الرئيسية » أرشيف الوسم : شتيفان ميليش

أرشيف الوسم : شتيفان ميليش

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج3 والأخير

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن يمكن للخسارة بالطبع أن تخلق شيئاً جديداً، بمعنى أن يتحوّل الفراغ والفقد الذي يعيشه المنفي إلى شرطين ومطلبين أساسيين لبدء مشروع جديد، فيُملأ الفراغ بالحياة، والفقد بالبناء والعلاقات والقصص والخبرات الجديدة. لذلك فإن إعادة خلق المعنى المفقود أمر ضروري جداً، هذا يعني أن الكتابة وجميع عمليات وأشكال إنتاج المعنى تنوجد حين يكون معنى الحياة والعالم مهدّد للغاية، تماماً كما يحدث في المنافي، كأنها تترسّخ لتغدو أقرب إلى موارد قيمة أو مصادر حيوية للحياة. مع ذلك ثمة حقيقة تبدو أقرب إلى عزاء صغير، فخسارة المنفي، كما عبّر “إدوارد سعيد” بوضوح كتابه “في تأملات حول المنفى”، تبقى غير قابلة للتعويض، الأمر الذي يطرح أمامي معضلة غير قابلة للحل، فمن ناحية أعتقد أن الواقع الحقيقي مهم أكثر من أي فن، ومن ناحية أخرى فالواقع الافتراضي هو ما يمكن أن يعطيك القوة حين تتفاعل ثانية مع الواقع الاجتماعي الحقيقي. ومع ذلك أعتقد أن ليس علينا محاربة أي شيء بقدر ما علينا محاربة (الواقع الصناعي) واستبداله وتغييره! وعلى البشر حول العالم أن يتّحدوا لأجل ذلك، فكل شيء حقيقي ومهم اليوم مهدّد بالاستعاضة عنه بالافتراضي والصناعي بدل الواقعية المحيطة، حيث ينشغل الأطفال يومياً بها ولساعات طويلة وهم عائدون إلى بيوتهم التي لم تعد موجودة! تبدو جهود وزارات الأوطان المشكّلة حديثاً، أو وكلائها، مثيرة للسخرية بل ومحزنة، كما قال شاعر عراقي قبل بضع سنوات: “أن تملك وطناً فهذا يعني كثيراً من سوء الحظ، وألّا تملك وطناً فهذا يعني الكثير من سوء الحظ كذلك”. يبدو من العبث حقيقة التحدث بأمور مشابهة من موقعي كألماني غربي مشبع بالرفاهية، ومع ذلك من المهم أن تتضافر وجهات النظر المختلفة والقصص معاً، بمعنى أن نضع قصصنا ضد التفرقة لفهم هذا العالم بشكل أفضل، ولنقترب خطوة أكثر من بعضنا. ربما هي آثار الماضي غير الواعية التي تؤثر على واقعك المباشر دون أن تكون جزءاً حقيقياً منه، كحقيقة أن أجدادي مثلاً كان عليهم أن يغادروا ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن   لكن هناك بالتأكيد الكثير من الوظائف والمهام الأخرى للأدب العربي: فهو يستطيع نقل عبث وبشاعة تجربة الواقع لغوياً، ويعيد إحياء الحقيقة بابتذالها وشذوذها في اللغة. كما يستطيع استخدام تجربة الظلم الخاصة بالكاتب كفرصة ليعكس تجارب الظلم الأخرى التي عاشها الآخرون. ويمكن أن يكون الشعر كمنولوجات داخلية أو كحوار، أي يدور حول الذات أو يحتفل بالحوار وتعدّد الأصوات. أفكر كيف كان كل من “بول سيلان” و”كمال سبتي” مثلاً منشغلاً بتعاسته ومأساته الخاصة، في حين كان ثمة شعراء آخرون كـ”محمود درويش” و”إنجبورغ باخمان”، فكّروا بالآخرين وبالضحايا الغرباء، ربما لأنهم كانوا مميزين بطريقة ما، وبالتالي تمكّنوا من اختراق المونولوجات أكثر من غيرهم، أو على الأقل بطريقة خاصة بهم، باتجاه الحوار وتعدّد الأصوات. في نهاية الأمر، يعيش الأدب أيضاً بعد الهرب عبر التخييل وقدرة اجتراحه والرغبات والأمنيات، بغية الفرار من قيود الواقع الضاغطة الصادمة والمليئة بالخسارة، ليواجهه وليضع نقاط علام جديدة لعالم آت أفضل. ربما كان التخييل هو الكنز الأكثر حيوية وقيمة، حينما لا يتحوّل على المدى البعيد إلى هروب ثانٍ، وحين لا يقود المرء للخروج من الواقع تماماً. لذلك من غير المسموح للأدب أن يتخلى عن الخيال، سواء لأدب السوريين اليوم، اليمنيين، الأفغان، والكونغوليين وغيرهم. ولكن هل يوجد بالعموم أدب للكبار يرقى إلى مستوى هذا الادعاء؟ حيث يجب عليه بالإضافة إلى سرد الفظاعات أن يمتلك قدرة التخييل وموهبة الحالمين بمستقبل أفضل، والتي تصبح واضحة في ظروف الحياة الجديدة والجيدة. وإلا لن يبقى إلا أدب الأطفال، الذي نستطيع فيه، نحن الكبار، أن ندنو من المستحيلات (كما يطلق عليها أبرز شعراء الحداثة العرب): الوطن، البيت، الجمال، الحب، والصداقة، بطريقة فورية وبسيطة وربما ساذجة. وفيما يستمر العالم بسقوطه في الدمار والرماد، وفي تبديد مصادر الحياة، تتم تنحية الواقع الحقيقي من خلال الافتراضية والثقافة المزيفة. *** يمكننا أن نجد الكثير من أوصاف المنفى في الأدب العربي بعد العودة من المنفى إلى الوطن الأم، وليس فقط في المنفى. ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج1

