الرئيسية » أرشيف الوسم : شخصية العدد

أرشيف الوسم : شخصية العدد

شخصية العدد: مارسيل بروست.. في البحث عن الزمن المفقود

أحد أساطير الأدب الفرنسي، وُصف بأنه شخص رقيق وذكي بأحاسيس مرهفة، كان محبوب الصالونات الأدبية الباريسية قبل أن يتمكن منه مرض الربو ليغدو عاجزاً مدة طويلة في فراشه، ولينسحب تدريجياً من صالونات الجمهورية الثالثة ولا يخرج إلا ليلاً من بيته، بسبب تحسسه من الضوء ومن العتمة والغبار. ولذلك غرفته كانت كاتمة للصوت بحرارة عالية. ولد “مارسيل بروست” لأب كان طبيباً معروفاً ومدرساً للصحة العامة في جامعة باريس، ولأم يهودية مثقفة وميسورة الحال سنة 1871. وخلال مرضه كتب أفضل أعماله، وهي روايته الطويلة: “البحث عن الزمن المفقود”، التي ظهرت بعد خمس سنوات من وفاته في ستة عشر مجلداً (1913-1927). في تلك الرواية أبدع “بروست” عملاً أخلاقياً رفيعاً وأصيلاً، أعطى صورة عن المجتمع المنحل، وأماط اللثام عن قيم المجتمع الراقي آنذاك المليئة بالغش والاحتيال. في روايته تلك يجعلنا ندرك عظمة قيم وأفكار كبيرة كالحب والفن، وقد أراد، كما يوحي العنوان، أن يكتب الماضي الضائع كأنه يستعاد بالنسبة لنا، وذلك في الخلود الذي يخلقه الفن. بروست كان مشغولاً بالزمن كحقيقة موجودة باستمرار، مادامت ذاكرة الكاتب تستطيع العودة للماضي وتستلهم منه دون اعتبارٍ للتسلسل الزمني أو للزمن الميكانيكي. ينبش من تراثه الشخصي وخبراته ومعاناته، رغم أنه رفض أن تكون الرواية سيرة ذاتية له، بل قال جملته الشهيرة بأنه استعار ابتسامة شخص وحاجب شخص آخر ليخلق شخصيات روائية من مزيج إنساني كبير. هذه الطريقة في تحويل ما بدا ضائعاً إلى شيء حقيقي موضح في مثال في الفقرة الشهيرة من الجزء الأول في الرواية، والتي تدور حول فنجان الشاي وقطعة الكعك، حيث يثير مذاق الكعك المغمّس بالشاي إحساساً لدى الكاتب بسعادة غامرة. مما يثير فيه سلسلة معقدة من العواطف تقود إلى اكتشاف الخبرة الحسية التي هي زناد يوقظ ما يسمى “الذاكرة اللاإرادية”. اسم هذا الجزء “طريق الوزة” وقد نشره على حسابه بعد رفضه من ناشرين عديدين. أما الجزء “في غابة من الأزهار” 1918 فقد حاز على جائزة كونكورد الفرنسية الشهيرة التي حققت الشهرة لذلك الناسك.    ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: الكاتبة الإنكليزية “جورج إليوت” – كتابة النساء في زمن أسماء الذكورة

“جورج إليوت” هو الاسم المستعار للرواية الإنكليزية “ماري آن إيفان”، التي ولدت في العام 1819 في الريف الإنكليزي، وتربت في أسرة منهجية صارمة في زمن لم يكن من السهل على النساء أن يكتبن بأسمائهن الصريحة أو يدخلن عالم الفنون بحرية. لذلك فقد اضطرت “ماري آن” إلى استخدام هذا الاسم المستعار لرجل لتذيّل به كتاباتها، فقد أرادت ان تكون واثقة من أن تؤخذ أعمالها محمل الجد وألا يعتبرها أحد كاتبة رومنسية لمجرد أنها امرأة، على حدّ تعبيرها. لكن كتاباتها ساهمت في تطور الرواية الإنكليزية بسبب محاولاتها الواعية للواقعية في رسم الشخصيات والمجتمعات. فكانت ذات مقدرة على تحليل الاعتماد المتبادل بين الناس في المجتمعات المحدودة والمقيدة، ومعالجة الآثار المعقدة التي يتركها هذا المناخ الاجتماعي عليهم وعلى تقييم دوافعهم.     