in ,

شيءٌ من فيض الجمال… هنا حين ينشد “رولاند باوه” للسلام

مصطفى علوش – لستُ مغرماً بالمدن الكبيرة، حتى دمشق التي عشتُ فيها عمراً قبل هجرتي، لم أتعلق بها، لطالما شعرتُ أن المحبة يجب أن تكون للبشر لا للأماكن، للحياة الدافئة الموجودة في الكائنات الحية.

بعد وصولنا إلى ألمانيا عابرين عدة بلدان أوربية، وبعد ثلاثة وخمسين يوماً قضيناها في الكامب القريب من مدينة “تسيلي”، جاء فرزنا إلى مدينة “باسوم” الواقعة ضمن قضاء ديبهولز في ولاية ساكسونيا السفلى، ومع لحظة وصولنا إلى محطة القطار كان في انتظارنا مجموعة من الألمان ومعهم متطوعة سورية تحمل الجنسية الألمانية ، أقلونا بسياراتهم إلى البلدية حيث قمنا بكل الإجراءات الإدارية، هذه المجموعة التي حملتنا عبر فيض إنسانيتها، ستبقى في ذاكرتي مدى العمر، من هؤلاء المشرفة علينا أنجيلا، التي تستحق لوحدها الكثير من الصفحات الخاصة للكتابة عنها.

ثم مع مرور الأيام وما بين العراك مع اللغة وجماليات الحياة، بدأت علاقتي بالناس هنا تكبر يومياً، وعبر الموسيقى عرفت طريقي لدخول هذه المدينة، وبعد انضمامي إلى مجموعة موسيقية في مدينتي تعرفتُ إلى الصديق “رولاند باوه” الذي يملك صوتاً جميلاً. كان صديقي يعمل منذ العام الماضي على إعداد أغنية من تأليفه وغنائه، تدور كلماتها حول السلام، أغنية تهجو الحروب في هذا العالم، واجتهد على ترجمة نص الأغنية إلى عدة لغات عالمية قبل أن يقوم بنشرأغنيته على اليوتيوب. وهي أغنية عن السلام ورفض البندقية، ودعوةٌ لوقف الحروب، وإنقاذ الأطفال من ويلاتها. وفيما يلي أبيات قليلة منها:

سلامٌ، سلام، لكَ مني السلام

الريح تنثر في بعض الأيام

نحصد النور في الليل

تحمل أرواحكم

ونبدأ بصناعة الظلال

الشمس تضيء، تزيل العتمة

من خلال الحبَ نكسر الجدران

نحصدُ السلام وتسافر لبيتكَ

سلامٌ، سلام، لكَ مني السلام.

*******************

لشدة حساسية باوه وإنسانيته وحبه للحياة كنت أراه يستمتع ويتفاعل مع أصغر تفاصيل حياته، يشتري مرتين أسبوعياً حبوباً لإطعام الطيور، ثم في سعادة غامرة يرشّ لها الحبوب… يتأملها وهي تتجمع في فضاء حديقته التي تتجاوز مساحتها الخمس دونمات.

في لقاءاتنا الكثيرة اعتاد باوه أن يناقشني في السياسة والدين، يحكي عن الأيام السوداء التي عاشها الناس في الحروب الأوروبية قديماً، يتساءل كما أتساءل معه: لم كل هذه الصراعات بين البشر؟ كيف سمحنا بأن تتراكم كل هذه الكراهية على الأرض، ثم يسخر بعدها من ترهات البشر وخرافاتهم. تعلمتُ منه كيف يصبح التواضع الحقيقي والمحبة الصافية عادة .. وهو يكتبُ من قلبه نصوص أغانيه ومنها أغنية بعنوان “في الكلمة” التي يقول فيها:

في الكلمة…

في الليل عندما تصل، قبل عتبة بيتك

انظر عالياً إلى النجم المضيء

لعلّك عندها تتمكن من رؤية هذا الكون الكبير

ماذا ترى عيونك حقاً؟

أنت مجرد نفحة صغيرة جداً في اللانهائي

لكنّ الناس لا تدرك ذلك

ولا تستقصي الأبعاد أيضاً

أما أنت … فدع عينيكَ تلتفتان إلى المحيط

إذ ثمة حكمة في هذا العالم

ستعلمك الفرق بين الجوهري وغير الجوهري

أعط الحياة والإنسانية مكانها المتميز

ولا تفتح باباً للشر

انتبه لضميرك

وانتبه للمصائر

فالكثير من النجوم المضيئة عاشت يوماً ما ثم لم تعد هناك

مع ذلك مازالت تسطع من أجلك

تهديك الضوء في الظلام

افعل كما النجوم … سلام

كن مسالماً معي.

رولاند الذي يبلغ من العمر سبعةً وستين عاماً ويعود لأصول مهاجرة عن طريق والده البولوني الأصل، يرى أن الدعوة إلى السلام العالمي من خلال الغناء والموسيقى هي طريق الإنسانية لنتمكن من فعل شيئٍ في الحياة القصيرة التي نعيشها.

هنا في مدينة “باسوم” تسرح الأغاني والموسيقى بالسلام، ثمة مساحات كبيرة للحبّ والدفء، رغم قسوة البرد وكآبة الغيوم الداكنة، نجد حولنا أشخاصاً كثيرين يشبهون “رولاند باوه”، أناساً قالوا لنا أنتم هنا بأمان ونريدكم أن تعيشوا معنا كما نعيش، ونحن … لم نكتفِ فقط بأن نسكن ونعيش بينهم إنما أيضاً بادلناهم الحب والحياة والضحك والجمال.

فهل سيتسع العالم يوماً لسلام يعم جميع البشر؟ هذا فقط ما آمله.

اترك تعليقاً

رأي في الانتخابات الألمانية

“العلمانية والدين في العالم العربي” في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لايبتزغ