الرئيسية » أرشيف الوسم : الوطن

أرشيف الوسم : الوطن

افتتاحية العدد 48: اللاجئون وهذا الوطن الجديد

سعاد عباس. رئيسة التحرير افتتاحية العدد 48: اللاجئون وهذا الوطن الجديد ينشغل عموم العرب والسوريين اليوم بأخبار الثورات المندلعة ليس فقط في العراق ولبنان، بل كذلك في تشيلي ومؤخراً إيران، عدا عن أخبار الداخل السوري لا سيما الاعتداء التركي على شمال شرق سوريا، واستباحة القوات الأجنبية المختلفة لأرضها وسمائها، ومع كل الصخب المطلبي الذي يعتمل حول العالم، يغيب عن الكثير من هؤلاء ما يحدث في بلدان اللجوء حيث استقر بهم المطاف. قلةٌ فقط من القادمين الجدد يلتفتون للشأن الداخلي في البلدان التي لجأوا إليها، ولا يبدو ذلك مستغرباً في ظل الضغوط التي يفرضها بناء حياة جديدة في بلد اللجوء، ليس فقط بالمعنى المتداول للاندماج من تعلم لغةٍ وإيجاد عمل ومسكن، وما يرافق ذلك من تعقيدات إجرائية، بل بمعنى فهم حقيقة “الوطن البديل” ومقاربة الشعور بالانتماء، فهل يمكن أن يصبح المأوى وطناً ما دام التعامل معه لا يتعدى الحدود الدنيا؟  ألمانيا التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين في أوروبا، واجهت خلال الأشهر الماضية تنبؤات بركود اقتصادي هو الأول منذ ما يقارب عشر سنوات، لأسبابٍ أهمها “البريكسيت” وما سيترتب على مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي من جهة، والنزاعات التجارية المتواصلة ما بين الصين والولايات المتحدة من جهةٍ أخرى، مما ترك آثاراً سلبيةً واضحة على قطاع التصدير الذي يشكل الداعم الأساسي للاقتصاد الألماني. يضاف إلى تلك الأسباب الافتقار لوحدة سياسية تتيح توجيه الدفة نحو تحفيز الاقتصاد بالشكل المطلوب فعلياً لتلافي التباطؤ الاقتصادي، وتحقيق انتعاش سريع للأسواق، في ظل توتر متواصل ما بين أعضاء الائتلاف الحكومي الأصعب في ألمانيا ما بعد الحرب. مؤخراً بددت التقارير الاقتصادية القلق من الركود، دون توقع أي انتعاش اقتصادي سريع. خبرٌ كهذا يجب أن يشد انتباه القادمين الجدد ممن استوطنوا ألمانيا مؤخراً، فأي تراجع اقتصادي سيؤثر على حياتهم بشكلٍ مباشر كغيرهم من ساكني البلاد، عدا عن إمكانية تلاعب اليمين المتطرف الدعائية كالعادة بوضع اللاجئين – ولو جزئياً – تحت مجهر التحليل والاتهام. من هنا تعد ضرورة توسيع معرفة القادمين ...

أكمل القراءة »

