الرئيسية » باب القلب » الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج3 والأخير
العمل الفني: نغم حديفة - الحامية 2012

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج3 والأخير

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش

ترجمة: روزا ياسين حسن

يمكن للخسارة بالطبع أن تخلق شيئاً جديداً، بمعنى أن يتحوّل الفراغ والفقد الذي يعيشه المنفي إلى شرطين ومطلبين أساسيين لبدء مشروع جديد، فيُملأ الفراغ بالحياة، والفقد بالبناء والعلاقات والقصص والخبرات الجديدة.

لذلك فإن إعادة خلق المعنى المفقود أمر ضروري جداً، هذا يعني أن الكتابة وجميع عمليات وأشكال إنتاج المعنى تنوجد حين يكون معنى الحياة والعالم مهدّد للغاية، تماماً كما يحدث في المنافي، كأنها تترسّخ لتغدو أقرب إلى موارد قيمة أو مصادر حيوية للحياة.

مع ذلك ثمة حقيقة تبدو أقرب إلى عزاء صغير، فخسارة المنفي، كما عبّر “إدوارد سعيد” بوضوح كتابه “في تأملات حول المنفى”، تبقى غير قابلة للتعويض، الأمر الذي يطرح أمامي معضلة غير قابلة للحل، فمن ناحية أعتقد أن الواقع الحقيقي مهم أكثر من أي فن، ومن ناحية أخرى فالواقع الافتراضي هو ما يمكن أن يعطيك القوة حين تتفاعل ثانية مع الواقع الاجتماعي الحقيقي. ومع ذلك أعتقد أن ليس علينا محاربة أي شيء بقدر ما علينا محاربة (الواقع الصناعي) واستبداله وتغييره! وعلى البشر حول العالم أن يتّحدوا لأجل ذلك، فكل شيء حقيقي ومهم اليوم مهدّد بالاستعاضة عنه بالافتراضي والصناعي بدل الواقعية المحيطة، حيث ينشغل الأطفال يومياً بها ولساعات طويلة وهم عائدون إلى بيوتهم التي لم تعد موجودة!

تبدو جهود وزارات الأوطان المشكّلة حديثاً، أو وكلائها، مثيرة للسخرية بل ومحزنة، كما قال شاعر عراقي قبل بضع سنوات: “أن تملك وطناً فهذا يعني كثيراً من سوء الحظ، وألّا تملك وطناً فهذا يعني الكثير من سوء الحظ كذلك”.

يبدو من العبث حقيقة التحدث بأمور مشابهة من موقعي كألماني غربي مشبع بالرفاهية، ومع ذلك من المهم أن تتضافر وجهات النظر المختلفة والقصص معاً، بمعنى أن نضع قصصنا ضد التفرقة لفهم هذا العالم بشكل أفضل، ولنقترب خطوة أكثر من بعضنا. ربما هي آثار الماضي غير الواعية التي تؤثر على واقعك المباشر دون أن تكون جزءاً حقيقياً منه، كحقيقة أن أجدادي مثلاً كان عليهم أن يغادروا مدنهم وبيوتهم ما بين عامي 1945 و1946 كسوديت ألمان وأن يعيشوا لاجئين لشهور عديدة في جنوب غرب ألمانيا، قبل أن يعودوا ببطء ليصبحوا مواطنين عاديين. في الحقيقة لم تلعب هذه القصة دوراً مهماً في عائلتي حتى اليوم، وعلى الرغم من انقسام البلاد إلى شرق وغرب آنذاك إلا أن المنفى انتهى بالنسبة للاجئين بسرعة كبيرة، وعادت الحياة لتغدو طبيعية مرة أخرى. فلو أراد بعض كتاب المنفى العودة إلى ألمانيا فإن ذلك ممكن، فيما هو محال منذ عقود بالنسبة لبعض البلدان والمجموعات السكانية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها من المناطق.

أصبح المنفى لدى العرب دائماً وطبيعياً للأسف، ولكن القليل منهم اكتشفوا ذلك بشكل عميق كـ”محمود درويش”، والذي ربط تجارب النفي المتعددة بدقة مع نقد للتحديث الزائف والمسيطر. كما قال في قصيدته خطبة “الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض” في العام 1992، وفي إحدى نصوصه الأخيرة العام 2008 كتب “محمود درويش” هذه الرسالة ترحيباً بضيوف “احتفالية فلسطين للأدب” قائلاً فيها: “نحن الآن في العام الستين من عمر النكبة. هنالك من يرقصون الآن على قبورنا، ويعتبرون نكبتنا عيدهم. لكن النكبة ليست ذكرى، إنها عملية اقتلاع مستمرة، تجعل الفلسطينيين أكثر قلقاً على وجودهم، النكبة مستمرة لأن الاحتلال مستمر. واستمرار الاحتلال يعني استمرار الحرب”.

ورغم السياقات المختلفة تماماً، يستطيع المرء أن يتمنى فحسب ألا يعيش السوريات والسوريون وغيرهم من المنفيين والمشردين مصيراً مشابهاً للفلسطينيين.