بقلم المستشرق الألماني شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن   في ستينيات القرن العشرين طرأ تغيّر عميق على الأدب الفلسطيني، فصدرت رواية “غسان كنفاني”: “رجال في الشمس” 1962، والتي تدور أحداثها العام 1958 أي بعد عشر سنوات من بدء الشتات الفلسطيني. الرواية هي أول عمل عالمي يعبّر فيه كاتب عن مأساة الهرب البشعة/ المابعد حداثية وبتعبيرات قاسية بالغة التأثير. أحداثها تدور في فلسطين، الأردن، العراق، والكويت، وتحكي قصة ثلاثة رجال ينتمون إلى ثلاثة أجيال مختلفة، يجمعهم طريق الهرب في مدينة البصرة جنوب العراق، بعد أن تركوا وطنهم ليبحثوا عن حظهم في الكويت. لكن سطوة الهروب تبقى وحدها الحاضرة في حيواتهم، تقود شكّهم الدائم بالغرباء، الأمر الذي يجعلهم يثقون بالفلسطيني الرابع، الذي يعمل سائق شاحنة لدى ثريّ كويتي، والذي يعرض عليهم تهريبهم إلى الكويت: “أرض الميعاد”! كانت فكرة نقلهم في صهريج مياه كبير وفارغ وحار فكرة مأساوية، فحرس الحدود الكويتيون استقبلوا السائق بالنكات والسخرية، الأمر الذي أضاع الكثير من الوقت، وجعل السائق نهاية لا يجد في الصهريج إلا ثلاثة جثث متيبّسة من الحرّ، رماها في مكبّ قمامة موطنه الجديد: الكويت، ولكن ليس قبل أن يأخذ الساعات والأموال التي بحوزتهم! لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ السائق الذي أصيب برضّ نفسيّ كبير، جراء انفجار حصل العام 1948 خلال الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى، يعود ليعاني رضّاً نفسياً (تراوما) ثانياً بعد ارتكابه هذه الفعلة، ولكن هذه المرة لم يكن بالإمكان تخطّيه أبداً! فبينما فقد رجولته في الانفجار وكان ضحية للحرب، تحوّل بتهريبه الناس ورمي جثثهم في مكب القمامة إلى قاتل! التراوما الثانية تولّدت هذه المرة من شعوره بالذنب لقتله ثلاثة من مواطني بلده، ولهذا كان صراخه: “لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟”، محاولة فاشلة لتكفير الذنب، فقد كان في العمق مدركاً لذنبه وعليه إكمال حياته مع كل هذا الألم البليغ! في العام 1972 تم تحويل الرواية إلى فيلم، بتوقيع المخرج المصري “توفيق صالح”، وجاءت نهايته مع مقاطع من قصيدة قديمة لمحمود درويش يقول فيها: “وأبي قال ...

