الرئيسية » أرشيف الوسم : محمد داود

أرشيف الوسم : محمد داود

سوريا وذكرى الثورة العظيمة

مئات الآلاف من الشهداء تحت قصف الطائرات والمدافع والبراميل المتفجرة ورصاص القناصين والسلاح الكيماوي، مئات الآلاف من المعتقلين وعشرات الشهداء تحت التعذيب، ملايين المهجّرين بين نازح في الداخل ومهاجر في الخارج، عشرات الآلاف من البيوت المدمرة، خراب على كل شبر من الأرض السورية، هذه حصيلة أولية بعد 2922 يوماً، بعد ثمانية أعوام كاملة على اشتعال الثورة السورية. أما بعد: في ذكرى الثورة.. حين انطلقت الحناجر تهتف في حي الحريقة بدمشق وبعدها في مدينة درعا المهد لم يكن هذا النداء والهتاف إلا استمرار جميل لما بدأ بالتشكل في تونس ومصر وليبيا، وصدى الحرية المشتهاة منذ قرون على هذه الأرض التي طالما حلمت بها وأنتجت كل عناصر تأهلها للوصول إليها. لطالما كانت الذكريات في شهر آذار وصمة لئيمة تركت آثارها لما يزيد عن نصف قرن على جسد الشعب السوري، لكنه في عام 2011 ظهر بهيئة جديدة خلابة ساحرة أوجزت صراع عصور كاملة لتنهض الطيور الأسطورية وتحلق بسلام في السماء السورية. رغم الموت المحيط بها من كل جانب نجد هنا ثورةً بدأت بالرقص والغناء، ثورة بدأت بحمل الورود والماء وتقديمها لجنود الوطن (حماة الديار) كما يجب أن يكونوا، ثورة صفقّت وغنّت وهتفت لوحدة كل أطياف الشعب السوري بأديانه وطوائفه وقومياته المتعددة، ثورة ترفع اللافتات الكوميدية وترسم العوالم الجديدة لطعم الحرية..  هكذا كانت في البدايات. لم يحتمل الطاغية ابن الطاغية هكذا مشاهد، فرد عليها بالحديد والنار، وجلب الضباع من كل بقاع الأرض، ليخنقها في مهدها، جرب النار بداية في درعا ولم يرد عليه الشعب، ثم جربه مرة أخرى في حمص، وبقي المشروع العظيم سلمياً، جربه في الغوطة وإدلب ودير الزور، حتى فاضت الكأس بالدم، وتحولت الثورة اليتيمة إلى التسلح الذي سعى له المجرم من اليوم الأول. من هنا بدأ التحول الآخر وهو تغذية البذرة الطائفية التي عمل عليها المجرم منذ اليوم الأول. الطائفية والسلاح الذي يصل بانفجار الشعب طلباً للحرية إلى عكسه، إضافة إلى حماية زنادقة الخراب في أنحاء الأرض للطاغية وأبيه من قبله، واللذان ...

أكمل القراءة »

يوم دمشقي..

