الرئيسية » أرشيف الوسم : يوميات مهاجرة

أرشيف الوسم : يوميات مهاجرة

زاوية يوميات مهاجرة 13: باريس وأبوابها السبعون …!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس في الدائرة التاسعة عشر، وتحديداً منطقة porte Clignancourt، يصعب عليك أن تصدق أنك ما زلت في باريس ، مدينة الأضواء والحب والموضة. هناك، الحب ترف غير متاح للجميع. والموضة عالم مستقل، يستوحي أزياءه من طبيعة المكان وقاطنيه، لا علاقة له بتغير الفصول، فهو زيٌ واحد صيفاً وشتاءً، ويصلح أيضاً لليل والنهار، فكما تعلمون: للضرورة أحكام. إن ذهبت بالمترو، ستعرفها بمجرد أن ترى اختلاف الوجوه والأمكنة حولك. فهناك محطات المترو مختلفة، لا ملصقات تجارية على الجدران ولا إعلانات، مجرد حجارة بدون دهان. أعمال الصيانة بدأت منذ دهر ولم تنته بعد، ولا يبدو أنها ستنتهي أصلاً. تخرج من المترو لتطالعك وجوه رجال كالحة، من الصعب تحديدها عمرها فهي نتاج وشقاء ومعاناة أعمار متواصلة. إن أردت أن تسمع اللغة الفرنسية، فلا يُنصح بالذهاب إلى هناك، لأنك قد تسمع كل اللغات الأفريقية والعربية والشرق آسيوية، ما عدا الفرنسية فهي غير مسموعة وغير محكية. إن رغبت بالكلام ولم يكن معك أحد، لا تخجل من الكلام مع نفسك بصوت عال، الكل يمشي ويحدث نفسه، يبث همه لربه أو يروي أخباره لنفسه ويتجادل معها بحثاً عن حل مشكلة ما. انتبه وأنت تمشي على الرصيف، لا لكثرة المقاهي المنتشرة عليها كباقي دوائر العاصمة الفرنسية، وإنما لكثرة قاطنيها، فعليها يقضون لياليهم على فرشة بالية ومن كان محظوظاً منهم ينام تحت خيمة صغيرة تتسع لشخص واحد. تكثر في تلك المنطقة مخازن بيع الشعر المستعار، لا أدري لماذا، ربما هناك مقولة أنه من غيًر شعره ووضع شعراً مستعاراً قد يخطئه قدره المكتوب ولا يعرفه فيتغير نصيبه وتتغير معه أيامه ولم لا.. حياته كلها. تمشي في Barbès وتنسى حنينك إلى بلدك، فكأنك تمشي في السوق المسقوف في حمص أو حي الصالحية في دمشق. تنوء واجهات الثياب بثقل معروضاتها من أثواب مطرزة وملونة بكل ألوان الحياة والفرح.  إن كنت رجلاً، فيجب أن تتوقع وأنت تمشي أن يقترب منك أحدهم ويخرج ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 12: للمنفى قصص تطول…!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس يوميات مهاجرة 12 هناك لحظات نعيشها بصدق كامل مع أنفسنا، نشعر فيها بشفافية مطلقة وتتراءى لنا بوضوح تام كل النقاط البيضاء والسوداء في حياتنا، بل وحتى الرمادية منها. لحظات من التجلي الكامل حيث نرى ما كنا نعتبره سابقاً، تساؤلات مهمة لا جواب لها ولا تفسير وكأنها أكثر الألغاز صعوبة  وغموضاً، قد بدت الآن غاية في البساطة والبديهية. هذه هي المرحلة التي تعيشها صديقتي في المنفى، والتي تدفعها، كما