in

الكراهية

اللوحة للفنان باسم دحدوح

وديع غطاس.

أثار مقطع الفيديو الذي ظهر فيه شاب فلسطيني سوري يلقي بنفسه أمام الترام”قطار الشارع” في مدينة فيينا، صخبًا كبيرًا على مواقع التواصل الإجتماعي بين النمساويين، وأيضًا على صفحات السوريين والعرب في النمسا وألمانيا.

وحصد مقطع الفيديو الذي صورته ونشرته فتاة نمساوية من أصول أجنبية على أكثر من مليون مشاهدة خلال أربع أو خمس ساعات، ثم قامت لأسباب غير معروفة بحذف الفيديو الذي حذف معه تعليقات عنصرية ومليئة بالكراهية تجاه الشاب واللاجئين والأجانب بشكل عام.

وما يجب ذكره أن هنالك الكثير من النمساويين الذين عبروا عن إستيائهم من تعليقات الكراهية والحقد والتي وصلت في بعض الأحيان إلى دعوات للقتل، ووصفوها بالمخجلة وبأنها عار على قائلها.

حاول أصدقاء الشاب المقربين منه تعريف الآخرين بمعاناته الأخيرة، وأن السبب الذي دفعه لهذا السلوك هو سماعه لأخبار قصف الحي الذي تسكنه عائلته وأقاربه في مخيم خان الشيح غرب دمشق من قبل الطيران الروسي والسوري.

وقد بدت بوضوح من خلال آلاف التعليقات، الملامح المحددة للشريحة المعادية للأجانب، فهي لا تختلف أبدًا عن فئة كبيرة من شعوبنا العربية والإسلامية التي تعلق على  أخبار وفيديوهات فيها حدث غير معروف الظروف والتفاصيل، فيبدؤون في إخراج ما في نفوسهم من حقد وكراهية تدل على مدى تخلف فئات كبيرة من الناس بغض النظر عن جنسيتهم ودينهم ولغتهم ودولتهم (متقدمة أو نامية) و إبتعادها عن المنطق.والأخطر ابتعادها عن الحس الإنساني.وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الشعور بالكراهية يجعل لصاحبه منطقًا يستمده من عقيدة ما، فيُرجعها دائمًا إلى تصوراته وقناعاته التي نشأ عليها فهي تستند عمومًا إلى تعصب أعمى و ولاء مطلقٍ إما لعقيدة دينية أو قومية أو سياسية أو عرقية وتنتمي في الغالب إلى النمط المغلق في التفكير، فالنقاش لا يغير القناعات لأنها قد أُحكمت واستولت على صاحبها ولكنه يزيد في الشرخ ويعمق معنى الكراهية ويُضيف إليها دليلاً جديدًا يستخدمه هؤلاء في جدالاتهم المقبلة ويصبح الحدث معزولاً عن ظروفه المخصوصة به وينطلق الحكم من الخاص إلى العام، وكأنه إستقراء علمي ثبتت صحته ويصبح عموم من يحمل دين أو جنسية أو قومية من قام بالفعل هم جميعا الفاعلون.

وهذا يعود بنا في الماضي القريب إلى أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحالي، حين استعر خطاب الكراهية والجدل العقدي بين السنة والشيعة، ووصل فيها إلى الذروة. وفي اللحظة التي تبدلت فيه الظروف كان جنود الكراهية جاهزون لحمل السلاح والبدء بتحقيق ما تمنوه في حالات اشتداد الخلاف وإحتدام الصراع الكلامي فاستحالت الألسنة سيوفًا وخناجر وسواطير وبدأ القتل والذبح على خلفية أفعال قام بها أناس على مر التاريخ منذ مئات السنين، يُحمّل فيها الطرف البادئ بالقتل ضحيته المسؤولية، ويدخل الجميع في دوامة الثأر والدفاع عن النفس،وإن كان ثمة دفاع عن النفس فالأولى أن يقوم به العقلاء في زمن السلم في مواجهة خطاب الكراهية الذي يحيل صاحبه إلى حطب المرحلة المقبلة.

