الرئيسية » أرشيف الوسم : راتب شعبو

أرشيف الوسم : راتب شعبو

افتتاحية العدد 35 من أبواب: البلد العابر للسياسة

بقلم: راتب شعبو*   يهرب الناس من بلدانهم حين تغدو حياتهم فيها مهددة، بفعل الحروب أو المجاعات أو الاستبداد، هذه جميعاً من شرور التخلف، من أمراض المجتمعات التي تعثرت (لأسباب مختلفة) في السيطرة على تاريخها، وراح التعثر ينتج المزيد من التعثر في تتال يحرّض اليأس. يحمل اللاجئ في نفسه عبء الأسباب التي دفعته إلى اللجوء، مهما كان موقعه من هذه الأسباب. يغدو تخلف البلد، التخلف العام، عبئاً شخصياً. كل لاجئ يحمل تخلّف بلده في سريرته، كمن يحمل وزر تهمة لا تُرد. اللجوء بحد ذاته إقرار بهزيمة. اللجوء إلى بلد الآخرين ينطوي على إقرار بتفوق بلد الآخرين. على هذا، التفوق الذي يمكن أن يحققه اللاجئ لا يولّد فيه الشعور بتفوقه كفرد فقط، ولا يرفعه من مستنقع القصور الذاتي المتأصل والذي تحاول نظرات عنصرية متكاثرة تأكيده فقط، بل يولد فيه أيضاً شعوراً بالتعويض عن قصور بلده، وأقصد البلد المستقل عن السطح السياسي الذي يغلي بالصراعات العنيفة، البلد المستقل عن الأسباب التي دفعت اللاجئ إلى اللجوء، البلد الذي يمثله اللاجئ ولو كان هارباً منه، البلد كمعنى، كهوية أو كانتماء أول. في بلاد اللجوء، الفشل السوري العام يتكئ على نجاح السوري الفرد. وبالمقابل، فإن جريمة الفرد، إذا حصلت، تلقي بظلها على السوري العام. في بلاد اللجوء، الفردي يرفع العام أو يُزري به. أمام كل نجاح لسوري سيلتفتون إليك، وأمام كل فشل أو فعل شائن أو جريمة لسوري سيلتفتون إليك، تختلف النظرات، ولكن الثابت أنك مسؤول عن انتمائك إلى بلدك في السراء والضراء، ليس فقط في عيون الآخرين، بل وفي عين ضميرك أيضاً. هذا ما يفسر قيام اللاجئين السوريين، كغيرهم من اللاجئين، بتحويل أسماء المتفوقين من مواطنيهم إلى نجوم في سماء غربتهم. وهذا أيضاً ما يفسر خشية السوريين أن تكون جنسية من يقوم بالطعن أو بالدهس أو بالتفجير سورية! التشتت الجغرافي للاجئين يرافقه تأكيد زائد على وحدة الانتماء، عكس ما يتوقع اللاجئون وعكس ما يريده بعضهم ربما. هذا هو معنى البلد العابر للسياسة، المعنى الأبقى ...

أكمل القراءة »

همومٌ لغوية عن سطوة العربية.. لغة العالم

راتب شعبو * امرأة ثمانينية نشيطة أكثر من الصبايا، تقاوم العمر بالعمل التطوعي في جمعية أهلية لتعليم اللغة الفرنسية، بعد أن صارت في سن التقاعد. تتحرك كالنابض أمام اللوح وهي تشرح الدرس الفرنسي لمجموعة من الحضور المختلفين بالجنس والجنسية واللون والعمر والوضع القانوني وسبب الوجود في فرنسا، مختلفون في كل شيء سوى الشعور بالغربة عن اللغة الفرنسية التي تجتهد المعلمة الفرنسية في إدخالها إلى رؤوسهم وقلوبهم أيضاً. درسُ اليوم لا يحتاج إلى قواميس أو هواتف ذكية لمعرفة معانى الكلمات، الدرس عن أعضاء الجسم، يكفي أن تشير المعلمة إلى الأنف أو العين أو الفم في وجهها الذي لا ينكر سنوات العمر، على الضد من جسمها الرشيق وحيويتها الظاهرة. ولكي تدل على المؤخرة، استدارت المعلمة ووضعت يديها على مؤخرتها، بالحياد الجنسي المألوف عند العجائز، وقالت بصوت عال “فيس”، ثم ضحكت ضحكة خفيفة وقالت أيضاً “كي”، لفظت الياء بطريقة ملتوية، كأنك تلفظ الياء بينما أنت تضم شفتيك لتلفظ حرف الواو، وأردفت، لا تقولوا هذه الكلمة هنا لأنها بذيئة. يحتفظ الذهن بهذا التنبيه، دون أن يكون لديك شعور بحيادية تلك الكلمة أو بذاءة هذه. لا طعم مميز للكلمة في اللغة الجديدة. حين تضطر إلى استخدام لغة ثانية غير لغتك الأم لتكون هي لغتك التواصلية مع الأهالي، فإن هذه اللغة تصلك بمفردات الحياة بلا إحساس أو شعور، تصلك بالحياة ببلادة تشبه بلادة شعورك بملمس الأشياء وأنت ترتدي قفازات سميكة. تقول في نفسك مواسياً، لا بد أن تصنع الكلمات الجديدة لنفسها، مع الوقت، طعمها  الخاص في ذهنك، كما لا بد أن يهترئ القفاز مع الوقت ويسمح لأصابعك بملامسة الأشياء. يزيد من حيادية اللغة الجديدة وبلادة الشعور بها أنه ليس لدينا، نحن أبناء اللغة العربية، تنويعات على حرف الواو كما يتطلب اللفظ الفرنسي، وليس بسيطاً الالتباس الناجم عن عدم التمييز بين هذه التنويعات الفرنسية. مثلاً، لا يفصل بين (كور) القلب و(كور) الجسم، سوى تنويعة الواو غير الموجودة في اللغة العربية، وغالباً ما تسيطر لفظة (كور) الجسم، عند أبناء ...

أكمل القراءة »