لم تعد التربية الدينية الأرثوذكسية الصارمة تستهوي “ماري آن إيفان” وهي في العشرينيات من عمرها، فكانت من الأوائل في عصرها الذين انفتحوا على المواقف العلمية التي تتطلّب عقلاً ذكياً وموضوعية لا تكتنف عليها معظم الإيديولوجيات الدينية. ونظراً لأهمية موقع والدها في المدينة سُمح لها بالدخول إلى مكتبة المدينة مما ساعدها على تطوير قدراتها وثقافتها، ولكنها لم تفقد حسّها الأخلاقي الأمر الذي يبدو واضحاً في كتاباتها، فالإحساس المتجذّر بعمق في شخصيتها والذي يعظ بالتسليم للواجب وإدراك مبدأ العقاب لا يغيب عن رواياتها. حتى ان أسلوبها في كثير من الأحيان بدا أقرب إلى دروس في الأخلاق وعلم النفس، الأمر الذي عمل على إبطاء القصة، مع ذلك فإنها تعتبر من الكتاب الأوائل في الرواية الاجتماعية النفسية والذين غيّروا وطوّروا كثيراً في الرواية الإنكليزية. بدأت محاولاتها الأدبية العام 1846 بترجمة لديفيد شتراوس “حياة المسيح”، وعملت محرّرة مساعدة في جريدة ويست منستر1851 لمدة ثلاث سنوات، لكن كل كتاباتها كان تنشر باسم مالك الجريدة “جون تشابمان”. وقد عاشت “ماري آن” مع الناقد “جورج هنري لويس”، الذي لم يكن قادراً على طلاق زوجته، بدون زواجن الأمر الذي لم يكن مألوفاً في ذلك الوقت. في رواياتها الثلاث الأولى تتحدث عن المناطق الريفية ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: د.ه. لورنس D. H. Lawrence”: حين كان التمرّد جريمة

  هو ديفيد هيربرت لورنس، روائي إنكليزي رومانسي، شاعر وكاتب مسرحي وناقد أدبي ورسام، مبدع مثير للجدل ولد العام 1885 واشتهر بكتابته الصادمة التي تتناول صراعات الجسد والروح والتي تهاجم الأخلاق الفيكتورية المتزمتة وتتحدث في المحرمات الطبقية في الفترة التي تلت عهد إدوارد في إنكلترا. رواياته التي تحفل بالتماسك العاطفي والمزاجية والصراحة الجنسية تتحدّث عن أولوية الدوافع الأساسية لدى الإنسان، وسلامة ما يسمى بالحياة الطبيعية للبشر، فشخصيات لورانس تبشّر بـ”الإنسان الطبيعي” في عالم ما بعد الحرب، وتحمل قوة إحساس كبيرة ميزته عن الكتاب المبشرين والتربويين. يمكننا أن نفهم ذلك إذا علمنا بأنه كان ابن عامل في مناجم الفحم، حطّم الحواجز الطبقية القاسية في تلك الفترة والتي كانت تعطي ميزات التعليم والتأثير لعلية القوم، فتعلّم بنفسه! الأمر الذي تكلّم عنه في كتبه الأولى كـ”الطاووس الأبيض” 1911 و”أبناء وعاشقون” 1913 حيث يصف قرية في مناجم الفحم حيث عاش! منعت روايته “قوس قزح” العام 1915 من التداول، وكذلك روايته الشهيرة “عشيق الليدي تشارلي” التي صدرت بطبعة مختصرة 