يحدث الآن وسيحدث فيما بعد أن تستخدم كل العبارات لصياغة هذه الأسئلة الافتراضية، وهي تعتقد أنه يحق لكل إنسان أن يطرح هكذا أسئلة وأن يجيب عليها أيضاْ، إذا كان بإمكانه بالطبع الإجابة. ولمحاولة الإجابة على هذا النوع من الأسئلة لا بد لها من الحديث عن التاريخ ماضياْ كان أم حاضراْ أو حتى مستقبلاْ، كما كان يمكن أن يحدث أو كما يحدث الآن وسيحدث غداْ.  أنصت إلى صديقتي التي تتكلم ونظرها يذهب بعيدا جداً , إلى ما وراء السحاب وكأنها تريد أن ترى وطناً محدداً، هناك حيث من الممكن أن تشعر بنوع ما من الأمان، أو تريد أن ترى مدينتها الصغيرة قبل أن يجتاحها الدمار، أو حتى بيتها قبل أن يأكله الغبار. أسمعها تقول: “أؤكد لك أنه كان لي حياة حقيقية, وكنت كسائر البشر، أزاول مهنتي التي أحبها، وأمارس رياضتي المفضلة، كنت أفسح المجال لنفسي أن أعيش كل مشاعري بصدق وعفوية، أضحك بصدق وأبكي بعفوية، كنت أؤسس لبيت صغير دافئ حميمي ليجتمع فيه الأهل والأولاد والأحفاد و الكثير من الأصدقاء، بيت يعبق بذكريات حلوة ولحظات معاشة وتوقعات وآمال وأمنيات وإن كانت متواضعة ولكنها حقيقية”. الأمس دخل في عالم الذكريات وطقوس الهرب. اليوم أنا اللاجئة التي لا هوية لها، لا وجود لها ولا طبقة ولا تعريف حتى يثبت العكس، وحتى ذلك الحين علي أن أشعر بالانتماء لشيء ما لمكان ما  أو حتى لزمن ما. سأنتمي للحظة الآنية فهي الوحيدة الحقيقية، لأي مكان جميل تنمو فيه ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 11 : صباح يوم غير عادي …!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس يوميات مهاجرة 11 كان صباحاً عادياً كغيره من الصباحات الأخرى، غير أن صديقتي التي استيقظت مبكراً جداً، رأته رمادياً بامتياز. ليس فقط لأن السماء كانت مكفهرة والشمس عبثاً تحاول الظهور ولو بشكل خجول، وإنما لأن صديقتي شعرت فجأة بثقل الأيام التي تمر والتي تجثم على صدرها وتدفعها للاختناق، شعرت أنها تعيش الحياة برزانة جداً. أو بالأحرى أنها لا تعيشها كما ينبغي لها أن تُعاش. أن تعيش الحياة فعلاً، هو أولاً أن تسمح لنفسك باختبار كل أنواع الأحاسيس والمشاعر: من فرح وسعادة، حزن ومرارة، قناعة أو حتى ألم عميق، المهم أن لا تختزلها بإحساس واحد بليد لا معنى له. أن تعيش هو أن تدع لنفسك الفرصة للتعبير عما يحلو لك، ولا تلجم نفسك عن أي انفعال. أن تسمح لنفسك أن تنخرط في نوبة بكاء بدون أن تقنعها أنه لا فائدة من هذا البكاء الذي سيجعلك تغرق في بحر من الحزن لا شاطئ فيه. أن تعبر عن غضبك وألمك وتصرخ بصوت عال بدون أن تسكت وتقول في نفسك لن يفيدني هذا الصراخ بشيئ. أن تسمح لحالات الخوف والقلق أن تنتابك من وقت لأخر ولا تحاربها وتتجاهلها، أو حتى أن تعطي لنفسك الفرصة للشعور بالسعادة