كيف يختزل الوطن إلى سقفٍ وجدران

تجارب يرويها لاجئون أثناء رحلتهم في البحث عن مأوى سعاد عباس* “نعم، ألمانيا ستصبح وطني” هكذا يجيب أيمن بثقة على السؤال الذي لا يتوقف عن الدوران في الرؤوس رغم الصمت عنه أحياناً، هل ستعود يوماً، أم أنك قد تتمكن من تحويل بلد اللجوء.. منفاك الآني إلى وطن؟ أيمن شاب سوري في الخامسة والعشرين من العمر، يحاول متابعة دراسته الجامعية بعد أن أنهى دراسة اللغة الألمانية، لكن هاجسه الآن هو مغادرة الكامب إلى مسكن يستقر فيه ويركز في بناء مستقبله. يسعى اللاجئون إلى خلق مقاربٍ للوطن بالحدود الدنيا حتى يتمكنوا من استعادة توازنهم. ولعل نقطة البدء الأساسية هي مجرد بيت صغير يشبه قليلاً ما خلفوه وراءهمفي الوطن ، ولكنهم يجدون أنفسهم عاجزين غالباً عن خلق بدائل مريحة للاستقرار، فالتحديات بالنسبة للاجئ أكبر بكثير من الآمال سواء كان قد غادر سكن اللاجئين أم مازال فيه. أولى التحديات اللغة وتفكك العائلة ابراهيم زميلي في دروس اللغة الألمانية في أواخر الخمسينيات من العمر، لكنه يبدو أكبر بكثير، لديه ثلاثة أبناء أكبرهم في الثانية والعشرين، والصغير في الرابعة عشر. كان موظفاً في سوريا طوال ثلاثين عاماً، أمضى حياته في بناء بيته في إحدى ضواحي دمشق، وبعد أن رآه مدمراً رحل مع عائلته ليصل إلى ألمانيا قبل ثلاث سنوات، تنقل في الكامبات مع زوجته وأبنائه الثلاثة ولم يستطع طوال ذلك الوقت أن يجد منزلاً. زوجته هربت في الاتجاه المعاكس مؤخراً عائدةً إلى تركيا ثم سوريا، بعد أن انهارت إمكانياتها في الاحتمال والتأقلم مع حياة الكامب في برلين، ويئست من إمكانية إيجاد مكانٍ تدعوه بيتاً يتسع لعائلتها وذكرياتها وآلامها. يعتقد ابراهيم أن محاولاته لإيجاد شقةٍ تتعثر بسبب ضعف لغته، ومرةً طلب من أحد الموظفين في شركة عقارات أن يشرح له بعض المعلومات عن تقديم الطلب بالإنكليزية ليفهم سبب تعرضه الدائم للرفض فرفض الموظف وأجابه “إن أردت أن تعيش في ألمانيا فعليك أن تجيد لغتنا”، وجه ابراهيم الشاحب أصلاً ازداد قتامةً وقال للموظف أنا أدرس اللغة ولكن ريثما ...

أكمل القراءة »

بين هنا وهناك!

مروة مهدي عبيدو* عالمان مختلفان ومتشابهان، بينهما بحر، يقف رافضاً بعناد الوساطة بينهما. من أراد العبور إما أن يملك رفاهية الطيران فوقه على أجنحة من حديد، أو عليه أن يقبل المغامرة بالحياة، مقابل أمل بتحقق حلم بعيد. تبقى بين العالمين صور متقطعة ومشاهد مكررة وصامدة، تختلف فقط في ألوان الخلفيات وصوت اللاعبين، ولون رائحة الخوف التي تسيطر على الأفق. أما أنا فبقيت معلقة بينهما في الذاكرة، تحييني صور من هنا، وتؤلمني صور من هناك، أحيا العالمين، وأقف مكاني بلا حراك… بلا زمن! هنا: أتذكر صورتي وأنا أشعر بنوع جديد من السعادة، حين رأيت تساقط الثلج الأبيض من السماء لأول مرة، حين نزلت إلى الشارع الواسع لأتابع تحوله إلى البياض شيئاً فشيئاً، مشاعر خاصة من البهجة ارتسمت فجأة في قلبي، استعيدها عاماً بعد عام. هي نفس المشاعر التي تنتابني وأنا اتتبع روائح الربيع، وألوان الأشجار التي تتحول في الخريف، لتتغير ألوان الخلفيات، وتمهد للحظات الصيف الحارة المباغتة. تحمل ذاكرتي أيضاً صوراً عدة لوجوه أطفال من الجوار، لا أعرف عنهم إلا ابتساماتهم لي، ونظرات بريئة تتعلق بي كلما التقينا مصادفة. صورة وجه جارتي العجوز تفرض نفسها على ذاكرتي دائماً رغم قدمها، تلك المرأة التي طالما قابلتني بابتسامة وحكايات كثيرة عن أولادها ورحلة حياتها الطويلة. كانت تحكي نفس الحكايات كلما التقينا صدفة، أمام المصعد أو داخله. لم أكن أعاتبها على التكرار، بل كنت أقدر أنها كانت تبحث عني، لتستعيد عالمها المفقود من خلال دهشة في عيوني، لتتأكد أنها لم تفسد اللعبة بعد، بل ربما نجحت في الوصول لبعض من أحلامها. غابت جارتي لأسابيع، وعلمت من الجيران انها مرضت بالزهايمر والتزمت المستشفى. التقيتها مرة أخرى قبل وداعها للحياة بأيام، ابتسمت لي كعادتها، رغم أنه بدا عليها أنها لم تعد تعرفني، وقالت: “أنا لا أذكرك تماماً، سامحيني… إنها لعنة المرض، لكني أذكر صدى مشاعر طيبة في قلبي لك”! هناك: بهتت خلفيات صور طفولتي من هناك بفعل الزمن، لم يبقَ منها إلا أصداء باهتة، لم يعد ...

