الرئيسية » أرشيف الوسم : وطن

أرشيف الوسم : وطن

زاوية يوميات مهاجرة 10: وطن …!

د. نعمت أتاسي. كاتبة سورية تحمل دكتوراه في الأدب الفرنسي ومقيمة في باريس ها هو الوقت قد حان لتسجل صديقتي شهادة ميلادها الجديد. تقول لها الموظفة: “مبروك، إنه خبر جيد” – حقاَ؟ أتظنين؟  هذا ما ستقوله صديقتي رداَ على كلام الموظفة المندهشة من ردة فعلها هذه، وتسألها بدورها: “أليس هذا ما كنت تتمنيه؟” تقول صديقتي بصدق تام: ربما، لم أعد أعرف ماذا أريد. أرادت صديقتي أن تستمر في كلامها وتقول للموظفة –التي لا يهمًها إطلاقاَ– الكثير من الكلام الذي يملأ عقلها وروحها. أن تشرح لها كيف كتب الله لها حياة جديدة ووطناً جديد، وأنه ليس من السهل عليها أن تبدأ بهذه الحياة وهي في هذا العمر. أن تعترف بأنها حائرة بشأن حياتها السابقة ولا تعرف ماذا تفعل بها وبذكرياتها، وأنها تحتار أين تخبئ هذه الذكريات، وهل تنقلها معها إلى الوطن الجديد، تمنت لو تسأل هذه الموظفة إن كان من الضروري أن تدفع وطنها ثمناَ لحياة جديدة، وأنها تجهل كيف ستبدأ هكذا حياة بدون أي أساسات. وكأن الموظفة قد تلقت كل هذه التساؤلات عبر موجات غير صوتية ولذلك فقد هزت رأسها وقالت: “معك حق، إنني أفهمك تماماً”. في ذلك اليوم مشت صديقتي كثيراَ، مشت حتى الإنهاك، وهي تفكر بمشاءة سمر يزبك، تلك الفتاة التي أدركت مبكراَ أن الصمت أبلغ من الكلام، وقررت أن تصمت وأن تمشي حتى نهاية العمر. مشت صديقتي وهي تعيش من جديد ألم ماضيها الذي استحضرته بنفسها وحضر بعضه الآخر رغماً عنها. أدهشت نفسها عندما اكتشفت أنها كانت قد زرعت وطنها في خلايا جسمها بدون علمها، وأنه قد بات من المستحيل التحرر من خلاياها الآن. في ذلك الوقت عندما كانت صديقتي تمشي ضائعةً في متاهات ودوائر تأخذها من اليأس إلى الأمل وبالعكس، قررت أن تعيد النظر من جديد في حياتها كلها، لتجد نفسها تبدأ منذ النهاية. ليس لأنها تعلم أن الأمور بنهاياتها، وإنما كان يستحيل عليها في عتمة التاريخ القديم أن تفتح أبواب جزء منها كان قد أبى ...

أكمل القراءة »

أسود وأبيض!

