الرئيسية » أرشيف الوسم : د. محمد شحرور

أرشيف الوسم : د. محمد شحرور

د. محمد شحرور: لا تضربوهنّ باسم الإسلام!

د. محمد شحرور | باحث ومفكر إسلامي.  اضطر السوريون خلال الأعوام القليلة الماضية إلى الاحتكاك بالثقافات الأخرى في بلاد اللجوء، العربية والأجنبية، وأعجب جلهم بالتعامل الإنساني لسكان بلاد الغرب، لكن مواضيع كثيرة جعلتهم يعانون صعوبات في التأقلم، وهذا أمر طبيعي، في ظل مجتمعات مختلفة بكل ما فيها من أعراف وتقاليد. ولا يقتصر الموضوع في الاندماج على اللغة واللباس والطعام، فهناك مسائل عدة تجعل العربي أو السوري يفضل العودة إلى بلاده على الرغم من ظروفها، كمسألة ضرب الزوجة والأطفال، إذ تختلف النظرة في الغرب لهذه الظاهرة عنها في مجتمعاتنا، من حيث كونها مستهجنة أم لا، وتعرض مرتكبها للمساءلة القانونية من عدمه، فقد اعتدنا على كون الطفل ملكية خاصة نتصرف بها كما نشاء، وكذلك الزوجة في أحيان كثيرة، وكأن عقد الزواج يعطي للزوج أهلية التحكم بزوجته وضربها إذا أراد وأنى أراد، مع قبول المرأة لذلك كجزء من أصول الحياة الزوجية الصحية، حتى أن بعضهن يدافعن عن أزواجهن في المحاكم بحجة أنه لم يرتكب خطأً حين ضربها وهشم أضلاعها فهذا أمر عادي في ثقافة بلادنا، وتبدع النساء في هذا المجال، فبدل العمل على توعية المرأة لمعرفة حقوقها، يروج بعضهن أفلامًا تعلم النسوة كيفية إخفاء علامات الضرب بمستحضرات التجميل. كيف يبرر “المسلمون” ضرب النساء ورغم أن ظاهرة العنف ضد المرأة و ضرب الزوجة قد تكون موجودة في كل المجتمعات، مهما كان دينها ودرجة تحضرها، إلا أن المستهجن هو استناد المسلمين (بالمعنى الشائع) على الإسلام في ذلك، واعتبار ما يفعلونه مبررًا بموجب دينهم، إن لم يكن محبذًا، فالرسول وفق قناعتهم لو كان أمر أحدًا بالسجود لغير الله، لأمر المرأة أن تسجد لزوجها، ومع أنه برأيهم أوصاهم الرفق بالقوارير، إلا أن النساء كونهن “ناقصات عقل ودين” بحاجة للضرب، سيما وأن {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} والله تعالى قال: {وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} ففهموا الآية على أساس أن يضربها “ضربًا غير مبرح”، وربما يفقد أعصابه فيصبح  الضرب مبرحًا ومشوهًا أيضًا، ولم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة الآية كاملة دونما اجتزاء {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: لماذا يلحدون؟