أكمل القراءة »

إرث من أوطان

“كثيرون من هم بدون وطن وقلة مـن يـحملون فـي قلبهم الوطـن”، جـملة سمعتها وكررتها بيني وبين نفسي وكانت تـرتيلة حتى أَضحت مـصيراً. اليوم أَحـمل وطنين في قلبي كميراث، فلسطيني- سوري هويتي، خـيبة فقدان الوطن مـرتين تقيم كخيمة عـزاء في روحي، لجوء ونزوح، ياسمين، أغصان زيتون، كفن شـهيد، سلام وطنـي يـبدأ بـفداك ويكتمل بحماة الديار.. كل هذا إرث من أوطان. جــدي الذي كان يروي لنا عـن حيفا، وكيف حمله والده على كتفه وخرج به من وسط الحرب ومفتاح العودة في جيبه، المفتاح الذي علق فيما بعد على الحائط بجانب مـا مـضى. لو كان على قـيد الحياة لأخبرته كيف خرجتُ من دمشق وأنا أمسك بيد ابني، بلا بيتٍ ولا مفتاح. ووالدي الذي أسماني أيسر وأخي أيمن، لنكون سنده وقوته كل منا يـشد أزره من جـهته، ولم يدرِ أننا تفرقنا وكان الاسم وجهة كلٍ منا. إرثُ أَحـمله فـي وطـن ثالث لا يـشبهني، كل أَشيائي وذكـرياتي تـرافقني في حقيبة الطـرقات الـطـويلة جداً، ضـباب كـثير يـقبع فـي نهايتها، ملامح لا أألفها، وأَرقام كـثيرة بجانبها أَحـرف غـريبة تحيلني إلى العجز، تجعلني أجلس مرة أخرى أمام طاولة خـشب، ورائحة الورق تعيد لـذاكرتي قـصة الحـب الأولى فـي مــدرستي الابـتدائية، حصة الرياضيات التي كانت الأحب لي، وصديق طفولتي الذي اختفى. رهبة الثانوية العامة، والحلم الذي كان يدق أبواب قلبي بأن أصبح مـهندساً، ويغرف لروحي اللهفة، فأشهق.. إنني في دمشق. هناك، حيث صممت بيوتاً، منها ما أزالته الحرب، ومنها ما بقي لي كبصمة تنتظرني ريثما أعود، وأنا متأكد أنني سأعود سأعود قوياً، أحمل معي أولادي وشهادات تعبي وغربتي وفخر بلدي.. وليس على هيئة “بـقايا حرب”، ولا صورةً بشريط أسود على زاويتها اليـسرى. هـنا في هـذا الوطن المؤقت سـأكمل ما بدأت به، سأشارك هـذا العـالم الجديد ببصمتي، وسأُعلم ابني أَن الـوطن فـي القـلب وأَن كثيرين من هـم بلا وطن وقلة من يحملون وطنين اثنين في قلبهم . إسلام سعود مطور   اقرأ أيضاً العـلاقات الجَـيدة تَـجعلنا أكثر سعادة وصحة لمن أنتمــــــــــــــــــــي مجموعة أدرينالين للشاعر الفلسطيني: غياث المدهون تُخضع الفيزياءَ لقوانين الشعر محرر الموقع https://abwab.eu/

أكمل القراءة »