محمد داود* مشيُ ظلالِ الياسمين يلفُّني وأنا على درجٍ دمشقيٍ أنامُ تسير قوافلُ الأطلالِ قربي تحدّث غيمتي الزرقاءَ في كهف المعاني لحظةٌ خرقاءُ يسكنني الغبارُ ويجمعُ ماتبقى من دمشقَ بقهوتي في الفجرِ.. تُخفي دمشقُ العاشقين بصدرها.. ترشُّ الحليبَ على هائمٍ يُنقّبُ عن بقايا الندى في شارعٍ أمويْ عسى أن ينام الزمان هنيهةً ويعود نحو المشمشِ البلدي في الصبحِ تهبُّ المعاني من مخابئها توزعُ الماءَ على المقاهي تتقاسمُ بالبراءة نفسِها نساءَ الخليفة حين يمنحن الهوى عُرياً خالصاً للحب في الظهيرة تصفعُ الشمسُ الشارعَ الحجري تقلّمُ جراحَ الوقت فيه وتدعو قاسيون لرمي المدينة بالنار قبيل الغروب كي تغني حزنها على هسيس الجمر في جماجم أهلها الشام ليلاً .. غرابٌ يطلُّ من الصفصاف حول الماء يتقمص التغريدَ ينهار بيتٌ على زواره النائمين.. صراخٌ وهتافٌ لتحيا الحياة كتلٌ من إسمنتٍ ودماء تتكاثر تعلو حتى تغلق وجه السماء والصائمون في انتظار وجبة مابعد الموت المسائي في انتظار انتصار الجوع والعصافيرَ الفقيرةِ والجنون لينتهي فصلٌ من حكايةْ ويخفُّ الهواءُ بساكنيه عند انقضاء وقت المدافعَ والطائرات.. هنا دمشق في المدنِ العتيقةِ ينتشر الغبارُ على الجميع وتُورقُ الأشجارُ طيناً هلامياً في المدنِ الكبيرةِ يضيعُ منفيون في عرباتهم وتلتئمُ القلوبُ على أحزانها في المدنِ الثريةِ ينهش المنفى جدارَ حروفِ التائهين فيها بلا وجوهٍ ويسكبهم جليداً على طرقاتها مدنٌ بلادٌ من ورقٍ سديميٍ تحيا في منافيها وغربتها سجونٌ على طول المدى بلا هواءَ ولا صدى فهنا كانت دمشقُ ستبقى المدن بلا ساكنيها سنختفي نحن القادمين منها كأننا لم نكن كأن عظامَ أسلافنا الصالحين لم تبكِ عشقاً على طرقاتها سنذوبُ في تفاصيلَ غبارٍ وبحورِ تراب ونترك أيامنا قبوراً على ناصيتها هناك صخورٌ سترثُ الأرضَ من كل زائرٍ هناك مروجٌ وغاباتٌ سترقص مع الريحِ بدلاً عنا هناك جذورٌ ستعلو وتنهض قريباً منا نحن العناوينُ المؤقتةُ لكل الشوارع وكل المجازر نحن القناديلُ المطفأةُ في رحلة الأرض نحن الذاهبون أبداً في دروب الغياب محمد داود. شاعر فلسطيني سوري   اقرأ أيضاً شعر الخضر شودار: ...

أكمل القراءة »

لمن أنتمــــــــــــــــــــي

محمد داود* ها أنا ذا أبدأ بالحلم مجدداً، وأنا أقترب من نهاية عقدي الخامس، وحلمي هذا ليس ككل الأحلام، هو بسيط صغير مشروع ومبهم. نعم مبهم. كلمة واحدة فقط تشكّل ما أحلم به، كلمة صغيرة من ثلاثة أحرف، أحلم بوطن، وأن أكون مواطن كأي بشري على سطح هذا الكوكب. فبعد مرور نصف قرن تقريباً من النَفَس الأول، لم أحظ بهذه الصفة، ولا حتى لثانية واحدة. والسؤال الذي يأتي قبل الحلم أو بعده هو: لمن أنتمي؟ المعضلة في السؤال هو أنني تكونت من، وفي عدة بلاد تنطق بلغة واحدة يتشابه الناس فيها بكل شيء تقريباً. يتشابهون في آليات التفكير، يتشابهون في طريقة العيش رؤية الأشياء، يتشابهون في الصح والخطأ، يتشابهون في الانتماء تحت رايات الظلم والقهر. كنت هناك بينهم، وارتكبت خطيئة الانتماء معهم للمجهول المهيمن الغامر المسمى وطن. ماهيته غائمة، ملامحه قاسية خشنة، تفاصيله موحشة ظالمة. مملوك لشياطين يتحكمون بمصائر الناس فيه، ولهم كل ماعلى تلك الأرض من أرواح وتراب وماء ونار. فلمن أنتمي؟ عشت السنوات العشر الأولى من عمري في غوطة دمشق، تعرفت على الناس أصحاب الأرض وأتقنت لهجتهم، أكلت طعامهم وسرقت الفواكه من أشجارهم مع عصابات الصغار التي أسسناها على فكرة روبن هود، ثم تخلينا عنها بعد أن اكتشفنا لاحقاً أن روبن هود خاصتنا كان لصاً وضيعاً، ومخبراً للسلطة. عشت همومي وهموم أصدقائي الصغار وعشت أفراحهم وضحكهم وألعابهم. وفي نفس الوقت عشت داخل منزلي انتماءً آخر يغلي بين أهلي القادمين من حرب طارئة في الأردن، وقبلها من فلسطين المسروقة المحترقة بالشعارات، والمحاصرة بالأسلحة الفاسدة. عشت انتماءهم أيضاً ولهجتهم الأصلية. انتقلنا فجأة لنسكن في مخيم اليرموك، الذي يعيش انتماءه الخاص، لذاته أولاً، ولحلم أصحابه المشبوهين بلعنة الوطن وسراب العودة. عشت انتماءهم وانتمائي، صادقت الكثيرين والتحقت بمنظومات الأفكار المستعرة والمتناقضة في المخيم. تعرفت على مختلف شرائحه الفلسطينية والسورية، وتعرفت على جيران المخيم الفلاحين، الذين يشبهون هؤلاء الذين كبرت بينهم أولاً. درست المراحل الأولى في المخيم ودرسته، وارتبطت بحاراته وشوارعه العتيقة والحديثة، ...