ولو كانت بدون سبب معين وأن تشعر بالطرب لسماع أغنية جميلة ولا بأس إن تمايلت قليلاً . شعرت صديقتي فجأة أنها متعبة نوعاً ما من رصانة حياتها وتراكم أيامها كما يجب أن تتراكم، وحتى أنها لم تعد تجد معنى لهذه الأيام التي توقفت أيضاً عن عدّها ووضعها في خانة معينة تعطيها دلالاتها، لتفقد بذلك قدرتها على تمييز أي شيءٍ.. جميلاً كان أم قبيح. حاولت أن تدخل في أعماق ذاتها التي اعتادت أن تتجاهلها منذ بداية منفاها الإرادي أو القسري- لم تعد تميز بينهما- لتتفاجأ برتابة الحياة التي فرضها عليها تغيير المكان والزمان. عندما يضيع الإنسان بين حياة سابقة وأخرى لاحقة، بين وطن ولا وطن، يفقد ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 10: وطن …!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس ها هو الوقت قد حان لتسجل صديقتي شهادة ميلادها الجديد. تقول لها الموظفة: “مبروك، إنه خبر جيد” – حقاَ؟ أتظنين؟  هذا ما ستقوله صديقتي رداَ على كلام الموظفة المندهشة من ردة فعلها هذه، وتسألها بدورها: “أليس هذا ما كنت تتمنيه؟” تقول صديقتي بصدق تام: ربما، لم أعد أعرف ماذا أريد. أرادت صديقتي أن تستمر في كلامها وتقول للموظفة –التي لا يهمًها إطلاقاَ– الكثير من الكلام الذي يملأ عقلها وروحها. أن تشرح لها كيف كتب الله لها حياة جديدة ووطناً جديد، وأنه ليس من السهل عليها أن تبدأ بهذه الحياة وهي في هذا العمر. أن تعترف بأنها حائرة بشأن حياتها السابقة ولا تعرف ماذا تفعل بها وبذكرياتها، وأنها تحتار أين تخبئ هذه الذكريات، وهل تنقلها معها إلى الوطن الجديد، تمنت لو تسأل هذه الموظفة إن كان من الضروري أن تدفع وطنها ثمناَ لحياة جديدة، وأنها تجهل كيف ستبدأ هكذا حياة بدون أي أساسات. وكأن الموظفة قد تلقت كل هذه التساؤلات عبر موجات غير صوتية ولذلك فقد هزت رأسها وقالت: “معك حق، إنني أفهمك تماماً”. في ذلك اليوم مشت صديقتي كثيراَ، مشت حتى الإنهاك، وهي تفكر بمشاءة سمر يزبك، تلك الفتاة التي أدركت مبكراَ أن الصمت أبلغ من الكلام، وقررت أن تصمت وأن تمشي حتى نهاية العمر. مشت صديقتي وهي تعيش من جديد ألم ماضيها الذي استحضرته بنفسها وحضر بعضه الآخر رغماً عنها. أدهشت نفسها عندما اكتشفت أنها كانت قد زرعت وطنها في خلايا جسمها بدون علمها، وأنه قد بات من المستحيل التحرر من خلاياها الآن. في ذلك الوقت عندما كانت صديقتي تمشي ضائعةً في متاهات ودوائر تأخذها من اليأس إلى الأمل وبالعكس، قررت أن تعيد النظر من جديد في حياتها كلها، لتجد نفسها تبدأ منذ النهاية. ليس لأنها تعلم أن الأمور بنهاياتها، وإنما كان يستحيل عليها في عتمة التاريخ القديم أن تفتح أبواب جزء منها كان قد أبى ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 9 – ماذا لو…!