1928 ولم يظهر نصها الكامل إلا العام 1959 في الولايات المتحدة الأميركية، وأثارت وقتها ضجة كبيرة أدت إلى محاكمة قضائية طالت دار بنغوين التي قامت بنشرها، بعد ثلاثين عاماً من وفاة كاتبها! فالحرية التي امتازت بها الرواية، كما معظم كتاباته، لم تكن تقصد الإباحية بل سبر الحياة الزوجية بكل ما فيها، ونقد المجتمع الصناعي الذي شلّ قدرة الإنسان على إقامة علاقات حسية حقيقية، تماماً كما انشلّ اللورد كليفورد في الرواية إثر إصابته في الحرب العالمية الأولى، وجعلت العواطف الجياشة في قلب وجسد زوجته إلى إقامة علاقة عاطفية مع حارس الغابة الذي يعمل لدى اللورد زوجها لتبدأ معه حياتها الجديدة. كان لورنس مصاباً بالسل، الأمر الذي جعله يسافر كثيراً باحثاً عن الصحة، ومدفوعاً بفيض أحاسيسه، قبل أن يتوفى العام 1930. روايته “نساء في الحب” 1921 من بين أفضل رواياته وكذلك “الكنغر” 1923. ومن خلال تأكيده على “البدائية” دمج عناصر مدمرة وعنيفة في نصوصه، وذكر الكلمات الشفاهية الصادمة ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد 34: آرثر رامبو – الانعتاق والنهايات القصوى

رغم أنه اعتزل الأدب قبل أن يتمّ الحادية والعشرين من عمره، إلا أن الشاعر الفرنسي “آرثر رامبو”، وبالفرنسية Arthur Rimbaud، الذي اعتبر مبشراً بالرمزية والسريالية، مازال حتى اليوم من أكثر الشعراء تأثيراً على الأجيال الشعرية الحديثة. حتى أن “فيكتور هيجو” وصفه وقتذاك بـ”طفل شكسبير”، وقال عنه “هنـري ميلـر” لاحقاً ما يلخّصه: “كان رامبـو ذئبـاً مستوحـداً”. ذلك الفتى العنيد، بالغ الذكاء والموهبة، ترك بيت أهله بمنطقة شارلفيل الريفية وهو في الخامسة عشر، بعد أن هجر والده العسكري البيت تاركاً الأم مع أربعة أطفال، وربما هرب “رامبو” وقتها من أغلال التربية الكاثوليكية الصارمة ليعيش حياة مكثّفة من التشرّد! فبعد أن تلقى دعوة من الشاعر الفرنسي “بول فيرلين”، لكي يمضي الوقت بصحبته في العاصمة باريس لتعلم قواعد الكتابة الشعرية، قضى سنوات قصيرة في الكتابة ثم هجرها بدون رجعة، كما هجر عيشه مع “فيرلين” إثر خلاف حاد بينهما. سنوات قصيرة أنتج فيها ما غيّر وجه الشعر الأوروبي، ثم راح ليعيش مغامراته بعيداً عن فرنسا والكتابة، فسافر إلى أميركا وألمانيا وجزر الهند الشرقية، ثم إلى مصر لينتهي به الأمر تاجر سلاح وعبيد في أثيوبيا/الحبشة. وتوفي “آرثر رامبو” أخيراً في مرسيليا العام 1891 وهو لم يبلغ السابعة والثلاثين بعد إصابته بمرض عضال. العمل الوحيد الذي نشره “رامبو” بنفسه كان كتابه “فصل من الجحيم” العام 1873، وهو أشبه بسيرة ذاتية نفسية، وفي العام 1886 نُشر كتابه “إشراقات” الذي يتألف من قصائد شعرية ونثرية كانت إحدى أساسات قصيدة النثر. اتبع “رامبو” مبدأً جمالياً يرى الشاعر رائياً، ويتخلّص من القيود والضوابط الشخصية، وبالتالي يصبح الشاعر الحر أداة لصوت الأبدية .