الرئيسية » باب القلب » وداعًا بيروت، أهلا بالبحر

وداعًا بيروت، أهلا بالبحر

حازم صيموعة.

 

تحولت بيروت إلى سجن كبير، أمضيت فيه ثلاث سنوات ونصف، فاعتدت جدرانها، وأحببت بشغف كوني سجينا فيها، وكنت أشرب نخب أسري كلما أتيحت لي الفرصة، هناك تعلمت جيدًا كيف أكون وحيدًا، واختبرت قدرتي على العيش منفردًا وسط مدينة تعج بالناس والضجيج، حتى أكاد لا أشعر بوجود أحد، في بيروت، ما عدت أحسب عمري بالأيام أو بالسنوات، بل بالأحلام، فكلما تكسر حلم تقدم بي العمر أكثر، وفي مدينة كتلك، الحلم أضعف من جناح فراشة .

دخلتها شابًا، وغدوت فيها كهلاً، مسلمًا أمري لها وراضيًا بما تعده لي من مفاجآت، وكما يتعايش الكفيف مع فقدان البصر، تعايشت مع جفاف الأمل، وأصبحت أبدأ يومي كأنني ولدت اليوم، وأنهيه كما لو كنت سأموت غدًا، ليس لدي ما أخسر، ولم أطمع بكسب شيء.

بعد أكثر من ثلاث سنوات، اجترحت حصة من الأمل، وقررت الرحيل فلربما استطعت الحفاظ عليها، أيامي الأخيرة في بيروت، كانت الأصعب والأكثر صخبًا، كنت أحس كما لو أنني نملةٌ عالقةٌ في شباك عنكبوت، لذا بدأت بتقطيع الخيوط، وفي أقل من شهر كنت شبه جاهزٍ للرحيل، أمي التي ودعتها في شباط 2012  زارتني مودعةً من جديد، وكأنما أصبح الوداع قدرًا لا نلتقي إلا لتحقيقه، أمضينا بضعة أيام مكتظة بالذكريات والحنين، بللت الدموع معظم جلساتنا، ثم عادت على أمل ألا يكون اللقاء المقبل بقصد الوداع .

في مطار بيروت، اضطررت لدفع غرامة بقيمة 400 دولار أمريكي، كانت كفالة إخلاء سبيل بعد أن سرقت أملاً ليس من حقي “ربما”  ثم توجهنا إلى الطائرة، في الحقيقة، لم أكن واعيًا تمامًا لما يحدث، كما لو كنت في حلمٍ وأخاف الاستيقاظ، وما إن بدأت الطائرة بالارتفاع عن الأرض، قلت لصديقي: “الآن فقط أحس أن جبلاً اسمه بيروت قد انزاح من على ظهري” ثم أسلمت نفسي للسماء، عاجزًا عن كل شيء، بانتظار ولادتي الجديدة .

خرجنا من بوابة مطار أضنة، مدينة غريبة بعد منتصف الليل، لا نعرف فيها أحدًا ولا نتكلم لغة أهلها، مكانٌ خالٍ إلا من غرباء ينتظرون سياراتٍ تقلهم إلى وجهاتهم التي يقصدون، لم نعرف أين نذهب، كل ما فعلناه هو الوقوف أمام كمٍ هائلٍ من أحاسيس نختبرها لأول مرة، كالخارج للتو من آلة سفرٍ عبر الزمن، جاءت به من العصور الوسطى. بعد ما يقارب ساعة من الانتظار، أسعفنا الحظ بحارسٍ يتكلم الانكليزية، أرشدنا لفندقٍ قريب بعد أن كنا عازمين على قضاء ليلتنا في حديقة المطار، مشينا ما يقارب نصف ساعةٍ حتى وصلنا لهدفنا، موظفو الفندق كانوا في غاية اللطف واللباقة، قضينا ليلتنا وانطلقنا صباحًا إلى أزمير، معقل التهريب في الإمبراطورية الأردوغانية.

ينتشر السوريون في أزمير، كالغبار بعد عاصفةٍ رملية، يفترشون الأرصفة والساحات، يملؤون الفنادق والمطاعم، تغص بهم محلات الصيرفة وتحويل الأموال، ساحة “بصمنة” كانت نقطة العلام الأشهر للقاء السوريين ببعضهم أو بالسماسرة، نزلنا في فندق يبعد عنها بضع دقائق سيرًا على الأقدام، كان فندقًا بنصف نجمة ربما، موظف الفندق حلبي الأصل كان متعدد الأسماء، فتارة ينادونه حسينًا ومرة وليدًا وأخرى خالدًا، لست أدري لماذا، لكنه كان يفضل التعامل معي أكثر من أفراد مجموعتنا، الذين يقارب عددهم الثلاثين في نفس الفندق، لدرجة أنني ولطول إقامتنا، صرت أقوم بجلب مستلزمات الغرف من أغطية وصابون وما إلى ذلك، بنفسي كنوع من المعاملة الخاصة .

العثور على مهرب في أزمير أشبه بالسحر، ولكن الاتفاق معه على التفاصيل كان عقدتنا، خاصة أن مجموعتنا كبيرة والكل يريد أن يشارك في صناعة القرار، الذي يعتبر لدى البعض أهم من قرارات الأمم المتحدة، وفي لقاءٍ مع أحد السماسرة في المقهى المجاور للفندق، تفتق عقل صديقنا عن فكرةٍ جهنمية، تتلخص في إحراج المهرب وفرض الشروط، من نوع “البلم” إلى نوع المحرك وكيفية تسليم النقود وما إلى ذلك، لدرجة أنني شعرت لوهلةٍ أننا نبرم صفقةً مع إحدى الشركات الكبرى، ذات السمعة الحسنة والثقة المطلقة في التعاملات، وبالطبع هرب المهرب، وعدنا للبحث مجددًا، تكررت المحاولات وبدأ التوتر يأخذ نصيبه منا، وبدأت المجموعة تتداعى وتنقسم إلى فرقٍ وألويةٍ وكتائبَ ربما، فالجميع يريد أن يخرج من المعركة منتصرًا، والعدو هذه المرة هو بحر “إيجه”، ذاك المارد سيئ السمعة، الذي حصد أرواح الهاربين من بطش بني جلدتهم .

في اليوم السابع، تم الاتفاق أخيرًا، وحددنا موعد الانطلاق وكيفية الانتقال إلى “النقطة”، تم جمع النقود وتأمينها حسب شروط المهرب، ثم تخلصنا من كل ما هو غير ضروريٍ من أمتعتنا، الحقائب مرتبة بعناية،  والملابس ملفوفةٌ بطبقاتٍ من “النايلون” حرصًا عليها من مياه البحر، الأوراق وجوازات السفر محمية بطريقة مضاعفة، والنقود مخفيةٌ في دهاليزَ سريةٍ، كلٌ حسب مستوى تفكيره البوليسي، المنقذ وحبيب الروح وسمير السفر، جهاز الموبايل محفوظٌ بين الضلوع، إضافة لكل ذلك، كان معي خاتمٌ صغير، خبأته في حقيبة الخصر كي يبقى في متناول يدي كل لحظة، ولا يغيب عني طيلة الطريق، ثم أصبح كل شيءٍ جاهزًا بانتظار موعد الانطلاق.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

زاوية يوميات مهاجرة 7 وماذا بعد؟؟

أشعر بفعل الخيانة، الخيانة لنفسي القديمة.. لوطني ولاسمي الأصلي. ماذا لو أنني فعلاْ قد بدأت بالتأقلم مع هذه الحياة الجديدة؟