الرئيسية » أرشيف الوسم : موفق مسعود

أرشيف الوسم : موفق مسعود

الحصان

موفق مسعود* كان يحلم على الدوام أن يكون حصاناً برياً يقارع الصخور والوحوش للفوز بالمهرة الجامحة والينابيع. وذاك الرجل الذي يسير محنيّ الظهر، كان يحلم ربما بأن يكون قرداً في الغابات المطيرة، حيث الحصول على الغذاء أمراً يلزمه اللعب. وتلك الفتاة التي تخب بين المارة، حلمت بأن تكون حمامة، وهاهي تسير كأنها سترتفع عن الجاذبية بعد خطوتين. ذلك الشرطي، يلتفت فيقفز منه حلمه في الهواء المحيط، ها هو ضبع أملس الشعر في غابة تعج بالفوضى، وذلك التاجر العتيق على الناصية، يبدو حلمه كثعلب شاحب يتراقص في حدقتيه.. وهناك الكثير ممن عرفهم الفتى الذي حلم بأن يكون حصاناً، وكان يرى أحلامهم القصوى: فراشة، تمساح، حوت، دودة، صقر، سنونو، ضربان، سنجاب، فأر.. إلخ الفتى الذي حلم بأن يكون حصاناً، توقف عن العدو، بدا متأملاً بسؤال طارئ، اصطدم برأسه حين نظر إلى طفل في الثالثة من عمره في الطريق وأراد مداعبته بفرح وحيوية. كان الطفل رثّ الثياب يمسك كفّ أمه مراقباً العالم بتحدٍ صاف، بينما سارت أمه المتشردة في شوارع العاصمة وهي تقبض على ربطة الخبز بيدها الأخرى كمن يقبض على قاتل. بدا السؤال كفجوة تفضي إلى مكان آخر لا تفضي إلى هذا العالم، أوقف الصغير مداعباً: –  بماذا تحلم يا بطل؟ –  أن آكلك. كان رد الطفل سريعاً ومباغتاً وبلا تردد. توقف الرجل الذي حلم بأن يكون حصاناً، وأطلّ من الفجوة، كان يرى الجميع بلا استثناء يقدمون تنازلاً يائساً في أحلامهم عن الهوية البشرية،  لا بد أن هذا العالم يائس كبير، ولا بد أن نفعل شيئاً لأجل الأحلام.. قال هذا وقفز عبر الفجوة إلى حلمه تاركاً بشريتّه دون تردد. المدينة تعج بالضباع هذا المساء. مدينة الأحلام، تلك المدينة التي يُطّل بعض سكانها الوحوش أو الحشرات أو الأشجار أو ذلك الحصان الذي حلم به الفتى، عبر الفجوة  ذاتها، يطل الحصان من الفجوة ذاتها عن طريق الخطأ.. ليرون عبر الفجوة ذاتها الفتى الذي كان يحلم على الدوام بأن يكون حصاناً برياً، يسير على الرصيف ...

أكمل القراءة »

الهزيع الأخير

موفق مسعود. لطالما فكرت وتصورت في مخيلتي الهزيع الأخير من الليل، بأنه زمن موحش ينام فيه البشر بعمق خوفاً من الصحو في عتمته. لكنني اليوم عرفته كأنني لم أعرفه قبلاً. نهضت من فراشي الدافئ في هذه المدينة الباردة والقريبة من جبال الألب، هي المدينة التي اختارتها لي منظمة غير حكومية تُعنى باللاجئين من الحرب. لم أفكر بل خرجت إلى الشارع وبدأت أركض، وكلما ركضت بدوت أكثر شباباً وكأنني أصغر في العمر. عبرت الشارع الرئيس للمدينة، وتوجهت نحو غابات السرو العملاق على التخوم. لم أشعر بالتعب، وكانت المسافات تطوى تحت قدمي وكأن الأمكنة هي منديل يطويه رجل عجوز بأنامله المعمرة. عبرت الحدود وبعدها حدود أخرى، لم يستطع حراس الحدود والأحراش اصطيادي، كان بعض من لاحقني منهم يتوقف لاهثاً مفنجراً حدقتيه في أثري غير مصدق عبوري. وصلت إلى البحر وانسللت في مياهه كدلفين، عبرت السفن المزمجرة كثيران الحراثة المساقة عنوة إلى العمل، ورأيت الغرقى يتسامرون تحت الماء بقليل ويتبادلون القبل، ثم وصلت إلى شواطئ سورية الرملية، وبعدها مررت بالمدن المحطمة وبسكانها القليلين اللذين يلاحقون الشمس خوفاً من البرد. عبرت مدينتي نحو مناطق المخالفات ثم إلى مكبات القمامة شرق المدينة لأصل إلى براح البادية راكضاً نحو الوعور التي بدت في الأفق كخرافات فاتنة وعمالقة يلعبون. عبرت القرى والخيام وقطعان الماعز آكلة الأشواك حتى وصلت إلى ساحة القرية، حيث/ لعبة الخريطة/. حين وصلت كان أقراني الأطفال يرسمون خريطة اختفائهم على التراب، انضممت إلى الفريق الذي سيختفي في مجاهل الهزيع الأخير من تلك الليلة الشتائية الساحرة، ثم دلفنا في العتم. موفق مسعود، كاتب من سوريا اقرأ أيضاً: من دمشق عندما تفرطُ الحرب رُمّانَها محرر الموقعhttps://abwab.eu/

أكمل القراءة »