فيما يسود التطرف العالم، وتتعالى أصوات المتطرفين من كل حدب وصوب، بأفعال وردود أفعال، يصطدم المسلمون بتوجه الكثير من الشباب “المسلم” نحو الانصراف عن الدين، لدرجة الإلحاد في أحيان عدة، ودون سابق إنذار في أغلب الأحيان، وإذ كنت لا أملك أرقامًا دقيقة أو إحصائيات عن الموضوع، إلا أني غير متفاجئ مما أسمع وأقرأ، سيما ممن تصلني رسائلهم وهم في طريقهم للإلحاد. فالقفزة التكنولوجية التي نعيشها جعلت من السهولة بمكان الاطلاع على كم هائل من المعلومات بكبسة زر، معلومات كانت حكرًا على المختصين فقط، أو من ادعوا ذلك، حيث كان بإمكانهم تزوير الحقائق كما يشاؤون نظرا لصعوبة التأكد من صحتها، وترافق هذا التطور بخيبات أمل من واقع مرير تعيشه شعوبنا، سيما مع وجود أسئلة كثيرة دون إجابات تشفي غليل من يشعر بالخذلان، سواء ممن رأى ممارسات مدعي الإسلام من حركات سياسية، أو ممن رأى الظلم يأكل الأخضر واليابس، وقد رسخ في ذهنه أن الله مسؤول عن كل ما يحصل، فبهت من هول الصدمة، وإن كانت أجوبة الشيوخ والفقهاء ترضي الأجيال على مر العصور، فاليوم لم يعد من المقنع أن تقول لمن فقد عائلته في حرب طاحنة أن هناك حكمة مخفية في فقدهم، وعليك القبول بما اختاره الله، كما لا يمكنك القول لمن لجأ إلى أوروبا ووجد من شعوبها كل التعاطف أن هؤلاء في النار، والأمثلة لا تنتهي، فنحن قد ورثنا منظومة متكاملة من الأكاذيب قيل لنا إنها “الإسلام”، وهي لا تمت للإسلام كما أنزل على محمد (ص) بصلة، وإنما هي صناعة بدأت تنحرف عنه رويدًا رويدًا ابتداءً بوفاة الرسول مرورًا بالعصر الأموي لتتبلور بالشكل الذي هي عليه الآن في العصر العباسي، وأغلق باب الاجتهاد، وفتح باب القياس على أحكام وضعها أموات –مشكورين- لعصرهم، وهم لا يعلمون أن من سيأتي بعدهم بما يزيد عن ألف عام من السذاجة ليتوقف عند آرائهم، لا بل ليقدس تلك الآراء وينسى الكتاب الأصلي الذي أرسله الله وحمله رسوله، في رسالة أراد الله أن تكون الخاتم بين ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: الإسلام والمسلمون وسؤال العنصرية

د. محمد شحرور | باحث ومفكر إسلامي. تدور الحوارات والنقاشات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم عن مدى عنصرية الإسلام أو تقبله للآخر، وتراهم منقسمين، لمدافع ينفي تهمة العنصرية جملة وتفصيلاً. وينسب كل تطرف لفئة قليلة تشوه وجه الإسلام، وآخر يقر بالتميز عن غيره، وقد يشفق لذهاب صديقه المختلف إلى النار حين سيذهب هو إلى الجنة، وثالث يعادي ذاك المختلف، وقد يصل به العداء لدرجة القتل. فإذا كان الإسلام المتعارف عليه يقوم على  شهادتي “أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”، فإن ثمانين بالمئة من أهل الأرض سيكون جزاؤهم النار لا محالة، وسيلقون ما عملوا هباءً منثورا، وسيكون الإشفاق عليهم في محله، بينما سنحظى نحن الذين ورثنا الشهادتين عن آبائنا تلقائيًا بالجنة، وسينال المجرمون منا عفو الرحمن، فنرى الحجاج وأمثاله من مستبدين في النعيم، والأم تيريزا وأمثالها في الجحيم، ولا حاجة إذًا إلى جنة عرضها السموات والأرض، بل تكفيها مساحة صغيرة لا تتجاوز مساحة سويسرا مثلاً. لكن الإسلام في التنزيل الحكيم هو دين الإنسانية، وهو الدين القيّم بكونه يشمل كل من آمن بالله وعمل صالحًا {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف 110) والعمل الصالح هو كل ما يساهم في تقدم الإنسانية نحو الأفضل، وبهذا المعنى نفهم قوله تعالى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران 85)،  فالله استخلفنا على هذه الأرض وتحدى بنا باقي الكائنات لا ليعذبنا، بل يريد لنا كل الخير {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة 30)، فمن عمل خيرًا سينال جزاءه ومن عمل شرًا سينال جزاءه، وإذ وضع الله لنا محرمات محدودة وترك للشرائع الإنسانية تقرير الأفضل وفق ما يناسبها في المكان والزمان، جعل من ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: ثقافة عصور الاستبداد