نعمت أتاسي – كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس  لم تكن تدري صديقتي عندما سمحت لنفسها بالدخول إلى عالم التساؤلات العبثية في أي لحظة كانت تعيش، هل هي لحظة إشراق وجودي طغى عليها عطر جميل، أم أنها لحظة خذلان تاريخية فرضت نفسها عليها بالرغم من جمال صباحها الباريسي المبكر. ما يبدو أنها تؤمن بأن أي لاجئ يعيش لحظات من العذاب والمعاناة، تحزً في نفسه، تجعله يشعر أحياناً بالشفقة عليها, وأنه الضحية الكبرى في هذا الزمن الغادر، ولكن هذه اللحظات تمده بنوع من المتعة والنشوة، لأنه يشعر بعدها أنه تغلب على شعور الشفقة الكريه ليخرج من عالم الضعف والحسرة إلى عالم قوي جميل. حتى أنه يصل إلى مرحلة شكر لهذا العذاب الذي أعطاه انطلاقة إلى عالم الحرية والاستقلالية.  إذاً فقد دخلت صديقتي في عالم تساؤلاتها العبثية أو حتى لنقل الغبية.. ماذا لو..؟! بتصميم وعزم خطت صديقتي خطوات واسعة نحو الوراء لتعود إلى البدايات، والظاهر أنها أوغلت في الرجوع لأنها عندما أرادت أن تبدأ فعلاً منذ البداية، منذ طفولتها، لتشرح لنفسها أشياء كثيرة تعيشها اليوم، شعرت بالخوف وفضًلت التغاضي الكلي عن تلك الفترة خشية من تأزم الأمور أكثر، وفضلت أن تبدأ من مرحلة خلقها الثانية، نقطة الصفر التي بدأتها منذ سنوات. ماذا لو بقيت في العالم الذي كانت تعيشه بكل قناعة وسعادة ولم تقبل الدخول في عالم التحولات ؟ ماذا لو أصرًت على العيش في حيًز الروتين ولم تدخل إلى فضاءات الحرية والشجاعة ؟ عندما تتكلم صديقتي عن الشجاعة والحرية، وبالنسبة لطبيعتها المسالمة والساكنة حتى لدرجة التخاذل، فهي كانت تعتقد أن ما عاشته في لحظات خلقها الجديد هو فعلاً قمة الحرية والانطلاق لا بل حتى والشجاعة- يا للسذاجة!  في حياتها السابقة، كانت تحقق نجاحات وانتصارات مهنية واضحة المعالم أعطتها دفعاً كبيراً من القوة والثقة بالنفس. وكانت تشعر بالاكتفاء الذاتي في مدينتها الوادعة ونشاطاتها البسيطة، هذه المدينة التي كانت تشبهها إلى حدِ كبير ولذلك كانت تجد نفسها فيها. ماذا لو ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 8 : ولادة

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس  قالت صديقتي للبائع من خلال دموعها التي تغرق وجنتيها بدون أن تعرف حقاً سبباً لذلك: “أريد أن أشتري قلماً”. أعطاها قلماً وابتسامة ونظرة فيها الكثير من الحيرة والتعاطف. ابتسمت صديقتي وهي تأخذ القلم الذي كان ثمنه 2 يورو. احتفظت به بقوة وكأنها تمسك كنزاً ثميناً، إنه القلم الذي ستخط فيه أولى الكلمات في حياتها الجديدة. نظرياً احتاجت صديقتي لسنوات عديدة لتأخذ قرارها النهائي بوأد شخصيتها القديمة لتخلق من رمادها شخصيةً أخرى تتماشى أكثر مع ظروف حياتها الجديدة. وفعلياَ احتاج الأمر لتسعة أشهر بالضبط لكي يتم إعادة خلقها. لم تخرج يوماَ صديقتي دون أن يكون هناك قلمٌ واحدٌ على الأقل في محفظتها. ولكن اليوم ولأول مرة في حياتها، اكتشفت أنها نسيت أن تضع قلماً في محفظة يدها. وهكذا فقد قُدِّر لصديقتي أن تخط قصة حياتها الجديدة بقلم لا يمت إلى الماضي بأية صلة. وكأنه كتب عليها أن تنسى –في هذا اليوم بالذات- أقلامها التي نجحت في إنقاذها من حياة سابقة. نعم لا تعجبو.. فمن بين ما أنقذته صديقتي كان هناك بعض الأقلام، دفتر تلفوناتها القديم، وكثير كثير من الذكريات الشخصية والمهنية اختصرتها كلها في 3 مفاتيح لتخزين الذاكرة.  في ذلك اليوم استيقظت صديقتي من نومها مبكراً، لا أدري إن كان استخدام فعل” استيقظت” مناسباً في حالتها هنا لأنها ليست متأكدة أنها نامت فعلاً. كانت ليلةً قد أمضتها بالتفكير واستحضار ذكريات غائبة وتوقعات مجهولة الزمان والمكان، ليلةً أمضتها بحالة أشبه ما تكون بالهذيان، بين الوعي واللاوعي، بين اليقظة والغفوة، ولكن الشيء الوحيد الذي كانت متيقنة منه أنها كانت تبكي.  كانت صديقتي تؤمن جداً بالإشارات، وقد تأكدت أن بكاءها ليلاَ، يشكل مفتاح باب حياتها الجديدة. وهكذا وصلتها الإشارة الأولى التي ستبدأ بها يومها.  ها هي صديقتي في القطار الذي سيوصلها إلى بر الأمان الذي كانت تبحث عنه. أخرجت أوراقها لتبدأ بالكتابة، عبثاً حاولت أن تجد قلماً ما لتدون فيه آخر ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 6: إدمان..