أكمل القراءة »

البروفسور الألماني شتيفان ميليش يكتب عن الموت يصنع كعكة عيد الميلاد للشاعر السوري حمد عبود

صدر مؤخرًا للشاعر السوري حمد عبود باللغتين الألمانية والعربية في سويسرا مجموعته الشعرية التي حملت عنوان “الموت يصنع كعكة عيد الميلاد”، وقد خصّ الشاعر السوري صحيفة أبواب بكلمة البروفسور الألماني شتيفان ميليش التي ذيّل بها المجموعة، وترجمها إلى العربية المترجم المصري محمود حسنين: تُعد النصوص الجديدة للشاعر السوري حمد عبود مثالًا ناصعًا على أن خوض تجربة الثورة والحرب والفرار يساهم في نثرنة النص الأدبي. درس حمد عبود، المولود في عام ١٩٨٧ في دير الزور، هندسة الاتصالات في حلب. وبعد اندلاع الثورة، صدرت مجموعته الشعرية “مطر الغيمة الأولى” عن دار أرواد، ثم اضطر إلى اللجوء لأوروبا بعد مروره بعدة دول عربية، حيث استقر به المقام في فيينا.     “أريد أن أقود دبابة” واحد من أروع النصوص المتاحة الآن بالألمانية، تطغى فيه الحرب على واقع الحياة اليومية وتسيطر على اللغة وتتحكم في الأفكار. تبدأ السطور الأولى هكذا: “لو أعرفُ كيف أقود دبابة/ لكنتُ استعرتُ واحدة من الأعداء، أو الأصدقاء/ الكل لديه دبابة سواي”. ويزداد ما تكشفه هذه السطور من عبث تراجيدي كامن في الوضع السوري، لأنها تبدو وكأنها ترد على لسان طفل. ففي زمن الحرب تُكتسب القدرة على التقمص الوجداني، الصفة الأخلاقية المحمودة في حد ذاتها، عبر قيادة دبابة من أجل مشاهدة العالم كما يراه الجنود “من فتحة الباب المستطيلة”، هكذا يمكن تفهم وضعهم “لربما عذرتهم قبل أن تكفري بإلههم لتدمير كنيستك المفضلة”. غير أن الله لا يُرى من فتحة الباب المستطيلة، ولا يوجد إلا عندما يهتف المحتضرون باسمه. ولا يتصدر الله أو الحياة مركز العالم الذي يتشكل في النثر الشعري، وإنما تتصدره الدبابة التي صارت ككلب يرافق الإنسان في كل حين. يتمثل اللب الموضوعي للنصوص في مأساة الوضع السوري الناجمة عن فشل الثورة، وحرب النظام ضد شعبه، وعجز ما يُسمى بـ”المجتمع الدولي” عن الفعل. ويواجه الشاعر اليأس والإحباط بنظرة للعالم تتألف من أشواق متناقضة، وأفعال جنونية ورؤى مفزعة، وفكاهة سوداء من نوع خاص جدًّا. وفي أثناء قص الذات الساردة، التي ...

أكمل القراءة »