اضطرت الظروف السوريين للهجرة من بلدهم هربًا بأولادهم من الجحيم المستعرة، وعانى أغلبهم الأمرّين للوصول إلى بلدان اللجوء. ورغم أنهم غالبًا وجدوا الأمان المطلوب، إلا أن اختلاف الثقافات سبّب ويسبّب العديد من المشاكل، وعلى مختلف الأصعدة، سواء من حيث اندماج اللاجىء مع المحيط، أم تفهمه لأعراف المجتمع الجديد، أم ما فرضته من شروط موضوعية، وما نتج عن كل ذلك من تخلخل أسري ضرب أركان البيوت المبنية على علاقات واهية أصلاً، ولا يبتعد كثيرًا عن هذا ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي من خبر الوالد الذي ضرب ابنه في المطعم، فسحبت السلطات الألمانية الطفل من أبيه، معتبرة أنه جدير بتلقي رعاية أفضل. وقد يتمنى هذا وذاك لو أنهم لم يخرجوا من بلدهم أصلاً، لكان واحدهم استطاع ضرب ابنه براحته، ولما تمردت زوجه عليه حين وجدت عملاً يكفيها شره، ولما تحررت أخته من الحجاب الذي أثقل عليها، وإن كنت أتعاطف قليلاً مع الوالد المكلوم وقد أتفهم موقفه، إلا أني آسف في الوقت ذاته لما وصلنا إليه، في ظل ثقافة الاستبداد، ابتداءً من الطفولة وحتى الكهولة، مرورًا بالمدرسة والجامعة والعمل، ناهيك عن الخدمة الإلزامية، هذا الاستبداد الذي طبع حياتنا حتى أصبحنا كالقردة في تجربة بافلوف، لا نجرؤ على تخطي ما نشأنا عليه  قيد أنملة، ونمنع كل من يحاول التجرؤ أيضًا. الفقه الموروث كرس مبدأ “الطاعة لذي الشوكة” ومن المفارقة أنه في حين أسست ثقافتنا الإسلامية الموروثة للاستبداد بكل أشكاله، فإن التنزيل الحكيم جعل من الحرية أساس الأنسنة، فهي الأمانة التي حملها الإنسان وأبت السموات والأرض والجبال حملها {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب 72)، واختلاف الإنسان عن باقي الكائنات على الأرض هو كونه حرًا، يطيع ويعصي بملء إرادته، وهي كلمة الله العليا التي سبقت لكل أهل الأرض، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: العقل العربي وإنتاج المعرفة

أنتجت البلاد العربية في القرن الماضي ثلاثة آلاف شاعر، منهم من نسيت قصائده بعد برهة من الزمن، ومنهم من ستبقى قصائده على مر الأزمان، لكن هذه البلاد ذاتها لم تنجح في إنتاج عالم واحد. واضطرت كلما أرادت التباهي بعلمائها أن تستحضر التاريخ لتجلب علماء مضى على وفاتهم ما لا يقل عن ألف عام، قضى أغلبهم وقد أحرقت كتبه أو عانى ما عاناه من اضطهاد نتيجة لما أتى به، واليوم يشعر العرب وهم يهاجرون إلى أوروبا ببعض من العنجهية والغرور، على اعتبار أن أجدادهم كانوا السبب في نهضتها وحضارتها، ويتناسى هؤلاء أن أوروبا رغم استفادتها من أفكار ابن رشد وغيره، لكنها لم تحنطهم وتجلس عند تماثيلهم، بل تجاوزتهم وسارت إلى الأمام، بينما بقينا نحن العرب نجتر ما كتب الغزالي وابن تيمية، فلم نكن محظوظين بما يكفي ليحصل العكس، فتأخذ أوروبا الغزالي ويبقى لنا ابن رشد، لعلنا لو بقينا على أفكاره كنا استطعنا السير إلى الأمام قيد أنملة. فللأسف أن ما حصل هو اتخاذنا شعار “من تمنطق فقد تزندق” نبراسًا لنا، فرمينا العقل والمنطق جانبًا، واستعنا بالنقل على قضاء أمورنا، واستكان العقل العربي الجمعي لهذا الحال، فأصبح غير قادر على انتاج المعرفة، كونه يستخدم الشعر في التعبير فلا يتوخى الدقة، حيث الشعر لا يعيبه الترادف ولا الخيال ولا الكذب، بينما لا ينطبق هذا على أي بحث معرفي. والعقل العربي عقل قياسي، يحتاج لنسخة كي يقيس عليها، غير قادر على الابتكار، فالملحد يستحضر نسخته من الاتحاد السوفيتي السابق حتى لو ثبت فشله، والمؤمن يستحضر نسخته من الصحابة في القرن السابع الميلادي، والاثنان يراوحان في المكان دون تقدم، حتى أصبحا خارج الزمان. والعقل الجمعي العربي اعتاد السؤال عما هو مسموح بدل السؤال عن الممنوع، فبالنسبة له كل شيء ممنوع وحرام حتى يثبت العكس، بينما يفترض في الأمور الإباحة إلا ما حرّم بنص ديني أو مُنع بقانون ما، وبدل أن يسأل العربي عن كيف تم اختراع الموبايل، أول ما يخطر في باله هل استخدامه حرام ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: وقل اعملوا

