الرئيسية » أرشيف الوسم : يوميات

أرشيف الوسم : يوميات

زاوية يوميات مهاجرة 5: سأروي حكايتي

د. نعمت أتاسي*  في حياتها الجديدة و”المؤقتة”، كما يحلو لصديقتي أن تصفها وإن كانت في قرارة نفسها تعي تماماً أن هذه الصفة “المؤقتة” ما هي إلا نوع من التخدير الموضعي لآلامٍ غالباً ما كانت تتعلق بالحنين والفقدان، كان عليها أن تعتاد كونها ملفاً للدراسة بلا هوية ولا ورقة تعرفها. أكثر ما يمكن أن تحصل عليه في هذه المرحلة هو رقم ملفها الذي حفظته عن ظهر قلب كونه حلّ محل اسمها الشخصي. وبانتظار إشارةٍ ما عليها أن تتعايش كغيرها من اللاجئين مع كونها مجرد رقم. وللحصول على امتياز المواطنة العادية يجب أن تسرد قصة حياتها بكل تفاصيلها الدقيقة وبكل صدق وإخلاص، وفي حال أٌعجب الموظف بقصتها فسيعطي كلمته التي ستسمح لها بولادةٍ جديدة. تتساءل صديقتي: ما معنى أن تروي قصة حياتك حتى تستطيع متابعتها بشكل طبيعي؟ وكيف سيكون وقعها على الموظف؟ أو بالأحرى هل سيكون وقعها عليه كما هو وقعها علي وأنا اسمع نفسي أروي لأول مرة قصة حياتي؟ هل سيقتنع الموظف بأنه ما زال لي الحق بمواصلة الحياة بشكل طبيعي؟ انتبهت صديقتي لتكرار عبارة “بشكل طبيعي” التي غالباً ما ترفقها بحياتها الحالية، وكأنها ومن غير قصد، قد تيقنت أنه من الصعب بعد الآن لأي سوري أو سورية أن يعيش حياةً طبيعية. أن تكون الحياة طبيعية أي أن تلقي التحية على جارك دون أن يتساءل عن لهجتك ومن أين أتيت، أن تقتنع أن الزمن يمر بسرعة أينما كان ولا تتفاجأ من رؤية أصدقائك على صفحات التواصل الاجتماعية وقد هرموا، أن تشارك أقرباءك أفراحهم وأتراحهم بشكل واقعي وليس عبر الإنترنت. من الآن وصاعداً سيكون شأن صديقتي شأن بقية المواطنين السوريين اللاجئين، سيظل هاجس فقدان ذاكرتها البصرية يؤرق ليلها الذي أصبحت تمضيه مستعيدةً أمام عينيها منزلها الحقيقي في حياتها السابقة، وهي تخصص كل ليلة لغرفة من الغرف لتحفرها في وجدانها، خشية أن تخونها ذاكرتها وتنسى تفاصيل تربطها بالزمن القديم. أما قلق الحاضر ومصاعبه فلن يضاهي أبداً غموض الأيام القادمة الذي اختصرته بسؤال واحد: ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 4: مرحلة العدم

