الرئيسية » أرشيف الوسم : كفاح علي ديب

أرشيف الوسم : كفاح علي ديب

ذات ليل…

كفاح علي ديب عطش، عطش، جفاف يشقق الحلْقَ، ما من ماء على طول الطريق. ساقايّ لم تعودا تقويان على حمل الجسد الذي أنهكه العطش.تذكّرت أن بئراً كان في آخر الشارع حيث اليوم تتكوّم أبنيتُهُ ركاماً فوقَهُ. رحت أزحف على بطني وأئن مثل كلب جيراني الذي أصيب بطلق ناري في فخذه، ولم يجدِ معَهُ أيُّ علاج سوى رصاصةُ الرّحمة. تابعت الزحف حتى وصلت إلى موقع البئر. في هذا المكان ما من أحد يطلقُ رصاصَ رحمة. قرب البئر، كان طفل يراقب المكان بعينه الوحيدة، وغير بعيد عنه كان أطفال آخرون، عشرة وربما أكثر لا أطراف كاملة لأيّ منهم. مكثت أراقب الأطفال للحظات، كانوا يخوضون في الطين الذي ملأ البئر، ويصنعون كرات بحجم قبضاتهم الصغيرة، يعتصرون منها الماء فوق شفاههم المشققة ثم يرمونها خارج البئر. شهقت، وأنا أكتشف أنّ العطش شلّ صوتي، انتبه الأطفال إليّ، فتهامسوا ثم غاصوا في الوحل من جديد. أخذت قبضة وحل لأعتصر ماءه وأسكت عطشي، وما أن هممت برفع الوحل إلى فمي حتى رأيت عيناً في قعر يدي، عيناً تتربّص بي. من هول الخوف فتحت عيني على اتساعهما، لأكتشف أني نسيت إطفاء النور في غرفتي قبل أن أنام، كما نسيت وضع كأس الماء بجانب السرير. يا له من كابوس! ذهبت إلى المطبخ قاصدة الماء. فتحت الصنبور، صوت صفير الهواء المندفع منه مثل طلقة كاد يصمّني، فسارعت وأغلقتها وأنا أتلفت حولي وأتمتم: أنا في برلين، أنا في برلين، والماء لا ينقطع هنا، مثلما ينقطع هناك في سوريا، ما الذي يحدث؟! أعدت فتح الصنبور، لكن لم يخرج منه سوى صفير الهواء محمّلاً بالصدأ. تناهى إلى مسمعي أصوات ما في الخارج، تردّدت قبل أن أفتح النافذة وأطلّ إلى الشارع، كان هناك دبابة وجنود يرطنون بلغة غريبة، وهم يتلفّتون حولهم بطريقة مثيرة للشكّ، أحدهم رفع رأسه فرآني، خفت فأغلقت النافذة، ثم أخذت أصصاً فارغة ووضعتها خلف الزجاج، وأنا أفكر أنهم حين يرون الأصص الفارغة سيعتقدون أنه ما من أحد في البيت! يا لسذاجة ...

أكمل القراءة »

شرفات

كفاح علي ديب هناك، كانت شرفة بيتي، ذلك حين كان عندي بيت في دمشق، تطلّ على حقل زنزلخت، في أخر الحقل، كانت تشرئبّ شجرة حور كبيرة، وخلفها تلّة بنيت عليها ثكنة عسكرية، ومن ورائهما، قمر كان يطلّ، وكنت أراقبه يصعد بهدوء في السماء، لتكتمل استدارته ليلة بعد ليلة، من على التلة كانت تنطلق كلّ ليلة قذيفة، لم تكن تصيب القمر، بل كانت تهوي على شرفة بيت أحدهم، بهلع كنت أراها، من على شرفتي. وفي بيتي، ذلك حين كان عندي بيت في دمشق، كانت طاولة خشبية تطلّ من شبّاك مطبخي على شرفة جاري الجميل. على الطاولة، كانت أصص صبّار صغيرة، وأصيص بنفسج، كلّ صباح كان الجار يراقبني وأنا أسقي البنفسج، فأبتسم له كمن يقول: صباح الخير، يا جاري الجميل! ذات مساء، اعتقلني رجال الأمن، وبينما كانوا يقودونني مكبّلة في الشارع، رفعت رأسي لأودّع جاري الجميل، كان يراقب ويبتسم كمن يقول: لقد وشيتُ بكِ! لكن ولأوّل مرة لفتني، جار ثان يقف على شرفته، لم أدقق لأتأكّد إن كان جميلاً، ولم أبتسم له، كان ينظر إليّ ماسحًا دموعه! في بيتي عندما عدت من السجن، كانت القذيفة قد صارت قذائف، والصبّار على الطاولة لم يقوَ على الصبر فمات، وأصيص فارغ كان لا يزال يطلّ مكرهًا من شبّاك مطبخي على شرفة جاري الجميل! أمّا هنا فإلى يمين شرفتي توجد حديقة للأطفال، تملأ أصواتهم الحارة، ومن جهة أخرى، تطلّ على (ترّاس) الجيران في البناية المقابلة. في الصيف كان الترّاس يضجّ بالحياة، ومن على شرفتي، بينما كنت أسقي الورود، كنت أراقب جاري وهو يهتم بأصص وروده أيضًا، وبالشجيرتين الصغيرتين في الزاوية،  كنا نتبادل التحيّة، فيقول مبتسمًا: نهارك جميل! وأرد عليه: نهارك سعيد! في المساء، كنت أجلس على شرفتي، ويجلس هو على ترّاسه، ونرفع نخبيْنا. ولّى الخريف وحضر الشتاء، لم يعد جاري يخرج إلى الترّاس، وأنا كذلك لم أعد أجلس على الشرفة، لكنني مازلت أقف كلّ يوم وراء الباب الزجاجي، أنظر إلى التراس والشرفة الكئيبين، بعد أن قتل ...

أكمل القراءة »