كما أنه أبدع أسلوباً يعكس الإحساس المباشر للحلم السوداوي، والرؤى والتهيوءات، لقد كوّن عالماً هائلاً من الخيال، بتعابير مقتضبة وأسلوب شعري معقّد، لم يكن دارجاً وقتها، وكلمات حرة خارجة عن المألوف والأخلاق السائدة. فأتت قصائده الفوضوية بألفاظها الصادمة بمثابة نبوءة لشكل جديد حرّ من الشعر، بل يمكننا أن نقول كانت خطًا فاصلاً في تاريخ الشعر ساهمت بنقل الشعر الفرنسي إلى العالمية! ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche: الفيلسوف الإشكالي

أقل ما يمكن قوله عن الفيلسوف الألماني المعروف “فريدريك نيتشه” إنه كان فيلسوفاً إشكالياً في زمانه، حمل شخصية بالغة التعقيد وهاجم مجموعة من الأفكار المكرسة والقيم والمثل في زمانه كالأخلاق التقليدية، المرأة، التعاطف مع الضعفاء والعاجزين، العقلانية، والسلطة الدينية للكنيسة. حتى أن أتباع هتلر والنازية كانوا يعتبرونه ملهماً لهم على الرغم من أنه توفي في العام 1900، وعلى الرغم من أنه كان معادياً للنزعة القومية للإمبراطورية الألمانية. لكن الأمر يتعلّق بصعوبة فهم “نيتشه” وفلسفته، فهو كثيراً ما عبّر عن أفكاره المثيرة والخطيرة بقصد خلخلة الوعي السائد وهزّ المجتمع القاسي والمغلق في تلك الحقبة التاريخية، فانتقد  الفلسفة الكانطية والهيغلية، ورفض المثالية الأفلاطونية وكل ما يتعلّق بالميتافيزيقيا بشكل عام، كما دعا إلى تبني قيم أخلاقية جديدة في المجتمع الأوروبي. في بدايات مسيرته كان “نيتشه” شاباً متميزاً، تخصّص في علوم الفلسفة الكلاسيكية في جامعتي بون ولايبزغ الألمانيتين على الرغم من ميوله الموسيقية واللاهوتية، وأصبح أستاذاً لليونانية في جامعة بازل العام 1869 وهو لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره. ظهرت كتاباته البدئية قبل ذلك بوقت قصير حين أثارت أعمال الفيلسوف “آرثر شوبنهاور” إعجابه وانغمس في قراءتها، وقد اعترف فيما بعد بأنه مدين بصحوته الفلسفية لكتاب شوبنهاور: “العالم كإرادة وتصور”. يعزو الكثير من الباحثين شخصية “نيتشه” التي تبدّلت وتطورت مع تطوّر أفكاره المختلفة إلى تربيته الدينية الأسرية، فأجداده من جهة أبيه وأمه كانوا ينتمون إلى الكنيسة البروتستانتية منذ حركة الإصلاح قبل ثلاث قرون من وقتها، وكان العديد من أفراد أسرته قساوسة، ومنهم أبوه القس اللوثري الذي توفي حين كان “فريديك نيتشه” في الخامسة من عمره، ليترعرع في بيت مليء بالنساء ثم يخوض غمار تعليمه في مدرسة خاصة. في كتابه “آراء مجردة” 1876 ينتقد غرور الدولة البسماركية الجديدة ويتناول أضرارها، أما كتابه “هكذا تكلم زرادشت” 1883-1892 فيعتبر من أهم كتبه وهو سلسلة مقولات نثرية لنبي وهمي، وبعد سنوات قليلة من إصدار كتابه “ما وراء الخير والشر” في العام 1886 عانى “نيتشه” من انهيار عقلي لم يشف منه بقية حياته على الرغم من أن ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد 32: الأخوات برونتي.. سيرة حياة وموت غامضة!