مروة مهدي عبيدو* حين تقرر الرحيل، تأخذ خطوة واعية لقتل عالم بأكمله، وتنفخ روحاً في طريق جديد يولد. تشحب ألوان العالم القديم مع مرور السنين، وتتضح معالم الطريق الجديد في المقابل…تحاول أنت مستميتاً أن تنتمي… أن “تندمج”… لكنك لا تستطيع حتى النهاية، لأن هناك أشياء تخصك تبقى معلقة بين هذا العالم وذاك، تحاول أن تعيد ترتيبها أو سحبها للهامش، لكنها ترفض أن تنتهي وتصارع من أجل البقاء. تحاول أنت آلاف المرات أن تنقلها لصندوق الماضي، لكنها تأبي وتظل معلقة على الحواف، تتسلط عليك كلما غفوت… فتفيق على غربة… تنتصر عليك كل مرة، خاصة في اللحظة التي تتصور فيها أنك لم تعد غريباً بينهم! الرجل الأسود في القبو: بعد رحلات بحث طويلة عن وطن صغير دافئ، هرباً من شتاء المدن الباردة والشوارع الصاخبة، التقيت عجوز تبحث عن أحد ينقذها من صمت أطراف البيت المترامية، بعد سنوات من الوحدة المؤلمة. اهتمت السيدة في حوارها الأول معي، بأن تتحقق من تصوراتها عن الحياة على الضفة الأخرى من المتوسط. سألتني عن الشوارع الرملية في بلادنا، عن الجمال كوسيلة للتنقل، وعن تماسيح النيل المتوحشة. لقد وجدت في نافذة على عالم جديد، وبعض من ونس بعد الوحدة الطويلة. وضعنا خططا سويا، أرادت أن تتذوق أطباقا جديدة، وأن تسمع الألمانية بلكنة مختلفة، واتفقنا على اللقاء في الغد لنكمل خططنا، بعد أن وافقت على أن أسكن غرفة في منزلها، مقابل ألا أدعو أحدا إلي، وأن أخرج القمامة يومياً، وأنظف البيت أسبوعياً، وأن أدفع لها قيمة مالية شهرياً. عدت إليها في اليوم التالي محملة بحقائبي، وبآمال واسعة وبحلم بمكان دافئ للنوم، كاد أن يتحقق. طرقت الباب كثيراً، وانتظرت طويلاً. فتحت السيدة مساحة لا تزيد عن 10 سم من باب البيت، ومن خلالها رأيت عيونها من وراء سلسلة معلقة بين الباب والحائط، أخفت ما أتيح للرؤية، خرج صوتها إلي واضحاً بلا تردد أو جزع: “لن أستطيع السماح لك بالسكن معي، ابنتي تخشى علي من الملونين”. وأغلقت الباب سريعاً، قبل أن أفتح ...

أكمل القراءة »

هل من ذاكرة لأقدامنا؟…

كفاح علي ديب * ” ماذا يعني الوطن؟! “… سؤالٌ يطرحه عليّ بإلحاح بعض الصحفيّين والأصدقاء الألمان، حين أتحدّث عن دمشق.   تتزاحم المعاني في ذاكرتي عن الوطن ، فأجد أنّ ليس بوسع معنى بمفرده أن يحدّد مفهوماً للوطن. فالوطن تارةٌ، هو الجامع لخبراتنا ولفرح نجاحاتنا، ولبكائنا على الخيبات والانكسارات. وتارة أخرى، هو العائلة، حياتنا اليومية، أصدقاؤنا الذين اخترناهم بملء إرادتنا، وتلك الشوارع الممتدّة في الحنايا، وأرصفة انتظار الحبّ الأوّل.   الوطن أيضاً هو الغصّة العالقة في الحلْق، والدموع المنهمرة  لسماعنا أغنية وطنيّة. هو الشعور بالمسؤوليّة تجاه بقعة جغرافية محدّدة بعينها، والرغبة الدؤوب في الدفاع عنها، وتجميل صورتها، وإن كانت بين فكّي الحرب.     ليتني استطعت البقاء في الشام ! لكنت وقفت إلى جانب صديقي الفنّان منير الشعراني، أتفرّج عليه وهو يخطّ بعشق عبارة الشاعر الفلسطيني محمود درويش ” في الشام مرآة روحي.”  دمشق/الشام، ليست مسقط الرأس، إنّما وُلدت في مدينة اللاذقيّة الساحليّة. بيد أنّي في دمشق وجدت نفسي. فيها، كنت في المكان الصحيح!   من دمشق، أُخْرِجْتُ عُنوةً، فتشظّت المرآة، وتبعثرت الروح.   منذ وصولي إلى برلين، وجدتُني أفتّش في تفاصيل هذه المدينة، وأحتفي كلّما لَقِيْتُ تفصيلاً يشبه أحد تفاصيل دمشق. بداية، كنت أظنّ أنّ هذا البحث شكل من أشكال الحنين، وأنّ الأيّام كفيلة بالتخفيف من حدّته. فأيّ ظنّ كان؟! فالأيّام والشهور والسنين انقضت، وها أنا الآن، أحتسي قهوتي في مقهىً رصيفي،ّ اخترته لأنه يشبه بعض مقاهينا. وما أزال أقفز فرحاً إذا ما وجدت زهرة بنفسج في حديقة عامّة، وأحزن على الياسمين المحبوس في أصص صغيرة، بدل أن يُعرّش على الأبواب والنوافذ، مثلما يعرّش على أبواب دمشق ونوافذها. الحنين حنظلٌ في الحلْق، وكلما تعتّق ازدادت مرارته! أصدقائي السوريّون المشتّتون في بلدان مختلفة، يخبرونني دوماً بدهشة طفوليّة: ” اليوم وجدنا دكاناً يشبه دكاكيننا! أو مطعماً يقدّم مأكولات سوريّة! أو باراً يشبه باراتنا، وبناءً يشبه أبنيتنا! وشارعاً أحسّوا أنّهم مشوا عليه قبل اليوم!” هل من ذاكرة لأقدامنا، تتعرف على الأرصفة بمجرد أن تطأها؟   بعيداً عن الوطن، ...

