الرئيسية » أرشيف الوسم : نعمت الأتاسي

أرشيف الوسم : نعمت الأتاسي

زاوية يوميات مهاجرة 2: شيزوفرينيا

تكتبها د. نعمت الأتاسي* بالعودة إلى صديقتي السورية ومغامراتها في عالم المنفى، فقد قررت أن تذهب إلى مدينة صغيرة حيث تستطيع أن تلحق بركب طالبي اللجوء الذي عجزت أن تنتمي إليه في باريس. وفي كل مرة كانت تنتهي من مرحلة من مراحل طلبها للدخول إلى هذا القفص، كانت تغوص أكثر في متاهات الازدواجية العشوائية. برعت في تقمص شخصية اللاجئة قالباً ومضموناً، في محاولة فاشلة منها للبحث عن ذاتها الضائعة، فكانت تختار ملابسها حتى تتلاءم مع وضعها الجديد: حذاء أسود قديم، بنطال أسود لا شكل له، سترة سوداء طويلة ومحفظة سوداء كبيرة تحتوي على أوراقها الثبوتية. لقد طغى اللون الأسود عليها صدفة، كأنها أعلنت الحداد على روحها وشخصيتها القديمة. كانت صديقتي بارعة أيضاً في دراسة شخصيات أصدقائها الجدد، تمضي أوقات الانتظار الطويلة في جمعية استقبال اللاجئين وهي تختلق قصصاً وترسم لهم خطوط حياة وطرق هجرة مختلفة. تنفر من بعضهم لأن سيرة حياتهم لم تحبها، كذلك اللاجئ ذو الإعاقة الخفيفة في قدمه والذي يمارس رجوليته وجاذبيته أمام الموظفات. أحيانا تتعاطف مع آخرين لمجرد أن الخطوط التي رسمتها لهم أعجبتها، كذلك الشاب السوداني الذي كانت تصادفه في كل المراحل فيتبادلان التحية ونظرات الاستفهام حول مدى سير المعاملات. الحق يقال تأقلمت صديقتي مع معاملات عالمها الجديد بسرعة وسلاسة، وأصبحت تتابع مجريات أحداث زملائها بسهولة: من يمسك بورقة حمراء فقد تجاوز أول مرحلة وجاء فقط ليستلم بريده، من معه ملف كبير فهو في طور التسجيل، ومن لا يمسك بيده شيئاً فهو ما زال في أول خطوة والطريق أمامه ما زالت طويلة. هذا ما كان يشعرها بنوع من الفخر كونها سبقت البعض في الدخول إلى عالم الأرقام هذا. استغرقت صديقتي عامين كاملين حتى دخلت قفص اللجوء الذهبي، بدأ مشوارها مع بداية الشتاء القارص، استعدادا لرحلتها المعتادة كانت تخرج من منزلها (هل هو حقاً منزلها أم مكان إقامتها؟) الساعة الخامسة صباحاً، حيث باريس غافية تحت ظلام الشتاء البارد، لتنطلق في المترو إلى محطة القطار. كان البرد ينخر ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 1: صديقتي البرجوازية في طابور اللاجئين

د. نعمت الأتاسي* لصديقتي السورية بورجوازية الأصل حكاية أخرى مع المنفى لا تشبه بقية الحكايات. فبعد عدة أشهر من الهجرة المرًفهة مادياً وفكرياً قضتها في باريس، بدأت تسمح لنفسها أخيراَ بالتفكير بطريقة واقعية. مرحلة الانتظار لشيء ما كانت تجهله قد مضت، أمورها المادية أخذت تتصاعب، لا وجود رسمي لها، وهي ما تزال تصُر على لعب دور السائحة المثقفة في عالم لا يعترف بالسياح الأجانب إلا كمحفظة نقود. مع مرور فترة من الزمن اضطرت صديقتنا أن تدخل حيُز الفراغ الرمادي، وذلك بانتهاء صلاحية أوراقها الثبوتية. وعليها اتخاذ أصعب قرار للدخول إلى ما أسمته: قفص اللجوء الذهبي. استيقظت صديقتي باكراً لتذهب إلى المكان الذي سيسمح لها أن تبدأ المرحلة الأولى، لتصبح رقماً بين بقية الأرقام. تسلّحت ضد البرد بشالها الصوفي ذي الماركة العالمية وهي تقول في نفسها كنوع من أنواع العزاء الذاتي: “لا يهم هذا التناقض، فأنا بكل الأحوال لم أشتر هذا الشال وإنما كان هدية من شخص ما في حياتي السابقة”. تحسباَ للانتظار الطويل أخذت معها بعض (الكرواسان) وملأت الترمس الذي كانت قد ابتاعته من (ستارباكس) بالقهوة الساخنة. وأخيراَ وبما أنها تعتبر نفسها من الجالية المثقفة، فلم تنس كتابها الذي كانت تقرأه بتمعن (البحث عن السعادة)! في تمام الساعة السادسة صباحاً وصلت صديقتنا مقر المؤسسة لطلب اللجوء، معتقدة بأنها ستكون من أوائل الموجودين، لتجد أمامها المئات من الشباب والنساء من كل الجنسيات. تملكت الحيرة نفسها وبدأ الخوف ينهش قلبها، خصوصاَ عندما بدأ بعض الشباب بالتصفير– وإن كانت قد استبعدت تماماً فكرة الإعجاب بها وذلك لتقدم عمرها- وهنا لم تمنع نفسها من الابتسام والتكلم مع نفسها: “قد يكون هذا بسبب الشال”. بعد فترة من الحيرة أخذت دورها بين مجموعة الشباب وبدأت تتبادل معهم بعض الكلمات، وبلغة هي مزيج من العربية والانكليزية والفرنسية استطاعت التواصل معهم. تقول صديقتي: تأخذ المناقشة طابعاً طريفاً، فلا حاجة لقواعد اللغة للتواصل، نحن بحاجة فقط لمهارات يدوية في الإشارات. = أنت من وين؟ سودان؟ – أنا سوريا.. – ...

أكمل القراءة »