تبقى قصة الأخوات الثلاث “برونتي” قصة غريبة وملهمة للكثير إلى اليوم. فقد كنّ ثلاث أخوات مبدعات، كتبن روايات بقيت حتى اللحظة من أعلام الأدب الإنكليزي في الحقبة الفكتورية، لكنهم عشن في عزلة وتوفين في أعمار صغيرة نسبياً. فقد تربت الأخوات في كنف والدهن “باتريك برونتي” وقد كان راعياً في الكنيسة الإنجليزية ومهووساً بالكتابة والثقافة، وقد نشأن بعد وفاة أمهن المبكرة مع خادم عجوز في قرية بعيدة في سبخات يوركشاير في شمال شرق إنكلترا. وعلى الرغم من التربية الدينية فإن هذا لم يؤثر على كتاباتهن المتحررة من أي ملمح ديني، ولكن لأساليب والدهن المختلفة والحرة في التعليم وتثقيف أولاده دور كبير في تنمية مواهبهن، الأمر الذي جعلهن عاجزات عن الاختلاط الاجتماعي بمجتمع وجدنه مغلقاً وفقيراً بالإبداع، والاكتفاء بحياتهن الغنية بالقراءة والكتابة والموسيقا والفنون في البيت وفي تفاصيل الطبيعة المحيطة الغنية. “شارلوت برونتي” هي الأخت الكبرى بين الأخوات الثلاث، توفيت عن عمر 37 عاماً بعد أعوام قليلة من كتابة روايتها الشهيرة: “جين إير” في العام1847  باسم مستعار هو: “كيور بيل”، فلم يكن معتاداً على النساء في ذلك الوقت الكتابة بأسمائهن الصريحة. يمكن اعتبار الرواية من أوائل الروايات المعاصرة فهي تتحدث عن حياة امرأة عادية بسيطة لكنها متمردة متحررة في التعبير عن مشاعرها وفي عيش تلك المشاعر. كما تناقش الرواية الظلم الاجتماعي المتجسّد في أحداث حياة جين المأساوية، والتي فيها من تجربة “شارلوت” في مدرسة الكنيسة الصارمة الكثير. أما “إيميلي برونتي” فقد نشرت رائعتها: “مرتفعات وذيرينغ” في العام الذي نشرت أختها فيه روايتها 1847 وكذلك باسم مستعار هو: “ايليس بيل”. وقد صدمت الرواية المشهد الثقافي في تلك الحقبة الفيكتورية، وتحدث النقاد عنها طويلاً، حتى أن أحدهم وصف كاتبها بأنه (ذو مواهب غير عادية، لكنه وغد ووحشي ومكتئب)، فهي تحكي عن العشق الجارف الذي يصل إلى حدّ تدمير الحبيبين: “كاثرين” و”هيثكليف”، كما تدمير المحيطين بهما. وقد توفيت “إيميلي” بعد سنة من ذلك عن عمر 30 عاماً. الشقيقة الأصغر “آن برونتي” والتي توفيت عن عمر 29 عاماً كتبت روايتين هما: “أغنيس ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: يوهان فولفغانغ غوته Johann Wolfgang von Goethe

لقّب بـ”عبقري العالم” الشاعر والمسرحي والروائي والناقد والعالم الألماني. ولد في فرانكفورت العام 1749 ومكّنه انتماؤه للطبقة الوسطى الميسورة من تلقي تعليم ممتاز في سن مبكرة. تأثر بالمسرح الفرنسي الكلاسيكي في محاولاته المسرحية الأولى، إلا أنه سرعان ما تأثر بأستاذه “هيردر” حين كان يكمل دراسة القانون في جامعة ستراسبورغ العام 1770-1771، حيث كان “هيردر” يقود ثورة ضد الأدب المصطنع للكلاسيكية الجديدة. مارس “غوته” القانون بشكل متقطّع