وليس ببعيد عنا ذلك الزمان الذي بدأ فيه تسريب فيديوهات التعذيب الطائفية وفيها ما فيها من تلذذ الجلادين بالتعذيب ضرباً وجلداً وقتلاً، فعلاً وقولاً بلهجة معروفة تريد القول إننا طائفيون، ونكرهكم وعليكم أن تكرهوننا كي تكتمل شروط اللعبة. وإذ كان رد الفعل مكافئاً للفعل بالقوة نفسها فكان لابد للنفوس أن تنساق وراء الأفعال وتداعياتها وأصبح نداء العقل في هذه المرحلة ضربًا من الجنون وساد منطق الثأر والأمجاد الخرافية.

هنا في أوروبا، وفي النمسا تحديدًا توجد شريحة كبيرة جدًا من الناس تذكرنا بخطاب الكراهية الذي كان سائدًا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وعندما أصبحت الفرصة مواتية إنقض هؤلاء على ضحاياهم وأحالوا كلماتهم المليئة بالعنف إلى فعل عنفي. ما تغير الآن هو فقط جنسية الضحية ودينها، ومن يعلم متى تأتي اللحظة المواتية من جديد.

ما يجب التنويه إليه هنا،هو أن هؤلاء الناس المليئون بالحقد أيا كانت خلفياتهم العقائدية والقومية هم متشابهون متماثلون،ومناط الأمر يتعلق بمكان ولادة المتطرف وهوية أبويه،فلو شاءت الأقدار أن يكون اليميني المتطرف من أبوين مسلمين لكان الآن في صفوف داعش والقاعدة، ولو كان ذات الشخص الداعشي من أبوين نازيين ونشأ على قناعاتهما لكان الآن في صفوف النازيين الجدد، لو كان من البيض لكان الآن من ناخبي ترامب.ولا يبدو غريبا من هذه المقاربة وجود عدد غير قليل من  عرب قدامى يرددون مقالات النازيين الجدد لا بل وينتخبونهم وهم يعتقدون أن الجنسية الجديدة التي حصلوا عليها قد جعلتهم في الضفة الثانية،وأيضاً يوجد هنا من هم لاجئون جدد ويميلون الى فكر اليمين وقناعاته، ويبررون لهم أقوالهم وأفعالهم من باب الإنصاف ويقولون في إستدلالهم على ذلك: إننا لو كنا مكانهم وكانوا مكاننا هل نرضى أن تقدم حكوماتنا لهم ما تقدمه حكوماتهم لنا ..لا لن نرضى! ولا يعلم المتطرف الصغير الجديد أنه إنما يستدل بما يدينه لا بما يبرؤه. ما يمكن قوله إن المتطرف هو واحد، هو ذات الشخص في كل مكان وزمان، يفكر بنفس الطريقة ويعتمد خطاب الكراهية منهجاً لمواجهة الخصوم في زمن السلم والقتل في زمن الحرب.

ولو أمعنا النظر قليلاً لوجدنا أن المتطرفين في كل أنحاء العالم إنما هم أعداء أنفسهم فكل منهم يستدل دومًا بأفعال المتطرف الآخر وينصب نفسه مدافعًا عن أمته في وجه الغول القبيح ولا يجد ضيرًا في أن يكون هو نفسه غولاً قبيحًا آخر في مواجهته، ولكن ما يدعو للأسف هو أن الإنسانيين والأبرياء هم أكثر ضحاياهم.

في واقع الحال: هؤلاء المتطرفون، المختلفون منهجًا، المتشابهون مسلكًا،هم إخوة في الطريقة، متفرعون من أصل واحد يُسقى بالكلمات السوداء ويثمر من دماء الأبرياء.وينتخبون ساسة يمثلونهم وأنظمة تحترف القتل تحت ظلال الشرعية الدولية.بحجّة أنهم – الساسة – يمثلون شرائح كبيرة من الناس لها الحق في الوجود بمسميات شتى وخلفيات متناقضة.فهل وجود الكراهية والعنصرية أمر شرعي؟وهل يجوز أصلاً طرح هذا السؤال في القرن الواحد والعشرين؟

اترك تعليقاً

اسرائيل تعتذر عن تصريحات حول الزلزال الذي ضرب إيطاليا

تنظيم الدولة الإسلامية يدعي مسؤوليته عن طعن شاب في هامبورغ