in

لغز المكان

الصورة للفنان حسين حداد

سامي حسن

باستثناء رغبة قديمة -لم تتحقق- بالسفر خارج سوريا من أجل الدراسة، لم أكن من أولئك الذين يهجسون بالهجرة، لكنني، لطالما قلت لنفسي ولآخرين، إنه من الظلم بمكان أن يقضي المرء حياته في حيز جغرافي محدود، ولا يزور الدول الأخرى المنتشرة على هذا الكوكب، فيتعرف على شعوبها وطبيعتها وثقافاتها. ولأن تحقيق ذلك يتطلب، بالدرجة الأولى، إمكانيات مالية كبيرة، فقد بدا لي الأمر أشبه باليوتوبيا. المفاجأة هي أن ما كان بالأمس حلمًا مستحيلاً، بات اليوم واقعيًا، وفي متناول اليد. حيث أنني أقيم في ألمانيا منذ حوالي عامين ونصف، وبإمكاني، على الأقل، أن أجول في أوروبا، وبتكاليف ليست كبيرة، لكن، وهنا المفارقة، ليست لدي الرغبة ولا الحماس ولا الدافع من أجل ذلك! أكثر من ذلك، بات يتملكني شعور أن كل البلاد متشابهة، كل أوروبا تشبه ألمانيا، فلماذا أتكلف عناء السفر؟ لكن ماذا عن ألمانية؟ حقيقة لا يمكن القول عن الطبيعة في هذه البلد، إلا أنها جميلة، وجميلة جدًا، بل ربما، ساحرة. فهي متنوعة، فيها السهل والغابة والجبل والنهر والبحر. مع ذلك، وهذا ما يزعجني، لم استطع حتى الآن الشعور والاستمتاع بهذا الجمال، ومازالت الألفة مع  المكان عند حدها الأدنى؟!

قد يقول قائل: إن السبب في ذلك هو الحال في سوريا، وكم الحزن الذي بات يعشش في الروح، ويعطل الحواس، ربما! وقد يقول آخر، إن عين الزائر (سائح ، طالب،…) ومنطقه ومحاكاته تختلف جذريًا عن اللاجئ، فهذا الأخير معني، بل مهموم، بالإجابة عن أسئلة الاستقرار والانسجام والاندماج والعمل والمستقبل في هذه البلاد. أما الزائر، فلا تعنيه كل تلك الأسئلة لا من قريب ولا من بعيد، ربما!

خلاصة القول، أن فترة عامين ونصف من الإقامة في ألمانيا لم تكن كافية لتوليد مشاعر الإحساس بما فيها من جمال، ونسج علاقة قوية معها. فالتعود على المكان والألفة والشعور بالانتماء له، يتطلب وجود ما يمكن أن يجعلك تشتاق إليه، وأن ترى فيه بعضًا منك. ويكون لك أثر فيه، أحداث، قصص، عمل، أصدقاء حميمون، ذكريات،…إلخ. هذا كله يحتاج إلى زمن. الاستثناء الوحيد في هذه الحالة هو ثلاثة أمكنة باتت لها على ما يبدو خصوصية ما بالنسبة إلي. المكان الأول هو حديقة صغيرة في منزلي لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار مربعة. أزرعها بالخضراوات التي أراقب نموها يومًا بعد يوم. وإذ أراها تكبر وتزهر وتثمر أمام ناظري، وإذ نقطف ثمارها بأيدينا، عائلتي وأنا، كل ذلك يثير لدي مشاعر الغبطة والسرور، ويجعلني ربما، أضحك على نفسي، وأقول في سري بأنني لست عاطلاً عن العمل. المكان الثاني هو البلدة القديمة في مدينة ماينز، أو ما تبقى منها، بعد الحرب العالمية الثانية. فهذا المكان يأخذني إلى باب شرقي وباب توما وغيرهما من معالم دمشق القديمة. المكان الثالث هو نهر الراين، الذي يبعد عن بيتي مسافة خمس دقائق سيرًا على الأقدام. فالجلوس على ضفة هذا النهر والنظر إليه تبعث فيّ الطمأنينة والراحة. هنا، يحضرني محمود درويش بقوله، الذي قد لا يكون له صلة بحديثنا: “ثقوا بالماء يا سكان أغنيتي”. أما المكان الرابع فهو مطار فرانكفورت الذي يبعد عن بيتي مسافة أقل من نصف ساعة بالسيارة. على ما يبدو، فإن هذا المكان الذي أستقبل فيه الأحباء وأودعهم، يحيلني إلى رغبة مشتهاة في السفر، لكن إلى أين؟ ربما إلى سوريا بلد الولادة والمنشأ، والأهل والأصدقاء، والأحلام والذكريات! وربما إلى فلسطين التي، وبعيداً عن موضوع الوطن والوطنية، يعتريني فضول التعرف إلى أرضي، وأرض أهلي وأجدادي. وملامسة شخوص وعناصر الرواية التي لطالما سمعتها وقراتها، وعشت، ومازلت أعيش، بعضا من فصولها؟.

 

*كاتب فلسطيني سوري مقيم في مدينة ماينز

اترك تعليقاً

في الدنمارك: طالب لجوء هدد بتفجير نفسه بعد فشل عاطفي

من برلين: إلى أين وصل الربيع العربي؟