افتتاحية العدد 30 من أبواب: تساؤلات المنفى والوطن

روزا ياسين حسن* لم تكن المظاهرات التي خرجت مؤخراً في ألمانيا دعماً للانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، هي الأولى من نوعها للقادمين من بلدان الديكتاتوريات. فقد اختبر السوريون والعراقيون والإيرانيون وغيرهم ممن حملوا قضايا بلدانهم إلى المنافي مظاهرات شبيهة. للمفارقة فإن من يملكون ذاكرةً حاضرة عن القمع الذي عاشوه في بلادهم، هم أكثر من يعاني من عذابات المنفى. السوريون مثلاً لم يختبروا معنى التظاهر وحقيقته إلا في المنفى؛ فالمظاهرة في سوريا حرب مصيرية والمتظاهر مشروع شهيد. لكن الإحساس بالغربة كان موجوداً في بلادنا بفضل طغاة أجبرونا أن نغدو لاجئين! منفى مجازي أدّى إلى منفى واقعي. فلماذا استيقظ شعور الغربة هنا؟ ألأننا قادرون في منفانا الواقعي على التعبير، أم لأنها صدمة التغيير والتحدّيات الجديدة. ولماذا يلحّ السؤال عن معنى المنفى وعذاباته؟ أبسبب ما اعتدنا سماعه عن عالم (شرير) اسمه المنفى، يقابله عالم (حنون) اسمه الوطن في جملة أفكار معلّبة سكنت أدمغتنا. لا أعتقد، فتلك الغربة الموحشة يمكن تخيلها قبل مئة عام مثلاً، بغياب سبل التواصل مع الأحباب، ليس في عصر الإنترنت حيث يمكن لرجل في القطب الشمالي أن يحضر ولادة ابنه في إفريقيا على الـSkybe. على هذا لا يوجد شيء اسمه “المنفى” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. وربما نحن الذين نخلق “منافينا” في دواخلنا ونقرّر إن كان ما نعيشه منفى أم لا! فاللغة الجديدة لا تعود مشكلة مع الوقت، القوانين تصبح مفهومة، والمرء قادر على بناء وسط اجتماعي، وقادر على اعتياد الأمكنة وبناء ذاكرة جديدة معها. لاسيما أن غالبيتنا يعيش الآن الكثير مما حلم به قبلاً من حرياتٍ شخصية وعامة، وما نواجهه هنا من سلبيات العيش واجهناه مضاعفاً في بلداننا. ربما علينا اليوم إعادة تعريف الوطن كمكان متخيّل ميتافيزيقي. ليس قطعة أرض، ليس جغرافيا أو إثنية بل كذاكرة، ولأننا ببساطة كائنات من ذاكرة نحارب كي لا تمتصّنا الذاكرة نفسها كثقب أسود، ونوالد ذاكرتنا ونبنيها يومياً. فما اعتدنا عليه وسكّنا له قبلاً ليس الحياة كلّها. لا يمكن للحياة أن تتحدّد بمكان واحد وأشخاص معينين، بل في ...

أكمل القراءة »

المنفى الوحيد كان الوطن… كوابيس لاجئ سوري 2

*عمر دياب هذا النص جزء من نص طويل سينشر تباعاً لم تكن دمشق حبي، كانت كذلك منذ زمن بعيد. في سوريا الثورة تغيّر الكثير، دمشق التي أحبها هي تلك البقع التي خرجت منها مظاهرات “طيارة”، تلك الشوارع الصغيرة التي امتلأت باللافتات والمنشورات قبل أن نرميها، تلك الأحياء التي صدحت لأجل حمص ودرعا ودير الزور، أولئك الشبان الذين كانوا يخجلون أن يسِمَهم الآخرون بأنهم أبناء مدينةٍ صامتة. الصمت في الثورات هو أكبر عار يمكن أن يسبغك خلال حياتك! دمشق كانت تعني لي الجامعة فيما مضى، أيضاً لم تعد تعنيني العلامات والشهادات، كان يعنيني رفاقٌ موسومون بالتمرد، رأيت شباناً يجوبون دمشق من كفرسوسة إلى برزة وركن الدين معضمية وداريا والميدان ومخيم اليرموك والقابون، لا يضعون لثاماً ولا يختبئون خلف أسماء وهمية، يهتفون من الرئتين لا من الحنجرة، يصرخون ويمزقون صور الطاغية التي ألصقتها على الجدران أياد حاقدة. تغيرت حياتي وتضاربت الأفكار في رأسي، حراك الزبداني أقوى وأسرع بكثير مما يجري في دمشق، في جامعة الحقوق كانت الصرخة الأولى بالنسبة لي، أمسكنا أيدي بعضنا صفاً واحداً وهتفنا للشهيد الذي قضى في مظاهرة كلية العلوم قبل أسبوع، كنا تائهين جداً، لم نحسب خياراتنا جيداً، ولم يراودنا أي هاجس، سوى أننا كنا من الضالين. كنا التائهين والمخذولين، نحن الذين تجرعنا الخسارات، نتمسك بكل خيط جديد ونعود لننكسر مرة أخرى. كثيرة هي المرات التي نعتنا أنفسنا بالحمقى وإننا لم نفكر جيداً، الحقيقة أننا فكرنا كثيراً ولم نتوقع هذه اللحظة. لكننا في ذاك الزمن لم نكن نحسب خسائرنا، ولم نتعلم العد! في تلك الليلة كان علينا أن نخرج من الجامعة لنهتف: فكّوا الحصار عن درعا، ولم ننتبه للوقت الذي علينا استغلاله، لم تكن مظاهرة محكمة مثل التي بعدها بسنة. صديق لي قال إننا استمرينا 20 دقيقة، آخر ذكر أنها نصف ساعة. كنا خارج الوقت حيث الزمن أوقف كل شيء ليستمع لصراخنا. كانت الساحة مكتظة بالناس مثل يوم المجزرة أو كانت فارغة قاحلةً كصحراء، ببساطة لم نكن نتجاوز ...

