيقي، سواء في المنفى القديم أو الجديد.

قبل الخروج الكبير من سوريا وقفت على خشبة “أوبرا مونيه” و”تياتر دولافيل باريس” و”بوزار بلجيكا” و”الأكروبولوس أثينا” وغيرها، كان صوتي يغني صور سوريا القديمة والقادمة.

أنا الآن في المنفى، حين أستيقظ لا أسميه منفى: إنها باريس. أنا لا أتلبس دور الضحية، أنا أحاول غناء حلم الضحية وتخليد موسيقاها. عملتُ مؤلفةً موسيقية ومغنيّة وممثلة: في فيلم “ماء الفضّة” لأسامة محمد الذي عرض في مهرجان كان ونال جوائز عدّة، وفي مسلسل “وجوه وأماكن” لهيثم حقي. ألفتُ الموسيقى وأديّتُ ما يشبه الميوزيكال في المسرح. وأسستُ لأوركسترا صغيرة في الـ٢٠١١ وأسميتها “القاشوش”. ومازالت أعمل على مشروعي الخاص الذي يحفر موسيقاه في قلبي.

أغنّي “نوطات سوريا”، وأبدأ كل حفلاتي بغناء أسماء المعتقلات والمعتقلين والمخطوفات والمخطوفين: رزان زيتونة، سميره الخليل، وائل حماده، ناظم حمّادي، عبد العزيز الخير، يحيى الشربجي، زكي كورديللو، باولو ديلاوليو.

“أراهُم.. قلبي يراهُم أريد أن أخبأهم في المستقبل”، هذه أيضا قطعة ألّفتُها وغنيتها كي لا أبكي دوماً. أنا لا أنتقم، أنا أحبّ، هذه هي ذاكرتي المستقبلية أغنية أزلية تصل الأزمنة ببعضها نحو الحرية.

نعمى عمران: مغنية أوبرا ومؤلفة موسيقية وممثلة. خريجة المعهد العالي للموسيقا في دمشق، قسم الغناء 1997، درست الغناء في كونسرفتوار أورليان فرنسا 1996-1997، تابعت دراستها في أكاديمية ياناتشيك للموسيقا في برنو التشيك 1999-2000. مثّلت سوريا في عديد المهرجانات العربية والدولية، وغنت على كبريات المسارح العالمية، وشاركت في التأليف الموسيقي لعدد من الأفلام والمسرحيات. تقيم اليوم في العاصمة الفرنسية باريس.

اقرأ/ي أيضاً:

ديما أورشو ، في صوتها الكثير مما نحب أن تكون سوريا عليه

كنان العظمة: أفضل التفاعل على الاندماج

الرواق… ملتقى للسوريين في الغربة، من الإمارات إلى هولندا

ريم بنا: “قلبي معبد لا تخفتُ صلاته..” صباحك يا “غزالة” دائماً نور، حتى لو لفّكِ الغياب

بافاروتي: عندما تصل الأوبرا أبعد مما تصله موسيقا البوب

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملف العدد 40 عن التنمر.. وأطفالنا هم الضحية

رشا الخضراء* في أوائل هذا العام 2019 ضجت مدينة برلين بخبر انتحار طفلة ألمانية بعمر ١١ سنة بسبب تعرضها للتنمر والإزعاجات المتكررة. وصرحت مونيكا هيرش شبيتز الأخصائية الاجتماعية، أن التنمر أصبح ظاهرة شائعة جداً، حيث يقدر أن واحداً من كل ثلاثة طلاب إما تعرض سابقاً ...