د. نعمت أتاسي* في رحلة من رحلات صديقتي السورية إلى تلك المدينة الفرنسية لتفقد بريدها الذي كانت تنتظره، ستتفاجأ بنفسها وبأنها لم تعد متلهفة لاستلام قرار تحديد مصيرها، بل حتى بدأت تستمتع بهذه الحالة من اللاوجود واللاإنتماء، والتي أطلقت عليها اسم: “مرحلة العدم”. فهي فعلياً لا وجود لها، وليس هناك حالة تنتسب إليها ولا موقع يعرَفها، إنها بالكاد كائن ما! بينما كان الضياع في وقت سابق يشتّت أوصالها ويشعرها بالحنين إلى روتين من شأنه أن يحميها من التشرد، ويوفر لها أرضاً صلبة تقف عليها، ستحررها مرحلة العدم هذه من كثير من القيود. بعد أن كانت تعشق الشعور بالمسؤولية و تكبَل نفسها بما من شأنه أن يحكم وثاقها، كهوايتها بالقيام بالكثير من الواجبات العائلية والاجتماعية والإنسانية والدينية والثقافية التي لا نهاية لها فقط لتشعر بالتزامها ومسؤوليتها، هكذا كانت ترى نفسها وتعرَف وجودها، وها هي الآن قد بدأت تتحرر من كل هذه القيود. ستدخل صديقتي في دائرة مرحلة العدم، وستبدأ تتعرف على نفسها شيئاً فشيئاً، وإن كان هذا متأخراً بعض الشيء طبعاً (50 عاماً فقط). حسناً لنقل إنها اعتادت اكتشافاتها المتأخرة بل وعشقتها، وغالباً ما كانت ترددها همساً أو بصوت عالٍ وكأنها تفتخر بها. نعم لقد استغرقت 25 عاماً لتعرف أنها غير سعيدة في حياتها الزوجية، و30 عاماً لتكتشف أنها تعشق الأزهار الصفراء، و45 عاماً لتدرك أنها تخشى المرتفعات و50 عاماً حتى اعترفت لنفسها بأنها طيبة لدرجة الحماقة، وأخيراً 55 عاماً حتى اكتشفت بأن أسنانها بحاجة ماسة إلى تقويم. ها هي مرحلة العدم التي تعيشها الآن تحررها من كل شيء، فلم يعد يهمٌها أن تلتزم بأي شيء حتى أنها باتت ترفض فكرة الالتزام أصلاً، والأكثر من ذلك أنه لم يعد يهمٌها أن تظهر بمظهر الإنسانة التي تقوم بواجباتها على أتم وجه، فمن الآن وصاعداً ستكره صديقتي الإنسانة المسؤولة. هذه الحالة من اللاوجود أسعدتها، فهي ليست سائحة في هذه البلد ولم تعد مقيمة فيه رسمياً، وحتى الآن لم تصبح لاجئة. هي لا تنتمي ...

أكمل القراءة »

خربشات لاجئ متفائل.. طائرة تراقبنا

مصطفى علوش   أنا المدعو “مواطن عربي سوري” وتولدي كان بين نكبة حزيران ونكبة التصحيح، ولولا القدر الإيجابي لكنت الآن في خبر كان، والسبب “حتى لا تذهب بكم الظنون إلى البحر المتوسط الذي كان يراقب موتنا بين اليونان وتركيا” يعود إلى الهلع الذي كانت تسببه لي ابنة لاجئ آخر تقاسمت معه الغرفة التي دللناها وقلنا عنها “كرفانة” فهذه الطفلة اللطيفة كانت تنام وتجلس وتلعب على السرير الفوقاني ووالدها اللطيف جدًا ينام بالسرير التحتاني، وأنا وبقية عائلتي ننام على ثلاثة أسرَة، كانت تلك الطفلة اللطيفة تحب القفز من أعلى السرير نحو الأرض، ووزنها حسب تقديري بحدود الستين كيلو غرام، في المرة الأولى كانت الدنيا نهارًا وبعد استيعابي التكتيكي لصدمة قفزتها قلت لها: يا صديقتي نحن هنا خمسة في هذه الكرفانة، الرجاء أن تنزلي نحو الأرض بسلاسة، يومها ابتسمت ابتسامة صفراء تشبه تمامًا كلمة “اخرس ولاك”. في اليوم التالي عادت وقفزت ليلاً بعد إنهائها لكل متابعاتها الفكرية على الواتس آب، حيث يمكنني الاستنتاج أن توصيات والدتها تتلخص من خلال مراقبتها الكبيرة لوالدها، أنا كنت نائمًا ومع لحظة القفز انتفضت كمريض صدمته كهرباء العمليات الجراحية، وعندما اكتشفت أنَي بخير قلت “لا حول ولا قوة إلا بالله”! أما هي فابتسمت ضاحكة، ويومها انتظرت حتى نامت تمامًا لأنام بعدها، والآن أحمد الله أني على قيد اللجوء الإنساني والحياة، حيث تمكنت بعد أيام من تغيير سكني وتركت تلك الطفلة اللطيفة تقفز لوحدها. طبعًا في هذه المرحلة من اللجوء تكون هذه التفاصيل الحياتية أهم من كل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية السورية التي دونتها على حبر النسيان، فالحصول على حمّام فارغ صالح للعمل في النهار مثلاً يعتبر إنجازًا شخصيًا، وفي إحدى المرات كاد لاجئ آخر أن يخلع الباب عليَ وأنا في قلب العملية “الاستحمامية” وهو بالخارج يصرخ عليَ بدأ معي تحقيقًا فحواه “ما هي الأسباب التي جعلتني أغلق باب الحمام الخارجي؟ وكنت أحاول تمرير الوقت أمام زحمة أسئلته وخلال ثوانٍ أنهيت حمامي وخرجت طالبًا السلامة الشخصية. أحلف ...

أكمل القراءة »