د. نعمت أتاسي*  تعشق صديقتي السورية واللاجئة الجديدة الروتين وتجد نفسها فيه، تكره التغيير وتجهله تماما. كانت الأشياء عندها تأخذ حيًزا واحدا غير قابل للتغيير وكأنها خلقت لتكون في مكانها، وهي تظن أن الأشياء تفقد هويتها عندما يتغير مكانها ولذلك كانت تشفق عليها من الضياع فتسكنها إلى الأبد في مكانها. مع أن صديقتي وبحكم ظروفها اضطرت أن تغير كثيرا في حياتها ـ حسنا لنعترف هنا أن كلمة ” كثيرا” هي على الأقل فقط بالنسبة لصديقتي – لأن التغيير شأنه شان كل شيء في الحياة شيء نسبي تماما. ولكن التغيير الأكبر الذي سيغير مجرى حياتها هو اشتراكها بالثورة في بلدها. وكأنها في قرارة نفسها كانت تثور على كل شيء في حياتها، كانت سعيدة لأنها عندما كسرت حاجز الخوف من النظام حطمت جدار خوفها بشكل شخصي. منذ طفولتها أدمنت صديقتي جمع الأشياء، من الطوابع البريدية والعملات النقدية إلى البطاقات البريدية (كانت ما زالت تحتفظ بها حتى لحظة خروجها الإجباري من منزلها)، وأخيراٌ علب الثقاب بكل أنواعها، حتى أصبحت تمتلك مجوعة رائعة منها تجاوزت ال 1000 علبة وعلبة، ومنعت استخدامها مهما كانت الحاجة ملحًة ( كسرت هذه القاعدة عندما تخلًت عن بعضٍ منها لجيرانها خلال فترة الحصار التي عاشوها في مدينتهم شتاء 2012). وتطول قائمة الأشياء التي كانت صديقتي تقوم بتجميعها بدءًا من زجاجات العطر الفارغة إلى الأواني الزجاجية إلى المرطبانات، مرورا بالأكياس البلاستيكية والأوراق والأقلام والمسابح.. كانت صديقتي تحيط نفسها بهذه المجموعات وكأنها تشعرها بالأمان وتحميها من التغيير الذي كانت مجرد فكرته ترعبها. كسرت صديقتي روتين حياتها بمشاركتها في أول مظاهرة نسائية في مدينتها عام 2011، حيث تجمعت النساء من مختلف الأعمار في زوايا الشارع وأمام بعض المحال التجارية بينما قام شباب الحي بحماية منافذه الثلاثة، وعندما سمعت النساء الصافرة المتفق عليها لبدء المظاهرة تجمعن تلقائيا بصفوف هاتفات بصوت قوي: “الشعب يريد إسقاط النظام”، أما صديقتي فقد حاولت أن تهتف مع صديقاتها ولكن عبثا فقد رفضت حنجرتها وأوتارها الصوتية الانصياع  لأوامر دماغها، ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 3: قبعة الإخفاء

د. نعمت أتاسي* دخلت صديقتي في الشتاء الثاني إلى تلك المدينة الوادعة، اعتادت مظاهرها اليومية، حتى أنها باتت جزءاً منها، وبدأ روتين يوم الاثنين يعطي أسبوعها نوعاً من الاستمرارية والخصوصية. فالسيدة التي كانت تقف على الرصيف تتوسل بعض السنتات من المارة، وذات اليد المكسورة التي لم تشف خلال عام كامل، والتي كانت تنسى في بعض الأحيان وتحركها، استفقدتها صديقتي بعد مرور أسبوعين لم ترها خلالهما. فسألت بائع كشك الجرائد عنها، فهي كانت تقف أمامه ومن المؤكد أنه يعرف شيئاً عنها. نظر البائع إليها ببلاهة وقال بعد تفكير، وكأنها طرحت عليه سؤالاً عن السر الكوني، إنه لم يلحظ وجود أي سيدة