في مسقط رأسه خلال سنوات خمس، لكن نشاطه الحقيقي كان موجهاً لبناء شهرة أدبية. بدأ حياته الأدبية بأعمال غير هامة، لكنه بدأ بكتابة روايته الشهيرة “فاوست” العام 1771 لينشرها بجزأيها الأول 1808 والثاني 1832 بعد ذلك بحوالي ستين عاماً. في العام 1773 نشر مسرحيته “غوتزفون بيرليشن جن” التي تتحدّث عن رجل نبيل في العصور الوسطى وقف مع الفلاحين في ثورة فاشلة. اعتبرت من أنجح الأعمال الأدبية في فترة ظهورها، فقد كرّست قيم الحرية وابتعدت عن الشكل التقليدي. أعقبتها رواية لا تقلّ نجاحاً وهي “آلام فيرتر” 1774، رواية عاطفية أبكت أوروبا آنذاك، وتتحدّث عن شاب فقد عقله بسبب الحب، وهي كمعظم أعماله جزء من تجربة عاطفية لغوته، فقد اعترف بأن كل أعماله هي (أجزاء من اعتراف كبير). بعد أن دعاه دوق فايمر “كارل أوغست” 1775 إلى دوقيته الصغيرة، التي كانت تعدّ العاصمة الثقافية لألمانيا، تسلّم “غوته” لمدة عشر سنوات مهام إدارية متنوعة قلّلت من إنتاجه الأدبي، في نهايتها قرّر الخروج والقيام برحلة إلى إيطاليا دوّن بعدها كتابه: “الرحلة الإيطالية” 1816- 1817. بعد ذلك لم تكن حياته حافلة بالأحداث. لكنه ظلّ يدير المسرح الملكي لأكثر من ربع قرن. في العام 1794 بدأت بينه وبين المسرحي المعروف “شيلر” صداقة قوية حتى وفاة الثاني العام 1805. كانت تلك الصداقة حديث العصر لأن “غوته” كان محروماً من الصداقات الحقيقية التي تقوم بين ندّين. فقد اعتبره معاصروه “كجبل الأوليمب” ينظر إلى الآخرين من الأعلى. نعى غوته صديقه قائلاً: “فقدت نصف حياتي”. لكن بعد سنوات قليلة 1816 تزوّج حبيبته “كريستين فولبيوس” ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: كارل غوستاف يونغ Carl Jung

على الرغم من أنه بدأ مسيرة نجاحه تلميذاً لـ “سيغموند فرويد”، إلا أن عالم النفس السويسري “كارل غوستاف يونغ” انفصل عن الأخير بعد سنوات قليلة من العمل معه، بل وناقضه، ليؤسس وحده علماً جديداً سمي: “علم النفس التحليلي” أكّد يونغ في “علم النفس التحليلي” على العلاقة المتينة بين الوعي واللاوعي، وصولاً إلى النظرية التي طوّرها بنفسه وهي نظرية “اللاوعي الجمعي”، الموجود إلى جانب اللاوعي الفردي في داخل كل الإنسان. اللاوعي الفردي هو نتيجة لخبرات الفرد، أما اللاوعي الجمعي فهو خزّان خبرات البشرية جمعاء. وقد قسّم “يونغ” الطاقة النفسية إلى اتجاهين: الانبساطي والانطوائي، وهما اتجاهان موجودان في داخل كل إنسان أيضاً ولكن بدرجات متفاوتة. الخلاف الأساسي الذي نشب بين “يونغ” و”فرويد” هو تأكيد الأخير على مركزية الدافع الجنسي، في حين رأى “يونغ” أن الصراعات الآنية في الإنسان أكثر أهمية وفائدة في فهمه، على الرغم من أنه استخدم مصطلح “اللبيدو” لكن لم يقصد الطاقة الجنسية فحسب، كما فعل فرويد، بل قصد طاقة الدوافع النفسية الكلية. ولد “كارل