أكمل القراءة »

عن الذاكرة والخذلان: القدس ـ دمشق

  محمد داود* لأننا نعيش في ذاكرتنا وتاريخنا، تسحبنا أحداثنا الحياتية دوماً إلى ماصادف حدوثه في وقتنا الراهن. دائماً مانجد ذكرى ـ غالباً أليمةـ لنستعيدها ونحييها، ونحيي معها شخوصها وأحداثها. وعليه، ففي شهر ديسمبر كانون الأول، تمر الذكرى السنوية الخامسة، لقصف جامع عبد القادر الحسيني بطائرات (الميج) السورية، في قلب مخيم اليرموك. وبمحض الصدفة، تمر هذه الذكرى، بالتزامن مع اعلان دونالد ترامب، أنه سينقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل. والذي يجمع الحدثين، أن عبد القادر الحسيني هو القائد الذي استشهد في معركة القسطل، على مشارف مدينة القدس نفسها، التي يتغنى القادة الممانعون باسمها في كل مناسبة، وأهم المناسبات، هي ضرب الشعوب، التي ترزح تحت نيرهم منذ ستة عقود ويزيد. سقط الحسيني، بعد خذلانه من الزعامات العربية في تلك الأيام، والتي ورّثت مادتها الوضيعة، إلى أبنائها وأحفادها، ليهبّوا اليوم دفاعاً عنها صوتياً، دون تقديم أي إشارةٍ لفعل مايجب أن يُفعل، بل على العكس، كل الإشارات المضمرة والظاهرة، تدل على البيع العلني والنهائي لتلك المدينة المقدسة. القدس سقطت في تلك الأيام، بعد أن خُذل أهلها من أهلهم، ولم تسقط بعد إعلان ترامب، فالإعلان تحصيل حاصل، بعد النكسات العربية والفلسطينية المتتالية، وآخرها نكسة اتفاقية أوسلو، والنكبة السورية التي تكاد تحطم العقل العربي، الذي كفر بفلسطين وأهلها. وتعود الذاكرة إلى أصحابها كل يوم.  كل لحظة حدث، كل فرحة وجع، كل ضحكة قهر، كل سكن سجن. وهاهو اللاجئ الجديد هنا في أوروبا، يعيش داخل لعنة ذاكرته التي أفسدها الخراب، وصوت المدافع، وغارات الطائرات الصديقة على أمه وأطفاله. ولاتغيب لعنة الدم الملقى على موائد الدول الكبرى، وشراهة صبيان الطغاة. لعنة الدم الفلسطيني الذي خُذل على مدار سبعين عاماً، متوجاً بسحب القدس نهائياً إلى مدار آخر، ولعنة الدم السوري، المخذول في سبعة أعوام، بعد سقوط دمشق نهائياً، تحت وطأة الخذلان. ومازالت اللعنتان تصبان زيتهما، وتؤججان القهر في نفوس الفلسطينيين والسوريين. هي ذاكرة الدم الذي يعيش فينا ونعيش فيه، التي أفسدت كل متعة في حياتنا القادمة، كلعنة ...

أكمل القراءة »