يبدو أن نظام الدولة القومية، الذي يحكمه مبدأ البحث عن الربح والتنافس، مصمّم لإنتاج أشخاص عديمي الجنسية، أشبه بضرر جانبي لإنتاج “حياة عارية”، دون أن يتمكن أي سياسي حتى الآن من القيام بأي شيء ضد ذلك، أو وضع بديل لآلة القتل الجماعي هذه. الأسوأ من ذلك أن ما أصبح اليوم مكان الدول القومية هي الشركات العالمية الكبرى، لأنها في الواقع فوق القانون، وعلى من سنلقي اللوم؟! الشركة التي تخضع فقط لمبدأ الربح والنمو لا تهتم بالحياة البشرية أو الإنسانية إلا إذا كانت من أجل الربح. ألا ينبغي أن يكون كل ما حدث كافياً لنا؟

خسارة شخص لوطنه يمكن أن تؤدي إلى تشرد شخص آخر، وليس التاريخ الألماني اليهودي الفلسطيني هو وحده من أظهر ذلك، كما ذكرت “حنة أرنت” أوائل 1950: “منذ الحرب العالمية الأولى زادت كل حرب وكل ثورة من كتلة المشردين ومعدومي الحقوق برتابة لا مثيل لها. يتم ترحيل مشكلة انعدام الجنسية إلى دول وقارات جديدة، لا مشكلة أخرى تعود بمثل هذا الإلحاح وانعدام الأمل المتشابه دوماً حين محاولات إيجاد الحل في المؤتمرات الدولية”.

لم تكن السياسة يوماً أقل استدامة من اليوم، ولم يستخدم السياسيون أبداً كلمة “الاستدامة” كما يستخدمونها اليوم. نحن في العام 2018 أي بعد 100 سنة من نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد 200 سنة من ولادة “كارل ماركس”، وبعد مرور 70 سنة على النكبة، و527 سنة على ما يسمى اكتشاف أمريكا من قبل البيض “الكولومبوسيين- أكلة لحوم البشر”، وبعد سبع سنوات من القمع الوحشي الذي مارسه نظام الأسد ضد الانتفاضة السورية، واليوم تغيرت السياسة الخارجية بشكل جذري، فلم يعد هناك وجود لدولة قوية فاعلة في العالم. لأن التنافس الإمبريالي الذي وضعته أوروبا، والذي هو أكبر سناً ربما وهذه جذوره الحديثة في معركة الهيمنة بين القوى المتوسطية، لا يزال يطرح مبدأ المساومة على كل شيء من السياسة إلى الاقتصاد إلى المجتمع. واليوم تصوّت ألمانيا والاتحاد الأوروبي ضد اتفاقية دولية تعمل على إخضاع الشركات في جميع أنحاء العالم إلى معيار حقوق الإنسان! سأعيد ما قالته الشاعرة السورية “وداد النبي” يوماً فحسب: أنتم “عار”!

على الرغم من أنها ليست قصيدة عن الهروب والنفي، لكني أود أن أقتبس السطور الأخيرة لقصيدة “محمود درويش” الطويلة التي ذكرتها سابقاً، لأننا نحتاج أيضاً إلى التفكير فيما وراء رحلة الهروب والنفي إلى العالم، لتطوير شكل آخر من أشكال السياسة، وذلك بالطبع بعد استشارة عدد لا يحصى من القتلى!

السطور الأخيرة من قصيدة عام 1992 خطبة “الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض”:

هنالك مَوتى ينامون في غرفٍ سَوف تَبْنونَها

هنالك مَوتى يَزورون ماضَيهم في المَكان الّذي تهدِمونْ

هنالك مَوتى يمرّون فَوقَ الجسورِ الّتي سوفَ تَبنونَها

هنالِك مَوتى يُضيئون لَيْل الفَراشات، مَوتَى

يجيئونَ فَجراً لكي يَشْربُوا شايهم مَعكُم، هادِئينْ

كما تَرَكَتْهمْ بنادُقكُم، فاتركوا يا ضُيوفَ المَكانْ

مَقاعَد خاليةً للْمُضيفينَ.. كي يَقْرأُوا

عليكُمْ شُروطَ السّلامِ مَعَ المَيّتين!

حتى لو كان هذه القصيدة تخاطب المجتمع الإسرائيلي، وقبل كل شيء دولة إسرائيل، فإنها تتجاوز السياق الأصلي لصراع الشرق الأوسط، فـ”بشار الأسد” هو أيضاً ضيف في سوريا اليوم، لكنه ضيف لن يترك كرسيه مهما حصل، فلقد أثبت ذلك بالفعل وبما فيه الكفاية!

خاص أبواب

 

اقرأ/ي أيضاً:

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج1

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2

ليس لكل استشراق وجه سلبيّ! بل له اليوم وجوه جديدة

“الذين مَسّهم السّحر” لروزا ياسين حسن رواية ترصد مرارة الحرب السورية

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وهم تفوق؟ أم مجرد صعوبات لغة؟

ضحى الفياض – كاتبة سورية مقيمة في ألمانيا في بداية عام 2012 كنت أجلس مع بعض أساتذتي في الجامعة، نناقش أموراً علمية متنوعة، لا أنكر أن الحديث تطرق للأدب بين الفينة والأخرى فالأدب يجد طريقه إلى كل حديث أبدأه أويبدأني، وفي نهاية المطاف قال لي ...