تقف هنا! عزٌت صديقتي نفسها بأنه لابد أن تكون يدها المكسورة قد شفيت ووجدت لنفسها عملاْ، وأنها الآن سعيدة وقد وجدت مأوى دافئ حيث تحتسي حساءها الساخن كل مساء. تابعت صديقتي جولتها الصباحية لإثنينها المعتاد، وتوقفت عند بائع الزهور الذي كانت تقف عنده لتسأل الفتاة التي تعمل هناك عن ثمن أصيص الورود الصفراء التي كانت تحبها. عبثاً انتظرت أن تأتي الصبية لتسألها السؤال المعتاد. فدخلت صديقتي وسألت البائع عن الصبية الشقراء التي كانت تساعده. ابتسم البائع وقال: “آه.. ابنتي بياتريس. لقد تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى الجنوب”. ادّعت صديقتي أنها سعيدة لأجل بياتريس التي انتقلت إلى الجنوب المشمس، وتخيلتها في منزلها ذي الحديقة الصغيرة وهي تعتني بالورود الصفراء فيها. لكنها في قرارة نفسها شعرت بشوقٍ لها. أما كلب بائعة الخبز، الذي كانت تداعبه في كل مرة تشتري خبزتها المعتادة، فلم تجده كذلك، وراحت تبحث عنه عبثاً. كأن البائعة فهمت قصدها، فقالت لها بابتسامة شكر حزينة: “نعم يا عزيزتي لقد مات. فقد كان مسناً”، وشكرتها لسؤالها عنه، حتى أنها رفضت أن تأخذ ثمن الخبز المعتاد منها.   ها هي مشاهد يوم الاثنين تتصدع الواحد تلو الآخر! شعرت صديقتي بالهلع ينتابها: ماذا لو تصدعت كل المشاهد الروتينية ليوم الاثنين خاصتها؟! كانت تشعر باستقلالها وفرديتها في يومها هذا وهي سعيدة بتفرّدها به. لكنها ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 2: شيزوفرينيا

تكتبها د. نعمت الأتاسي* بالعودة إلى صديقتي السورية ومغامراتها في عالم المنفى، فقد قررت أن تذهب إلى مدينة صغيرة حيث تستطيع أن تلحق بركب طالبي اللجوء الذي عجزت أن تنتمي إليه في باريس. وفي كل مرة كانت تنتهي من مرحلة من مراحل طلبها للدخول إلى هذا القفص، كانت تغوص أكثر في متاهات الازدواجية العشوائية. برعت في تقمص شخصية اللاجئة قالباً ومضموناً، في محاولة فاشلة منها للبحث عن ذاتها الضائعة، فكانت تختار ملابسها حتى تتلاءم مع وضعها الجديد: حذاء أسود قديم، بنطال أسود لا شكل له، سترة سوداء طويلة ومحفظة سوداء كبيرة تحتوي على أوراقها الثبوتية. لقد طغى اللون الأسود عليها صدفة، كأنها أعلنت الحداد على روحها وشخصيتها القديمة. كانت صديقتي بارعة أيضاً في دراسة شخصيات أصدقائها الجدد، تمضي أوقات الانتظار الطويلة في جمعية استقبال اللاجئين وهي تختلق قصصاً وترسم لهم خطوط حياة وطرق هجرة مختلفة. تنفر من بعضهم لأن سيرة حياتهم لم تحبها، كذلك اللاجئ ذو الإعاقة الخفيفة في قدمه والذي يمارس رجوليته وجاذبيته أمام الموظفات. أحيانا تتعاطف مع آخرين لمجرد أن الخطوط التي رسمتها لهم أعجبتها، كذلك الشاب السوداني الذي كانت تصادفه في كل المراحل فيتبادلان التحية ونظرات الاستفهام حول مدى سير المعاملات. الحق يقال تأقلمت صديقتي مع معاملات عالمها الجديد بسرعة وسلاسة، وأصبحت تتابع مجريات أحداث