لاجئون وأكثر

محمـد داود هكذا بلا مقدمات دخلنا جنة أوروبا الموعودة. هكذا بمحض الصدفة والحرب، رست قواربنا اليتيمة على الشواطئ القديمة لبلاد الروم والإغريق، وبعضنا رسى على شواطئ الأندلس، بعد أن نهشتنا مياه البحر، ليس أي بحر، بحرنا المتوسط جارنا القديم قدم البلاد. أدهشتنا الخضرة التي تكسو حتى سقوف البيوت، أدهشتنا النظافة، أدهشنا النظام والتنظيم الذي تسير عليه البلاد.الحلم، أدهشتنا المياه التي تحكم حكم طاغية في بلاد النوارس والبط والغزلان ومواكب الأوز البري الذي يتبختر في الشوارع دون أن يحسب حساب صياد متربص، والأكثر دهشة وقوف السيارات دون أن تصدر صوتاً حتى يعبر الموكب. أدهشتنا الحرية، وآه طويلة جداً من الحرية، الكلمة البدء، التي بدأت كل شيء، وفقدنا بها كل شيء. نراها في سلوك الناس ومعرفتهم لحقوقهم وواجباتهم، حرية المعتقد، حرية الحركة، حرية المظهر، حرية وفقط. بعضنا رأى أنها مقنعة وبعضنا اعتبرها وهماً، كذباً وزيف، ولا حرية حتى في كلام الرجل مع امرأته والأم مع طفلها. كثيرة هي الأشياء التي أدهشتنا ولكننا نقف بعد عدة سنوات، لنرى أن الشيء الوحيد الذي لم يدهشنا هو ذواتنا التي لم تتغير ولو قيد شهيق، لم نستطع التغير حتى في أحلامنا، المبنية على وهم الذات العظيمة، دون أن تجد أسباباً تعطيها المشروعية. لم تتغير نظرتنا إلى الأشياء من حولنا وإلى الناس الذين احتضنونا. شكونا من بعض العنصرية التي واجهتنا ولم نمتدح الترحاب والابتسامات التي أحاطتنا، وعزونا الكثير منها إلى فائدة يرجونها من قدومنا إليهم، نحن الذات العليا التي يجب على الآخرين حبها حمايتها والدفع لها، فقط لأننا نحن ولا شيء غيره. تعاملنا بعنصرية مع بعضنا، عنصرية ربما تفوق ما رأيناه أو سمعنا عنه عن عنصرية الأوروبيين. انتشرنا وملأنا الدنيا ضجيجاً وصخباً، لم نترك حجراً إلا وأخبرناه بقصتنا متضمناً تاريخنا المجيد، وما اقترفه الغرب بحقنا، وما اقترفته الدمى الحاكمة التي زرعها الغرب بيننا بحقنا. طبعاً نصرُّ على تكرار كلمة حقنا رغم معرفتنا الأكيدة بأننا من أهدره بالدرجة الأولى، ودون أن نلتفت لكلمة واجب أصلاً. انتشرنا في كل ...

أكمل القراءة »

أحلم أن أنتخب

ربع قرن ونيّف هي الفترة التي كان يُفترض أن يحق لي خلالها الانتخاب والترشح، سواء لانتخابات برلمانية أورئاسية في أي وطن أعيش فيه. وأنا عشت في سوريا جلّ حياتي وللأسف كانت كلها في عهد نظام الأسد (الأب والابن). وحدث أن قام نظام الأسد بإنتاج تمثيلية الديمقراطية وقدم نموذجه في الانتخابات والترشح على الأقل فيما يتعلق بانتخابات البرلمان أو مجلس الشعب كما يحب أن يسميه، وقبل ثلاثة أعوام في انتخاباته الرئاسية التي سمح فيها لشخصين أن يترشحا مقابله. وحدث أيضاً أني عشت كل تلك التمثيليات، لكن لم يتح لي إلا التعليق عليها والسخرية منها في السر بطبيعة الحال، دون أن أتمكن من المشاركة فيها كوني فلسطيني، وليس لفلسطينيي الشتات الحق في المشاركة في انتخابات بلد أجنبي عنهم. وحقيقة ليس لهم الحق في المشاركة بأي انتخابات كونهم سيبقون أجانب وبدون وطن، كما تسميهم الحكومات الأوروبية جهراً، والحكومات العربية سراً. ولأنني من النوع الفلسطيني النادر (فلسطينيو السبعين) لم أتمكن من حمل بطاقة الإقامة المؤقتة في سوريا ولم أنعم بصفة اللاجئ التي تتيح لفلسطينيي سوريا العمل في المؤسسات العامة والحكومية وعضوية النقابات التي تحدث فيها انتخابات ويستطيع من يعمل فيها أن يرشح نفسه لمنصبٍ ما. أنا الفلسطيني الـ”بدون”، الذي رمته الأقدار ذات حرب على أطراف غوطة دمشق أنا من قرأ عن الديمقراطيات في العالم منذ بدء التاريخ وعرف جان جاك روسو وعقده الاجتماعي متلمساً خطى أرسطو وأفلاطون في جمهوريته الفاضلة. من قرأ آداب سكان الأرض وعرف عن حياتهم وعاداتهم وحقوقهم وواجباتهم والمظالم والظلم الذي تعرضوا له، ليس لي الحق بأن أكون مثلهم، بل ليس لي أن أقرر فيما إذا كان شخصٌ ما مؤهلاً لتمثيلي في مجلسٍ قد يستطيع مواجهة السلطة إن طغت وتجبرت، ويستطيع سن القوانين وإقرارها أو تعديلها أو التصويت ضدها. لا يحق لي أن أكون ممثِلاً لجماعةٍ انتخبتني، ولا أستطيع بموجب هذا الانتخاب مساندتها في وجه المظالم. كنت أرى خيام المرشحين في العرس الديمقراطي الأسدي، وأرى حفلات الدبكة والشاي والقهوة والطعام في ...

أكمل القراءة »