{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ} بحلول عام هجري جديد، أتقدم من السادة القراء بأجمل الأمنيات والتهاني، راجيًا من الله أن يكون عامًا سعيدًا، على الناس جميعًا وعلى السوريين خاصة في سوريا والمهاجر. وفيما يستمر الجدال بين الدول الأوروبية حول تقبل اللاجئين، تعيش المأساة السورية عامها السادس، ولا يزال السوريون يبحثون عن ملاذ آمن، فيحاولون بشتى الطرق والوسائل الوصول إلى بلد ما، ينالون فيه بعض الراحة والاستقرار، تحت سقف يحميهم من الدمار والقتل والاعتقال، وكل الضغوط الأخرى الناتجة عن الحرب، فيعانون الأمريّن في طريق الهجرة، ورغم ما قد يجدونه بداية من تعاطف وود لدى أهل البلد المضيف، إلا أن خيبة الأمل ما تلبث أن تطفو على السطح. إذ تصطدم الأحلام بالواقع، فيجد اللاجىء الحالم بالجنة أن الحياة على الأرض الجديدة تختلف عما تصورها في خيالاته، ولن يقدّم له العيش الكريم على طبق من فضة، فمجتمع الجنة تنتفي فيه ظاهرة العمل، والرزق مفتوح غير مشروط، ولا مرض ولا موت. لكن في الدنيا لا وجود لهذا المجتمع، والعمل أساس الحياة وكل ما فيها قائم عليه  {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ} (التوبة 105)، ولا جزاء من دون عمل، يتساوى في ذلك الذكور والإناث {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل 97)، والله تعالى سخر الناس ليخدم بعضهم بعضًا من خلال أعمالهم {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف 32). فطرق المعاش تجعل كل يعمل وفق اختصاصه، الطبيب يعالج المزارع، والمزارع يزرع طعام الطبيب، والنجار يصنع أبوابًا لبيوتهما وهكذا، وعلى أساس العمل يأتي الرزق {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} (يس 35)، والرزق الجماعي يأتي من خيرات الطبيعة {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات 22)،{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: صورتنا وصورتهم

