الرئيسية » أرشيف الوسم : كعك العيد

أرشيف الوسم : كعك العيد

عن الصورة النمطية وأقراص العيد

نيرمينة الرفاعي   لم يكن يهمُّ جدتي البوسنية قبل أربعين عامًا؛ ما جنسية الشاب الذي تعرفتْ عليه أمي، كان بنظرها عربيًا لا يختلف بشيء عن ملايين العرب الذين تسمع عنهم عبر شاشات التلفاز الأبيض والأسود، أمّا جدتي لأبي فهي أيضًا لم تكن ترى في أمّي سوى المرأة الأجنبية التي لا تعلمُ ما هي “قراص العيد” وترفض تناول الفول والحمّص، يقول تشارلز كولي إن الذات الإنسانية هي نتاج اجتماعي، أي أنَّها تتشكل وتنمو بالتفاعل مع الآخرين، ولهذا تصبحُ لاستجابة الآخرين أهمية كبرى في تصوّر الطفل لنفسه، وبالتالي يبدأ بتخزين المعرفة التراكمية في ذاكرته على مدى السنين ويتصرفُ تلقائيًا ضمن إطارها بحيث يشعر بالانسجام مع محيطه الاجتماعي. هذا الكلام يعني ببساطة أنَّ كلا والديّ حين التقيا، كانا مبرمجين بشكلٍ ما لتقبّل الآخر ضمن إطاره المعرفي الضيّق، الذي اتسعت عيناه دهشة حين اكتشف أنَّ للعالم أبعادًا أخرى أكثر امتدادًا من الانسجام الظاهري الذي يطفو على سطح المجتمع الواحد. لقد كان من البديهي لجدّتي أن تعتقد أنَّ أبي لا يمكن إلّا أن يكون أسمرَ، والمضحك في الأمر أنَّه قد طابق توقعاتها ولم يرث بشرة أبيه أو عينيه الزرقاوين كصفحة السماء، بل توافق تمامًا مع الصورة التي كانت تتنظرها حماته. كما أنَّ أمّي لم تخيّب أمل حماتها أيضًا، بل التزمت طوال السنين بنظرية جهلها بأقراص العيد وادعائها بأنَّها تراها لأوّل مرّة. كانت طبيعة المشكلات التي نتجت عن هذه الاختلافات مضحكة على المستوى العائلي البسيط، ولا أنكرُ أنني استغليتها وفقًا لمصالحي الشخصية، فقد كنتُ أزيح الصحون جانبًا ممتعضة أمام أمّي، ومؤكدةً لها بأنَّ خياراتها في الطعام أفضل بكثير من خيارات زوجها، ثم أذهبُ إلى الغرفة الأخرى وأثني على ذوق أبي الموسيقي، وأقلّد معه رقص صباح فخري حين يبدأ بالدوران حول نفسه. ثم بادرت الأيام إلى توضيح بعض الحقائق حيث تبيّن لأمّي بمرور الوقت أنَّ العديد من صديقاتها اليوغوسلافيات يستمتعن بطريقة الحياة العربية بكل تفاصيلها، ثم كانت دهشة أمّها حينَ أتت إلى الأردن في أول زيارة لها ...

أكمل القراءة »