أكمل القراءة »

ألمانيا… وطن بديل

د. هاني حرب* أكثر ما تتضح التقاليد الألمانية في الكرنفالات والمناسبات العامة، لاسيما أسواق الميلاد التقليدية، والتي تعكس الطبيعية الألمانية دينياً واجتماعياً، كالنقانق الألمانية، النبيذ الحار وغيرها من الأطعمة التقليدية الألمانية. استرعاني في عيد الميلاد الماضي كوخٌ صغيرٌ يتوسط سوق الميلاد، كان مختلفاً بألوانه والروائح المنبعثة منه وبمنتجاته من الفول المدمس، الفول النابت، الفلافل، الحمص.. أطعمة سورية بحتة كان الإقبال عليها رائعاً. كان الناس يصطفون كطابور طويلٍ، ينتظرون دورهم لتجربة الفول النابت مع الكمون وعصير الليمون. أخذتني خيالاتي إلى قهوة النوفرة وسط دمشق القديمة حيث ترعرعت، قبل أن أغادرها منذ أكثر من ١٧ عاماً لمتابعة أحلامي. أقف اليوم لأرى المهاجرين الجدد من أنحاء العالم، وخصوصاً سوريا يأتون إلى ألمانيا لبدء حياتهم الجديدة، لبناء مستقبلٍ جديدٍ في بلدٍ جديدٍ، ربما يحتاجون ويطمحون لتسميته يوماً ما.. وطناً. ولكن ما هو الوطن؟ وما هو مفهوم المواطنة؟ الوطن حسب تعريف معجم مختار الصحاح هو محل الإنسان، وأوطن الأرض ووطّنها واستوطنها واتّطنها أي جعلها وطناً، وتوطين الذات على شيء ما تمهيدها، أما في المعجم الوسيط فهو المكان، ويُقال “يطن” وطناً، أي أقام بِهِ، وأوطن المكان أي اتّخذهُ وطناً، والوطن مكان إقامة المرء ومستقره، ويُنسَبُ انتماؤه إلى وطنه سواء وُلد فيه أم في غيره. ومن هنا نفهم أن الوطن هو المكان الذي يتخذه الشخص للاستقرار. هنا في ألمانيا، يرتبط مفهوم الوطن من الناحية التاريخية، بالأصول الجرمانية التي قطنت منطقة ألمانيا والنمسا وجزءاً من هنغاريا وبولندا، وعليه كانت ألمانيا الكبرى خلال فترة الحرب العالمية الثانية وقبلها هي الوطن الحقيقي للعرق الآري الألماني! حتى بداية ١٩٩٠، عام الوحدة الألمانية، كان قبول الألمان بالمهاجرين الأتراك والبولنديين واليونان وحتى العرب هزيلاً جداً، حيث لن تجد في تلك الحقبة أي برلماني من أصول أجنبية، ولا أي لاعب أجنبي ضمن المنتخب الألماني لأي رياضة، كعلامةٍ واضحةٍ على عدم قبول المجتمع الألماني بالمهاجرين كجزءٍ من هذا الوطن. تبدل هذا الأمر مع دخول آلاف الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية، ومع موجات استقدام الروس ذوي ...