زملائها بسهولة: من يمسك بورقة حمراء فقد تجاوز أول مرحلة وجاء فقط ليستلم بريده، من معه ملف كبير فهو في طور التسجيل، ومن لا يمسك بيده شيئاً فهو ما زال في أول خطوة والطريق أمامه ما زالت طويلة. هذا ما كان يشعرها بنوع من الفخر كونها سبقت البعض في الدخول إلى عالم الأرقام هذا. استغرقت صديقتي عامين كاملين حتى دخلت قفص اللجوء الذهبي، بدأ مشوارها مع بداية الشتاء القارص، استعدادا لرحلتها المعتادة كانت تخرج من منزلها (هل هو حقاً منزلها أم مكان إقامتها؟) الساعة الخامسة صباحاً، حيث باريس غافية تحت ظلام الشتاء البارد، لتنطلق في المترو إلى محطة القطار. كان البرد ينخر ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 1: صديقتي البرجوازية في طابور اللاجئين

د. نعمت الأتاسي* لصديقتي السورية بورجوازية الأصل حكاية أخرى مع المنفى لا تشبه بقية الحكايات. فبعد عدة أشهر من الهجرة المرًفهة مادياً وفكرياً قضتها في باريس، بدأت تسمح لنفسها أخيراَ بالتفكير بطريقة واقعية. مرحلة الانتظار لشيء ما كانت تجهله قد مضت، أمورها المادية أخذت تتصاعب، لا وجود رسمي لها، وهي ما تزال تصُر على لعب دور السائحة المثقفة في عالم لا يعترف بالسياح الأجانب إلا كمحفظة نقود. مع مرور فترة من الزمن اضطرت صديقتنا أن تدخل حيُز الفراغ الرمادي، وذلك بانتهاء صلاحية أوراقها الثبوتية. وعليها اتخاذ أصعب قرار للدخول إلى ما أسمته: قفص اللجوء الذهبي. استيقظت صديقتي باكراً لتذهب إلى المكان الذي سيسمح لها أن تبدأ المرحلة الأولى، لتصبح رقماً بين بقية الأرقام. تسلّحت ضد البرد بشالها الصوفي ذي الماركة العالمية وهي تقول في نفسها كنوع من أنواع العزاء الذاتي: “لا يهم هذا التناقض، فأنا بكل الأحوال لم أشتر هذا الشال وإنما كان هدية من شخص ما في حياتي السابقة”. تحسباَ للانتظار الطويل أخذت معها بعض (الكرواسان) وملأت الترمس الذي كانت قد ابتاعته من (ستارباكس) بالقهوة الساخنة. وأخيراَ وبما أنها تعتبر نفسها من الجالية المثقفة، فلم تنس كتابها الذي كانت تقرأه بتمعن (البحث عن السعادة)! في تمام الساعة السادسة صباحاً وصلت صديقتنا مقر المؤسسة لطلب اللجوء، معتقدة بأنها ستكون من أوائل الموجودين، لتجد أمامها المئات من الشباب والنساء من كل الجنسيات. تملكت الحيرة نفسها وبدأ الخوف ينهش قلبها، خصوصاَ عندما بدأ بعض الشباب بالتصفير– وإن كانت قد استبعدت تماماً فكرة الإعجاب بها وذلك لتقدم عمرها- وهنا لم تمنع نفسها من الابتسام والتكلم مع نفسها: “قد يكون هذا بسبب الشال”. بعد فترة من الحيرة أخذت دورها بين مجموعة الشباب وبدأت تتبادل معهم بعض الكلمات، وبلغة هي مزيج من العربية والانكليزية والفرنسية استطاعت التواصل معهم. تقول صديقتي: تأخذ المناقشة طابعاً طريفاً، فلا حاجة لقواعد اللغة للتواصل، نحن بحاجة فقط لمهارات يدوية في الإشارات. = أنت من وين؟ سودان؟ – أنا سوريا.. – ...

أكمل القراءة »