د. محمد شحرور – باحث ومفكر إسلامي   تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي أفلامًا قصيرة تحكي عن الاندماج بين السوريين المهاجرين أو اللاجئين وشعوب البلدان التي وصلوا إليها، لا سيما في أوروبا، وضمن مجالات مختلفة كالمأكولات أو الأغاني واللهجات. ورغم كل المآسي التي مر ويمر بها هؤلاء المهاجرون فالأمل كبير أن يجدوا آفاقًا جديدة للدراسة والعمل، ربما تعوضهم عما مروا به وتفتح لهم أبوابًا للإبداع، في ظل حرية افتقدوها في بلادهم، ونتمنى أن تكون هذه الأفلام عاكسة لصورة عامة عن وضع السوريين في المجتمعات الجديدة لا حالات خاصة. وتشكل الصورة النمطية للآخر المختلف العائق الأكبر أمام الاندماج بين الطرفين، الضيف الذي لن يبقى ضيفًا، والمضيف الذي سيصبح جارًا وزميلاً وصديقًا ربما، وكل طرف يحمل انطباعًا راسخًا في ذهنه عن الآخر، شكلته الخلفية الثقافية المتراكمة عبر العصور، يجعل من الصعوبة بمكان تغييره، إلا من خلال التجربة والعيش المشترك، رغم أن الإنسان الغربي عمومًا قد تعامل مع قضية اللاجئين بإنسانية، وتوارت في ذهنه الصورة النمطية للمسلم والعربي لتحل محلها صورة الإنسان المحتاج للإغاثة بشكل أو بآخر، تلك الصورة التي ساهمنا نحن بجزء منها، وساهمت السياسة بالجزء الأكبر، فنظرة الغرب لنا (بكل مللنا وطوائفنا) تشوبها دونية  تنبع عن كوننا الشعوب المستعمَرة، منذ الصليبيين وحتى قرن مضى، بما يحمله الاستعمار من عدائية، ناهيك عن أننا كدول عربية، لم نستطع للأسف تحقيق الكثير منذ خروج المستعمر وحتى يومنا هذا، فإما وقعنا تحت حكم طواغيت مستبدين، استباحوا الأرض والعرض، أو بقينا تابعين مستهلكين لا منتجين، وزاد الطين بلة ما شهده العالم منذ نهاية القرن الماضي وحتى اليوم من عنف الإسلام “المتطرف”، فلم تقف صورة المسلم عند حد المتخلف حضاريًا بل أضيف لها صورة الإرهابي أيضًا، وعندما رسموا صورتنا وصورة نبينا في عيونهم، لم نحاول إثبات العكس، بل بادرنا إلى قتل من تطاول علينا لنكرس في الأذهان تلك الصورة، علمًا أنهم لم يرسموا أكثر مما وصفته أحاديث البخاري ومسلم، وما يتشدق به فقهاؤنا صباح مساء، فقدمنا رسولنا بقالب ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: المرأة بين التنزيل الحكيم والفقه

إذا شبهنا إسلام التنزيل الحكيم الذي أتى إلى محمد (ص) بكرةٍ من نور، فإن المنظومية التراثية نسجت طبقات من خيوط حول هذه الكرة، وتضخمت تدريجيًا إلى أن حجب أي بصيص من ضوء صادر عنها، وأثقلتها بما هو معتم، وإن كان المسلمون جميعهم قد تأثروا بهذا التشويه، فإن الأثر الأكبر كان من حظ المرأة، فرغم أن الإسلام قد وضع اللبنة الأولى في تحريرها، إلا أن الثقافة الإسلامية الموروثة كرست وضعًا مهينًا  لها، وجعلت منها متاعًا لخدمة الرجل ليس إلا. المرأة وفق الموروث هي المسؤولة عن خطيئة آدم وطرده من الجنة، وهي ضلع قاصر، ووفق كتب البخاري ومسلم تتساوى مع الكلب والحمار في إبطال الصلاة، حتى أن الحمار يسبقها “…فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود”، ومن باتت وزوجها غاضب عليها ستلعنها الملائكة، لذلك فإن معظم النساء في جهنم، ومعظم أهل جهنم من النساء، والأحاديث من هذا القبيل لا تعد ولا تحصى، ولا يتسع المجال لذكرها. أما في التنزيل الحكيم فصورة المرأة مختلفة تمامًا، وهي مساوية للرجل، ندًا لند، بدءًا من آدم (الجنس البشري بذكوره وإناثه) الذي حمل وزر العصيان والخروج من الجنة {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه 121)، ثم خطابه تعالى فيما بعد للاثنين معًا، ذكورًا وإناثًا على حد سواء {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ أوَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} (الأحزاب 35)، أما الجزاء فمقياسه التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، ومن ثم لا يمكن أن يعتبر الله المرأة متاعًا من الأشياء أو يصنفها مع الدواب كما اعتبرها الفقه في فهمه للآية  {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران 14) فـ “النساء” هنا من ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: المؤمن في بلاد اللجوء

