الرئيسية » أرشيف الوسم : زين صالح

أرشيف الوسم : زين صالح

آنية الورد التي لا تعرف أنها انكسرت

زين صالح – كاتبة وصحفية من سوريا مقيمة في ألمانيا كيفما قلّبت الآنية المصمّغة لا أنفكُّ أرى الشقوق. ضوء الشمس يمزّق وهم وحدة الكسرات التعسات المنفردات خارج نسق الشكل المعهود. آنّية تشبه أمي كثيراً.  لما سمعت بفن ترميم المعطوبات “الكينتسوكوروي” اعتقدت أني لن أرمي آنية ولا وعاءً أكسره بعد اليوم، ونسيت أني جئت من حيّ لا تزال الأبنية فيه تفتح صدوعها للريح والبرد والرطوبة والاحتمالات. ونوافذه المشعورة بغيضة وغثة.  أبي كان يحب أغنية ناطرك سهران لوديع الصافي.  كذلك عبرت عيني كل الثغرات أينما وجدتها، لحقتها كلها، وعلقتْ في فراغها الأبدي الأصمّ، الذي يزجر كل قطعة ليغو باردة قاسية، تحاول ببرود سدّ ما كان يوماً حنوناً وعذب. رمضان في الصيف لا يحمل لي ذكريات حلوة. العجلة المسعورة العمياء لا تقبل أي تعثّر، لا ترى سقطة ولا كبوة. أهرول بكل ما فيّ من حياة.. أبلل وجهي في الصبح، أتطلع من الشباك، أخرج لأصغي وأحكي، اصمت تأثراً لسماع كل قصة عاطفية، وأداعب كل كلب أو هرّة أعرفها، أصافح الغرباء أيضاً، وأجيب إن سُئلت كم الساعة.. ماذا أفعل أكثر؟ كيف أوقف صوت تكسّر كؤوس شاي مسلسل الساعة العاشرة الذي يعيد نفسه في رأسي بلا توقف. إيفون تغني قربي وأنا أتكوّم على نفسي أكثر، مع كل نغمة أخطو بقدم حافية على نثر زجاج محطم. المزق المنفتح في كل حكاية. الحزّ الذي يثلّم كل مرآة قويمة. والثقوب المجتمعة عند باب قلبي. كلها تجعل من المستحيل ألا ألاحظ أن الكلام لا يلتئم على لساني. أو أن أقنع بأن الزهريات المعطوبة يرممها الوقت. آنية الورد لا تعرف أنها انكسرت. ولا تزال تقف شامخةً، متحضّرةً لورود الغد. إقرأ/ي أيضاً: لن أتعلم يوماً أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة 47 يوم دمشقي.. محرر الموقعhttps://abwab.eu/

أكمل القراءة »

لن أتعلم يوماً

زين صالح* لن أتعلم يوماً ، غضاريفي تعظّمت عند باب الشادر الأسود، قرب جموع المتلفّعات بالأسود والمناديل البيضاء المطرزة. يوم كسرتُ الساعة “الأورينت” الثمينة دون قصد. شهر آب الموسوم بالقيظ والخسارة، حين لفّ محمد أفراحنا معه.. هناك في جيوب الثوب الأبيض الذي لا جيوب له. سقطت براءتي مع كسرة الحشوة التجميلية الهاربة من فمه تاركةً فجوةً سحيقةً لا قرار لها. لن أتعلم يوماً ، عظامي ازرقّت والتفّت بذعرٍ بالغٍ حول قلبي اليافع المتعب.. يوم استدنت خمسمئة ليرة من مدير المدرسة وسافرت أعد الخطوط البيضاء المتتالية تجاه الضيعة، حيث انكسر جسري وظهري وغاب دليلي ونجمي قبل أن أريه جعبة ألواني وأتسمّر أمامه منتظراً رده وحبه ورضاه.. وتُركت أرزخُ تحت أثقال الفقد وأبكي ليالٍ عسيرات قادمات. لن أتعلم يوماً ، جبلتُ حيث ينام الحمام على أعمدة الكهرباء، وترشقُ الساعة الوقت رشقاً وملامة، حيث تطلع الشمس لتدثّر كل راحلٍ وتكشف بقسط أشعتها فداحة فعائل الجهل والشرور. أظفار يديّ الغضّتين خشنت تحت وابل الكره والرّجس والوَجَس، كبرتُ وصغرت واستعمِلت وكهلت وأُتلِفت حتى انتهيت وخدّرت السماء وجهي وأطرافي حتى هِمْت على وجهي وقُلِعت راضياً أو مجبراً لم أعد أذكر. لن أتعلم يوماً، صدمت ووقفت وتبعت طرق السلوى واكتشفت سبلاً للصحبة، واستكنتُ فابتليت وخرجت وزجرت حيّاً لا يحبني لكنه يرمي لي فتاتاً أقتات عليها فتسدّ جوعي وتعكّزُ قلبي وتعيد عليّ تلاوة ما كتب في أوراقي الممزّعة منها والمسلوبة. لن أتعلم يوماً، خبرتُ أصوات المبعدين عبر الهاتف، وصرت أعرف أيّتها التنهيدة وأيّتها البكاءة وكيف يلتوي وقع الكلام ويقصر حياءً ويخجل ويحزن ثم ينطفئ. خبرت زوايا كاميرات السكايب الناجحة وأوقات الاتصال المناسبة وغير المناسبة وكيف تتزحزح الصور وتذوب وتفنى.. عندما ينقطع الخط، فألوذ بسترتي وأهمس: دثروني.. دثروني، وآخذ نفساً عميقاً يصل لب الأرض وأزفر بعدها كل الألم والودّ والغضب والسكنى. لن أتعلّم يوماً، اللغاتَ المزخرفة والكلمات بوقعها الرنان والمصطلحات المحفورة في الألسنة بكل ما تحمله من تاريخٍ وعرفٍ وسننٍ وفرادة.. هي محط إعجاب ومحلّ للاهتمام وحلٌّ لألغازٍ وموطئ ...

أكمل القراءة »