أكمل القراءة »

أسئلة “الوطن” التي لا تنتهي

طارق عزيزة * ما أكثرها تلك المفاهيم أو “الكلمات الكبيرة” شائعة الاستخدام والمتداولة بكثرة التي لا بد من التفكير بها والتدقيق في معانيها. فهي بمقدار ما تبدو عليه من بساطة و”بداهة” ووضوح لدى مستخدميها، إلا أنها في حقيقة الأمر بالغة التعقيد، إشكالية، بل ولا تخلو من الغموض أيضاً، إذ تحتمل أوجه فهم متعددة، لكل منها موجباته ووجاهته. أما ما يدفع للقول بضرورة إعادة النظر والتفكير ملياً في مدى الصحّة أو “البداهة” التي يُفترض أن معاني تلك الكلمات تحوزها، فلأنها ليست شأناً نظرياً بحتاً، ذلك أن الكيفية التي يفهمها من خلالها كل شخص، ومن ثم سلوكه وطريقة تصرّفه في ضوء هذا الفهم إزاء كل ما يتعلّق بها، تؤثر بشكل كبير في الكثير من الأمور العملية والمواقف التي يتخذها في حياته الواقعية. من بين تلك الكلمات/المفاهيم: “الوطن”، وهو ما أودّ في هذه العجالة إثارة بعض الأفكار والتساؤلات حول معناه، دون الادّعاء بجدّتها أو صوابيتها، وإنما على سبيل التمرين الذهني والدعوة لبسط النقاش في الموضوع. هل “الوطن” هو تلك البقعة الجغرافية من الأرض، التي يولد المرء فيها ويعيش عمره وتفاصيل حياته بين تضاريسها ووسط الناس الذين يقطنونها فحسب، أمّ أنّ أهلية تلك الأرض لأن تكون “الوطن” على نحو ما يُحمّل في الاستخدام الشائع من قيمة إيجابية، رهنٌ أيضاً بأن تتحقق فيه كرامة الفرد الإنسانية، بما يتضمنه ذلك من ممارسته حقوقه بحرية وقيامه بواجباته التي من المفترض أن تنتج عن رابطة “المواطنة”، أي العلاقة التي تربط الفرد بذلك “الوطن”؟ وبالتالي، ما الذي يتبقّى من معنى “الوطن” بعد أن يتمّ احتكاره من قبل طغمة مستبدة تماهيه بمصالحها، وتختزله بـ”القائد”، فتضيّق عيش “المواطنين”، تصادر حقوقهم وتغرّبهم عن وطنهم وهم فيه؟ وعلى اعتبار أنّ “الوطن” و”المنفى” يحضران في الذهن كمتقابلين، أفليست غربة الناس عن “الوطن” وهم فيه إحدى أقسى تجليات”المنفى”بما يعنيه من بعد وغربة؟ ولما كانت “الهوية” من المفاهيم والكلمات التي كثيراً ما تحضر في سياق المواضيع والمناقشات التي تتناول الكلمتين/ المفهومين السابقين (الوطن والمنفى)، يحضر السؤال: ...

أكمل القراءة »

لو كنت الآن في سوريا

ياسمين نايف مرعي* لو كنت الآن في سوريا التي أستحضرها، لكنت جالسة حول مدفأة المازوت مع باقي إخوتي، أمي، جدي وجدتي لأبي، ننهي أمسية ماطرة على ضوء “الكاز” وحكايات جدي عن ماضي قلعة الحصن عودةً حتى ثلاثينيات القرن الماضي، بظرف بالغٍ عودنا على إضافته لكل حكاية، حتى عندما يحكيها ثانيةً. كنا ننتظر أن يعيدها لنلتقط ما غيره على نسختها السابقة، لتتولد المتعة ويتجسد التجديد السينمائي في الحكايات، بأدوات جدي المرهفة، لكن غير المحدودة. ألتفت وأنا أكتب هذا النص، في محاولة لاستجماع أفكاري، نافذتاي تمسحان برلين شرقاً وجنوباً، أضواء ليلية متناسبة مع مدينة عالمية لكن منتجة، جهاز التدفئة قريب من درجته العليا، بما يكفي للشعور بدفء ترِف. قد لا تكون برلين مكاناً مناسباً للتفكير بالوطن وبمفهومه، وبتداعيات هذا المفهوم من علاقة بالوطن (مفهوماً ووجوداً)، وبما نتبادله مع هذا المفهوم وهذا الوجود من واجبات واحتياجات. قبل ٢٠١١، كانت العلاقة واضحة وبسيطة؛ المبدأ: نمشي الحيط الحيط وندعو الله بالستر، المساحة: تقتصر على ما يكفل تطبيق هذا المبدأ. أما الانتماء، فضيق حد الاكتفاء في قريتنا بمعرفة قبور الأجداد على قلتها. منذ ٢٠١١، كان التحول في العلاقة باتجاه المزيد من المسؤولية، بمعنى التغيير رغبة وفعلاً، التغيير السياسي، وما يترتب عليه مما حلم به السوريون. كان هتاف “سوريا لنا وما هي لبيت الأسد” أقدر على التحول بالناس، ولو عاطفياً، للقيام بأعباء الخدمات في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بعد أن كانت سرقة الكهرباء مثالاً في عهده، فرصة لتحصيل شيء ما من الدولة، على اعتبار انتفاء مفهوم الوطن، المصادر من قبل هذه الدولة. اليوم باتت العلاقة أشد تعقيداً؛ وبات الوطن نقمة على أهل الداخل، وحلماً بالعودة لأهل الشتات، ونحن من مواقعنا على امتداد خريطة هذا الشتات، نتساءل كل يوم مرات عن مدى قدرتنا على “الاندماج” في سبيل أن نصبح “مشاريع مواطنين” وتصبح لنا “مشاريع أوطان”. تجمعنا دون شروط المطاعم السورية، فقط بسبب الحنين، يجمعنا كذلك تراث غنائي نتهافت على أي مناسبة له، دون شروط أيضاً. ألمانيا ...