محمد شحرور: باحث ومفكر إسلامي لا يكاد يمر يوم إلا ويطالعنا الإعلام بأخبار اللاجئين السوريين إلى أوروبا أو كندا، وألمانيا بشكل خاص، وتتنوع الآراء في هذا الموضوع، إلا أن الرضا عن حسن المعاملة يغلب عليها. وإن كنا نتمنى لو أن أوضاع بلدنا كانت بخير، ولو أن هؤلاء الشباب والعائلات لم يضطروا لتركها والهجرة منها، لكن نشعر بالامتنان عندما نسمع بحسن الاستقبال والرعاية التي يتلقونها في بلاد اللجوء، فالإنسان أخو الإنسان أينما وجد، وهذه الدول، بغض النظر عن مصالحها وسياساتها، يفترض أنها تمثل أرقى ما توصلت إليه الإنسانية في عصرنا من حيث حقوق الإنسان، وبالتالي يعامل فيها السوري بصفته إنسانًا قبل كل شيء، والناس متساوون بغض النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم وعرقهم، والقانون فوق الجميع، والأفراد فيها بشكل عام يتصرفون بدوافع إنسانية محضة، دون أي مواقف مسبقة. ورغم كون اختلاف الثقافات أمر طبيعي ومحمود، إلا أنه كان من الأولى بنا كمسلمين مؤمنين بالرسالة المحمدية أن نكون الأكثر انفتاحًا على الآخر، حيث نحمل رسالة رحمة عالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) قوامها الإيمان بالله مقترنًا بالعمل الصالح {مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل 97)، ولا تميز بين دين وآخر  {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62) والفصل بين الناس بيد الله وحده، لا أحد غيره {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج 17)، تحت شعار عظيم تختصره الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256) فالإيمان بالله يوافقه الكفر بالطغيان بكل أشكاله، ومنه نفهم {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء ...

أكمل القراءة »

د. محمد شحرور: الإسلام والإيمان

د. محمد شحرور – باحث ومفكر إسلامي لا يخفى على قارىء التنزيل الحكيم أن الإسلام لم يبدأ مع محمد صلى الله عليه وسلم، بل اكتمل برسالته، وقد اعتاد أحدنا على قبول جواب السادة الفقهاء والشيوخ أن نوح وإبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف وفرعون وسحرة فرعون والحواريين والجن كلهم كانوا مسلمين لعلمهم بإرسال الله تعالى نبيًا يدعو للإسلام بعدهم بآلاف السنين. فإذا كان الله تعالى قد أعلم أنبياءه ورسله بهذا، فهل سيعلم فرعون أيضًا؟ {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس 90)، وكيف سيصح إسلام فرعون وهو لم يلتق إلا بموسى ولم يصم رمضان ولم يحج البيت؟ كذلك فالحواريون لم يعرفوا سوى عيسى بن مريم فكيف أسلموا وهم لا يقيمون الصلاة  {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران 52)؟ يجد المرتل لآيات الكتاب أن الإسلام أمر مختلف تمامًا عن الإيمان وسابق له، وإن كانت كتب الأصول قد وضعت أركانًا للإسلام وأخرى للإيمان، إلا أنها بادلت بينهما، فالإيمان  برسالة محمد، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، هي شعائر كلف بها المؤمنون بالرسالة المحمدية فقط، وليس المسلمون، والدين عند الله الإسلام  {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران 19) والله تعالى لن يقبل دينًا غيره {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران 85) فما هو الإسلام إذًا؟ نقرأ قوله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}  (فصلت 33) وقوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62) والكثير من الآيات الأخرى فنفهم أن الإسلام هو التسليم بوجود الله واليوم الآخر، فإذا اقترن هذا التسليم بالعمل الصالح، كان صاحبه ...

أكمل القراءة »