الرئيسية » أرشيف الوسم : مها حسن

أرشيف الوسم : مها حسن

ذلك العقاب… هذه اللعنة

مها حسن.  كانت أصابعي ترتجف من البرد، حيث أترك النافذة مفتوحةً، وأنا أعمل. أغلقتُ النافذة، وأحضرت شالاً لففته حول عنقي، ورحت أدسّ أصابعي بين ثناياه، لأحصل سريعاً على الدفء. نظرت إلى رؤوس أنامل يديّ، وأنا أنفخ عليها، فوجدتني أنزلق من مكاني وزماني، لأعود إلى سنوات قديمة. كانت أصابعي ترتجف أيضاً من برد الصباح، ولا أعرف السبب، الذي جعلني أتأخر على دوام المدرسة، التي لا تبعد كثيراً عن البيت في ذلك اليوم، هل كنتُ ضعيفة التركيز؟ هل كان خطأ أمي التي لم توقظني؟ لا أعرف تماماً. لكنني كنت طالبةً متفوقةً، ومعروفةً لدى معلّمتي فدوى، التي كانت تفضّلني على زميلاتي، وتبقيني معها في الفرصة، حيث تخرج البنات للعب، بينما أشاركها في تصحيح الوظائف وأوراق الامتحان. كانت تثق بي وتراجع سريعاً، العلامات الحمراء التي أضعها إلى جوار كل جواب، لتقوم هي باستخراج النتيجة النهائية، وتثبيتها على ورقة الامتحان. في ذلك الصباح، دخلتُ الصف متأخرةً، فوجدت معلّمةً بديلة. أوقفتني بوجهها المتجهم، وراحت توبّخني لتأخري. لم أتأخر لأكثر من دقائق، اعتدنا عليها نحن بنات الصف الخامس الابتدائي. وقفتُ خاضعةً، أسمع التوبيخ، إلى أن طلبت مني أن أمدّ يدي لأتلقى ضربة العصا. شعرت بالصدمة، ونظرت إلى رفيقاتي كأنني أستنجد بهن. لكن لم يكن من مفر. وجه المعلّمة “نزهة” ينزّ بالغضب، وهي تهدد، أي تأخّر في مدّ إحدى اليدين، سيعرضني لضربة إضافية. مددت يدي باكيةً، قبل أن أُضرب. كانت يدي باردة بشدة، وجاءتني الضربة كلسعة كهرباء. بكيتُ أكثر، من الألم والصدمة والمهانة، وأنا أتجه صوب مقعدي. ثمّ تتالى وصول بعض الطالبات المتأخرات، وتعرضن جميعهن لعصا المعلمة البديلة. منذ اليوم الأول لاستلامها صفّنا، قررت “نزهة” أن تربينا بطريقتها، لتضمن الطاعة والخضوع لاحقاً. الظلم الذي شعرت به يومها رافقني طويلاً، كانت تلك أول ضربةٍ موجعة على يدي الباردة. في المرحلة الإعدادية، عرفت نوعاً أشد من العقاب. لأكتشف الدلال الذي كنا نحظى به، نحن طالبات المرحلة الابتدائية، حيث كان لدينا معلّمة واحدة لجميع المواد، عدا المواد الترفيهية كالرسم والرياضة، والتي ...

أكمل القراءة »

