in

هذا قبل أن أصبح صحافيًا …!!

اللوحة للفنان شادي أبو سعدا

راشد الأحمد*

لم نعش الطّفولة التي رأيناها هُنا في هذه البلاد التي هجّرنا إليها لسببٍ من الأساب، الطفولة التي  سمعتُ بها من أصدقائي الصّحافيّين والكتّاب في مجمل ممازحاتنا وكتاباتهم الأدبيّة، فمدينة الملاهيّ رأيتها لأوّل مرّة أثناء الدّراسة الجامعيّة، والهديّة الوحيدة التي أهدتني إياها آنستي كانت نصف تفّاحة منخورة، أمّا التي أهديتها لأستاذي في الابتدائية كانت لوحًا من صابون الغار الحلبي، وعندما بدأت أعمارنا تتفاوت بين الطّفولة والرّشد، وقتها كان التباهي في صحبة الكبار استعلاءً ظنًّا منّا أنّها الرّجولة، والفعل الأوّل لإثباتها، كان تعلّم التدخين، لذلك من النادر أن تجد شابًا تربّى في مُدن وقرى سوريا شرقًا وشمالاً، ولا يخرج الدّخان من الفم والمنخرين معًا، ليس كلَهْو، بل كصفة تدلُّ على اختمار الرجولة، أولاد محمد أمين بشّار بيت “بوزو” أتاهم سن بلوغ التدخين وهُمْ في العاشرة من العمر، هذه العائلة التي لها الفضل في إدمان كلّ أطفال قريتنا، حتّى جيل التسعين، ما أتذكّره أنّ أخي البكر وجارنا الملقّب بأبي “جُوْمَردْ”، وماجد عمر، وعصام عبّاس، كانوا من الذين عاشروا هذه المدرسة الّتي اتخذت فلسفة خاصّة بها؛ لتتخرّج منها بصرامة لا تناسب ذاك العمر المجيد، يقسمون كالرجال بشرفهم، ولا يوفون بالوعد والوعيد ،لا يتردّدون عن قلع عين صبي أو رجل يمنعهم من سرقة حمامة، أو ديك حبش، أو أكياس الحنطة والعدس المجروش، وإذا ضاقت بهم الحال، باعوا أباريق الوضوء في المسجد لتأمين ثمن علبة سجائر، يستخفّون بمن هُمْ في جيلهم، وسط فخر أين منه عنترة بن شدّاد؟!

أوّل مهمّة خاصّة قمتُ بها لاغتصاب حوا كير القريّة -بعد اقتناعي بشعار الرّجولة- كان كَرْم جدّي سوفي سليمان “أبو خنجر” المتميّز بشجيراته الصّغيرة ذات العناقيد البيضاء المتدلّية، جدّي الذي بمجرّد أن تذكر اسمه، يشكّل الرّعب في أنحاء المعمورة، فيشهدون له بحروبه الفرديّة. على كلّ حال، لبسنا حطة سوداء نتقنّع بها، تحدّثنا إلى بعضنا همسًا، خوفًا من أبي خنجر الذي لا يتردّد عن قتل رجل من أجلِ عنقود عنب، كانت الطّريق المؤدّية إلى كرمه، أرض خلاء مديدة، الأمر الذي يجعل من المهمّة سهلة جدًا بحكم أنّنا نركض بسرعة “الفهد”، اقترحتُ على الزّعيم (فؤاد بوزو) أن أجري استطلاعًا كي لا نتفاجأ بأي كمين، وفعلاً ذهبتُ لأخبر خالي اليافع، وعدتُّ متنافقًا؛ وكأنّ شيئًا لم يكن، كنتُ أوّل من تسلّق الحائط ورمى نفسه إلى الكرم، تحت نظرات إعجاب من الجميع لقوّة القلب التي حضرتني، وبمجرد أن ألقوا بأنفسهم، أردفهم واحدًا تلوى الآخر، لاذين بالفرار.

في إحدى أيّام الصّيف، حيث رائحة القمح، وهدير الحصادات ذات اللون الأخضر المسمّى /بالجوندر/ كانت تنشر الأمل في الحياة، هُنا خيمة بُنِيَتْ على عجل مثل آمالنا، وعتّالون يعملون لتأمين قوتهم، وخلف الجوندر نساء يهرعْنَ لجمع القش، وفلاح يدخّن بانتباه، وحذر وشراهة، وقد ضاع في عدّ أكياس ترمى هنا وأخرى هُناك، في ليلة ذاك اليوم، قرّرنا سرقة أكياس الحنطة في الحقل الذي يجاور حدود قريتنا من جهة الغرب، التابع لمغموري الوفود القادمة من فرات مدينة الرقّة التي ضاعت بين موالاة ومعارضة لتكون هديّة للجماعات الإسلاميّة، بعد حملة رصد طيلة النهار، والتأكّد من أنّ الحارس الأعرج /أبا شهاب/ قد غادر الحقل، تاركًا الأكياس تنتظرُنا، هكذا عنَّ في أنفسنا. في الطّريق، تَمْتَمَ أحدهم أن نقوم بسحب كيس خيش كامل للاستفادة من ثمنه، واختصارًا للوقت والضّرر الذي سنلحقه بالرزق، وعندما تقدّمنا تجاه الكيس، سمعنا نحنحة غريبة، قال أحدهم: إنّه الحارس، فردّ عليه العكيد “شلو” باحتداد: “لك حرمة، جبان” وبمجرد محاولتنا جرّه من أطرافه، شُدهْنا برجلٍ يتحرّك بين أيدينا -كان نائمًا على الكيس الذي قرّرنا سحبه- لتتوقّف فرائصنا عن الحركة، ويقع الحارس مغمىً عليه، من شدّة هول المفاجأة، كدتُ أتبوّل على نفسي، ثم انطلقنا هاربين باتجاه القرية، حاملين ذيول الخيبة والعار.

بعد أن كبرنا نصف كبرى صرنا نسرق كلّ شيء في سهول قرانا المغتصبة، ننتقم حتّى من البطيخ الأحمر، الفاكهة الأكثر انتشارًا في قرى الجزيرة السّوريّة، نتراشق بحزوزه نعبّر عن قهرنا من “طالب هلال” الضابط الذي أعطى أراضينا هديّة لمصالح سياسيّة، وفي المناسبات التلفزيونيّة، كنّا نبصق على نشرات الأخبار الحنونة، وحفلات التّكريم للساسة، والأدباء والشّعراء المنافقين، ومؤخرات الممثلات الأنيقات، ودوريات البوليس التي كانت تبحث عن العدالة والمساكين، هذا قبل أن نسمع بحقوف الطفل، وعيد الصّحافة ويومها العالميّ، ومجلس الأمن، والجامعة العربيّة، وحقوق الإنسان، والمراقبين الدّوليين، ودول (5 +1) والمجالس والمؤسّسات، والمعاهد، واللجان، والمراكز  العالميّة لدعم الإعلام، وشبكاتها، هذا قبل أن أصبح صحافيًّا.

 

*كاتب صحفي وناقد سوريّ

اترك تعليقاً

بوتين وإردوغان: عهود بإحياء العلاقات في ظل تجاهل الأزمة السورية

لولا البرد القارس