أكمل القراءة »

ما بين غربةٍ أعرفها… إلى مجاهل هذه الغربة

خلود شواف* كنت غريباً في بلدي، اعتدت غربتي بين أناسي، شيب غربتنا يعلو رأسي. ولكن هذه الأيام ولدقة اللغة العربية صرت رسمياً “الغريب” في بلدٍ ليس بلدي. كان ينقصني “ال” التعريف لكي أصبح كامل الغربة، “ال” التعريف عرّفت مانُكّر بي، فأصبحت غريباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يجتاحني شعور المضطهد عندما أمشي في شوارع الغربة، تحرقني جفوني أمام وجوهٍ لم أعتد رؤيتها. ليس هذا فحسب بل يجرحني الجهل اللغوي كطفلٍ يهزأ من عمري. ويُلزمني بتعلم لغةٍ غربية، وأنا بالكاد أتقنت تعقيدات لغتي.  أتذكر كم مروةً وبختني أمي وأنا ابن عشر كلما -تأتأت- بالحروف. اليوم ماذا تُراني فاعل؟ أدخل صفوف المدارس والطفل داخلي يقهقه ساخراً، أستيقظ صباحاً باحثاً عن النهار، باحثاً عن الشمس التي كانت خيوطها تتسلل لخوالجي تعطيني شيئاً من ذبذبات الفرح أمضي بها يومي. لكنّ النهاريمضي هنا ولا مكان لها، لاشيء سوى تعاقب الليل والنهار، كأنني أحيا في فيلمٍ سينمائي قديم بالأبيض والأسود. ألوان المسرح لا تلمس روحي، لانهر يموج ولاعصافير بألوانٍ قُزحية، حتى الشجرأمرُ به دون حاجةٍ لأتفيأ ظله، بل يبدو يائساً أكثر مني، ففي خريفٍ طويل سقطت أوراقهُ راجفة أكثر من جسدي تحت قميصي. يُبللني مطر كنت أعشق أن أمشي تحته لمجيئه بعد غياب، لموسيقاه التي تحرك فيني العشق، لرقة حباته وهي تلامس معطفي. اليوم أشعر به واخزاً، يبلل تراتيل روحي الماثلة خلف نوافذه، فأدخل أحدالمقاهي، أشرب قهوتي العربيةغريبة الاطوار، لتخذلني في كل مرة ولاتهبني الدفء الذي أرجوه، أطلبها مراراً علّ روحها بإحدى المرات تستحضر نفسها في حضرتي، لكن دون جدوى، لدرجة أنني في منزلي بدلت الفناجين أكثر من مرة، اعتقاداً مني أن أحرف العلة ممزوجه بزجاج فناجيني لكن لم يتغير شيء. حينها فقط أدركت عجزي عن إسقاط ما مضى على ماهو أمامي. رغم أن البنّ هو ذاته، لكنّ ما غاب هو أولئك الذين كانوا يشعروننا بحلاوة القهوة المرة، أولئك كانوا قطع السكر. أتركُ مقعدي البائس في المقهى وأخرج، أعبر الشوارع، أنظر الى ساعتي مستعيراً مصدر الاستغراب ...

أكمل القراءة »