أكمل القراءة »

في وطن حر كلنا سادة!

ديما مصطفى سكران إذا رفعت سماعة الهاتف لتأخذ موعداً عند الحلاق في ألمانيا، فسلَّمت على موظفة الصالون، ثم عرّفت عن نفسك بأنك: الدكتور الفلاني، أو الأستاذ الفلاني، أو المهندس الفلاني، أو الضابط الفلاني أو أو… فإن كلامك هذا ستتلوه غالباً لحظة صمت على الطرف الآخر من الهاتف، تَرفعُ فيها الموظفة حاجبيها بدهشة أو تبتسم بسخرية، قبل أن تحدد لك موعدك المبتغى. على عكس ما هو شائع في البلاد العربية، من أن يُعرِّف المرء بنفسه مضيفاً لنفسه لقبه الذي منحته إياه شهادته العملية أو موقعه المهني، فإن ذلك يعتبر في ألمانيا ضرباً من الغرور والتباهي، لا يقابل إلا بالاستغراب والاستنكار. عليك إن كنت خارج مكان عملك أو مؤسستك العلمية، أن تُعرِّف عن نفسك باسمك العاري عن أي لقب، لكي لا يبدو الأمر وكأنك تنتظر معاملة خاصة تليق بـ “مقامك”، بل يجب عليك ذكر اسمك المجرد لكي تتساوى أدباً مع محدثتك، فلا تشعرها بالنقص إذا كانت لا تحمل لقباً مساوياً للقبك، أما هي فسترد بنعتك باللقب الذي يحمله كل الناس في بلادها: أهلاً سيد فلان، أو أهلاً سيدة فلانة. وأنت سيدٌ على نفسك وليس عليها، فهي أيضا سيدة، وكل الناس في ألمانيا سادة وسيدات، ولا تميزهم عن بعضهم ألقاب أخرى، حتى أن المستشارة الألمانية ذات المكانة الرفيعة، تخاطب في البرلمان أو يُتحدث عنها في حوارات العامة بلقبها البسيط هذا: السيدة ميركل. ويحتاج رفع هذه الكلفة في أي علاقة وقتاً، تُحدد مدته طبيعة هذه العلاقة أو ليونة أطرافها. ففي أماكن العمل والدوائر الرسمية مثلاً، يندر أن يرفع الزملاء الكلفة بينهم، ولا يصح رفعها إلا إذا بادر بطلب ذلك، الشخصُ الأعلى مركزاً أو الأكبر سناً أو الأقدم في المؤسسة، فتتحول صيغة المخاطبة من صيغة الجمع والاحترام “حضرتكم “SIE إلى صيغة المخاطب المفرد “أنت DU “. وعلى الرغم من بعض التراخي في رفع الكلفة في ألمانيا بين جيل الأمس وجيل اليوم، إلا أن المخاطبة بال SIE هي الأساس والقاعدة العامة، وتعتبر مخاطبة المرء باسمه الأول ...

أكمل القراءة »