الوجه السعيد للمنفى

مها حسن* تعلمت الكثير في هذه المنافي، على الأقل تعلمت أربع لغات حتى الآن. هكذا حدثني حسام، بطل روايتي الأخيرة (عمتِ صباحاً أيتها الحرب)، وهو يمزج الدعابة بالحزن. حسام الذي تركته في نهاية روايتي لمصير مجهول، حين تم رفض لجوئه في السويد، وقد أمضى عامان ينتظر الجواب، بعد أكثر من عام في اليونان، وقبلها عامٌ آخر في تركيا، صار مختصاً بأحوال المنافي واللجوء، وفي جعبته الكثير من القصص والأصدقاء، الذين يتعرف عليهم في بلد، ثم يتركهم ليبدأ حياته في آخر. وصلتُ إلى منفاي، منذ ثلاثة عشر عاماً، اختبرتُه طويلاً، وعايشت تفاصيله، إلا أنني أفكر بتخصيص كتاب عن أمراض المنفى وارتباكات الهوية، فليس للمنفى وجه واحد. يحلو لي الكلام عن الوجه السعيد للمنفى. رغم كل الصعوبات، فتح المنفى أمامي أبواباً للإطلال على حيوات مختلفة. منحتني أمستردام منزلاً أسطورياً، أمضيت فيه عاماً ساحراً مخصصاً للكتابة. ما كنت سمعت بآن فرانك لولا المنفى، ولا كنتُ أمضيت عامي ذلك في شقتها، لأكتشف حياة بشر آخرين عانوا قبلي، لأتعلّم منهم أنني لست مركز الألم، ولستُ الوحيدة التي فقدت وطناً وأهلاً وعائلة وبيتاً وأصدقاء. أحببتُ منافيّ بحذر، وفتحت أبواب قلبي، لناس مختلفين، صرتُ منهم بمرور الأيام. حتى قامت موجات اللجوء الهائلة، ففقد السوريون أمل البقاء على قيد الحياة في بلدهم، وطلبوا النجاة في أماكن أخرى من العالم. وهكذا انكسرت جدران منفاي التي أسستها عبر سنوات، لأدخل من جديد، تجربة المنفى، مع منافي أهلي وأصدقائي، كما حال منفى حسام. أتابع حسام منذ سنوات، منذ بدء الثورة، وأشاركه خبراته في منافيه المتعددة، يتغّير سريعاً من بلد لآخر. ألاحظ تغييراته بدقة. أتعرّف عليها مع أنها تغييرات نفسية لا تظهر في الشكل، حيث لحسام شخصية واضحة، لا يخفي مشاعره ولا يخاف أحكام الآخرين. يتطور وكأنه ينتقل من درجة لأخرى، متخفّفاً من أخطاء التربية الجمعية التي شكّلت شخصيته لا إرادياً. يفكك ذاته ويواجهها، ويربّي نفسه من جديد. ( أحب هذه البلاد، تعلمت فيها أشياء لم يكن بوسعي تعلمها في بلدي هناك)، يحدثني ...

أكمل القراءة »

كيف تكتب نصاً لافتاً

كلما دخلت إلى مكتبة شعرت بالهلع أمام كثرة العناوين والكتب المصفوفة بازدحام، وقلت لنفسي: يا إلهي، ما أهمية ما أكتبه ضمن هذا الزحام؟ يتفاقم السؤال عن جدوى الكتابة، في ظل إغراق السوق بالكتب مع موجات الكتابة الطارئة، واستسهال النشر بسبب انفتاح فرص ومنابر عديدة، لأسباب قد لا تكون إبداعية من الأصل، كنوع من (التجييش) الإعلامي المُسيّس لخدمة قضايا وأجندات، أو لامتلاك بعض الجهات موارد مالية تمكنها من استقطاب أشخاص يرغبون بالظهور، أكثر مما يكون لديهم هاجس إبداعي حقيقي. وعلى العكس من موقف الروائي إمبرتو إيكو المعترض على تدفق أساليب وفرص التعبير لأشخاص لا يحق لهم هذا، قائلاً بأن المواقع الاجتماعية (تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء)، أجد أنه من حق أي شخص أن يكتب وأن يعبر وأنا ضد احتكار الكتابة، ولكن هذا في الوقت ذاته، يغرق السوق الأدبي والفكري بمنتجات خالية من القيمة، وربما بلغة السوق ذاتها تطرد العملة الرديئة تلك الجيدة. ليس هذا ما أود التعبير عنه هنا: إشكالية الكتابة الكميّة وصعوبة التمييز ضمن هذا الكم على النوع، إنما رغبت أن أقدم تجربتي الصغيرة، حول كيفية النجاة من سوق يعرض منتجات مدهشة التنوع والكثرة، ليكون أحدنا محافظاً على منتَجه، أي نصّه الإبداعي. سأضرب مثالاً حول مواقع التواصل الاجتماعي؛ تصل أغلبنا الكثير من الرسائل اليومية عبر الفيسبوك والتويتر وغيرهما. وغالباً نقوم بإهمال هذه الرسائل، إلاّ البعض منها. وهنا كما يقول المثل “حطّنا الجمّال”. لماذا نستثني (هذا البعض) من قاعدة الإهمال؟ وكيف يمكن لرسالة تصل من بين العشرات، أن تلفت نظر أحدنا ليهتم بها ويرد عليها. الوقوع في الكليشيه السمة المشتركة لأغلب هذه الرسائل هي التشابه. كأن الذين يكتبونها يجلسون في غرفة واحدة، أو صف واحد كتابة خالية من التفرد. وهذا القانون ذاته ينطبق على أغلب ...

أكمل القراءة »