يونغ” عام ١٨٧٥ في كيسفيل بسويسرا، ودرس الطب في مدينة بازل حيث بدأ حياته العملية عام 1900 طبيباً مساعداً في مستشفى الأمراض العقلية في زوريخ. تنشئته الدينية الأنكليكانية وقراءاته الفلسفية المبكرة وذهابه في عوالم الروحانيات جعلته ينهوس بعلم النفس، حتى أنه خرج بمنهج بحثي جديد حين كان يقوم بأبحاثه في فرنسا، وهو لم يبلغ بعد عامه الثلاثين، عُرف باسم: “اختبارات التداعي”  Association tests مازال يستخدم حتى اليوم في العلاجات النفسية. كوّنت دراسة الخرافة حيّزاً مهماً في نظرية “يونغ”، حيث أكّد على النماذج الأصلية للثقافات، كما درس التشابهات الثقافية بين الشعوب. فالماندالا مثلاً، وهي كلمة سنسكريتية معناها: الدائرة السحرية، كانت موضع بحث لدى “يونغ”، حين رأى أن تركيبها الدائري يرمز للذات، وهي محصلة كلية للفرد تشتمل على الوعي واللاوعي وكل ما له معنى أو هدف يسعى لتحقيقه. درس “يونغ” كذلك “البرسونا” أو “القناع”، وهو مصطلح يوناني قديم استخدمه ليصف به الوجه المزيّف الذي يُظهره الإنسان في محيطه الاجتماعي، وكيف يتعلّق بوضعه ووظيفته وجنسيته. أما عن الحلم ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: هانس كريستيان أندرسن

من منّا لم يقرأ أو يسمع في طفولته، من جدته أو أمه، قصة حورية البحر الصغيرة، أو بائعة الكبريت، عقلة الإصبع، البطة القبيحة، ثياب الامبراطور الجديدة، القداحة العجيبة وغيرها الكثير من القصص الخلابة التي شكّلت جزءاً من وعينا الطفولي ومن قيمنا التي استمرت فينا حتى اليوم. حتى أن الكثير من أخلاقنا الإنسانية كالعدل والمساواة والحب والشجاعة وغيرها تحمل مرجعيات تتعلّق بتلك القصص القديمة. الكثير منا يعتقد بأن هذه الحكايات هي جزء من القصص الخرافية والتراثية، ولكن لا، لكل هذه القصص مؤلف واحد هو الشاعر والكاتب الدنماركي “هانس كريستيان أندرسن” الذي ولد في أودنسه في 2 إبريل من العام 1805. تأثر “هانس كريستيان أندرسن” في طفولته المبكرة بحكايات أمه، التي كانت تعمل غسّالة لملابس الأثرياء، والتي كانت تقصّ الخيال عليه وكأنه حقائق. وعلى الرغم من فقر العائلة، التي كان يعمل الوالد فيها كإسكافي، فقد حاولت أن ترعى موهبة قصّ الحكايات التي تبدت عند “أندرسن” الطفل منذ وقت مبكر. هو الذي كان يصنع الدمى من الخشب والقماش، ويقيم مسرحيات في زاوية بيته المتواضع للغاية، ويحفظ مسرحيات كاملة عن ظهر قلب، كمسرحيات شكسبير وسوفوكليس وغيرهما من عمالقة المسرح الأوروبي آنذاك. حين سُئل “أندرسن” مرة عن تفاصيل سيرة حياته قال: “إقرؤوا قصة البط القبيح”، ذاك الذي يضطهده البط لأنه لا يشبههم، فإذا به فرخ بجعة بيضاء خلابة. وهذا ما كان عليه وضع “أندرسن” في الدراسة، حيث كان غير ناجح وغير محبوب من قبل بقية الطلاب، وعانى كثيراً في دراسته الجامعية حتى العام 1833 عندما نال منحة صغيرة من الملك للسفر وليقوم بأول أسفاره الطويلة في أوروبا حتى وصل روما في العام 1834. أمل “أندرسن” أن يكون شاعراً ومسرحياً مهماً، إلا أن أهميته وشهرته كانت حقيقة في قصص الأطفال، فأول كتاب قام بكتابته هو كتاب “عن قصص الحوريات” ونشره في العام 1835، وقد لاقي نجاحاً باهراً لتتوالى قصصه المتميزة للأطفال، وكان غزير الإنتاج يكتب في كل عام كتاباً جديداً واستمر على هذا حتى العام 1872 حين أصيب بحادث خطير أقعده ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد – فرجينيا وولف: حين تركض برأسك مواجهاً الحائط

في نهاية هذا الشهر آذار/ مارس ستكون الذكرى 77 لانتحار الروائية والكاتبة البريطانية “فرجينيا وولف Virginia Woolf”، وذلك حين ملأت جيوب ثوبها بالحجارة وأغرقت نفسها في نهر أوز بالقرب من مسكنها في بلدة ساكس، بعد أول قصف طال مدينة لندن في الحرب العالمية الثانية 1941. تعتبر “وولف” من بين أشهر روائيي تيار الوعي، ذاك التيار الأدبي الذي يسرد القصص بتعاقب غير مستمر وبقفز بين الصور والأفكار عبر التدفق الداخلي للشخصية وعلى مستوى وعيها الداخلي، وهو الأسلوب نفسه الذي اتبعه بروست وجويس وفولكنر، ولكن كان لـ”فرجينيا وولف” أسلوبها وتكنيكها الخاص والمميّز مرهف الحسّ، حيث صوّرت العالم الداخلي للشخصيات بأدوات شعرية، وعمّقت الحوارات الداخلية وتحدّثت عن “المسجونين” داخل وعيهم منذ الولادة وحتى الموت، بتفسير مركّب للحالات النفسية العميقة. ـ”وولف” كانت تدع الشيء الذي تتكلّم عنه ثابتاً، وتجعل العقل يدور حوله في حركة متقطعة، منهج أقرب إلى التحليل النفسي مع فرق واحد بينه وبين التحليل وهو أن شخصياتها الروائية كانت تحمل داخلها المشكلة والمعالج معاً. كانت “فرجينيا” وزوجها “ليونارد وولف” عضوان مؤسسان في مجموعة “بلوم سبيري” الثقافية الشهيرة، والتي تأسست في العام 1906 وازدهر نشاطها فيما بين الحربين العالميتين. وقد عُنيت تلك المجموعة البريطانية بالفنون والآداب فشرحت وعمّمت مفاهيم الانطباعيين، وخاضت تجارب نقدية تجريبية في عالم الرواية. كما أسس الزوجان دار نشر شخصية باسم “مطبعة هوجارت”، أصبحت فيما بعد مؤسسة ثقافية مزدهرة نشرت الأعمال الأولى لـ “ت.س.إليوت” وجلبت أعمال “سيغموند فرويد” إلى إنكلترا. وفي الدار ذاتها نشر الزوج مذكرات “فرجينيا وولف” بعد وفاتها. في كتابها “غرفة تخصّ المرء وحده” عمّقت “وولف” رؤيتها النسوية قائلة: “معظم المنجز الأدبي كتبه رجال انطلاقاً من احتياجاتهم الشخصية ومن أجل استهلاكهم الشخصي”، وفي مكان آخر من الكتاب تقول: “الرجل لا يرى المرأة إلا في أحمر العاطفة لا في أبيض الحقيقة”. فهي ترى بأن “العقل العظيم هو عقل لا يحمل نوعاً، فإذا ما تم الانصهار النوعي يغدو العقل في ذروة خصوبته ويشحذ كافة طاقاته”، فـ “العقل تام الذكورية لا ...

أكمل القراءة »