الرئيسية » أرشيف الوسم : النص

أرشيف الوسم : النص

موشور الموت

رغدة حسن. في خضمِّ الفوضى التي تجنح لها الطبيعة، نجد إشعاعًا ناظمًا من قوانين التناسب، كما أننا نستطيع التنبؤ بكل شيء وقياسه بشكل حلقات إيقاعيّة، هذا ما قاله صاحب البشارة فيثاغورث: “الكون قائم على التناغم بين العدد والنغم”. وكما قال غاليلو “الرياضيات هي اللغة التي كتب بها الله الكون” هل تحققت هذه المقولات في سوريا؟ تناغم بين نغم آلات القتل وتعداد ضحاياها!؟ الحلقات الإيقاعية الرتيبة والمنتظمة التي تحاصر المدن السورية؟ لغة الموت والقتل الجهنمي التي يكتب الله فيها الآن تاريخ سوريا؟ وأين الله الآن من كل هذا؟؟ أرض صنّاع الحياة الحاملين أقواس التاريخ، من ثقبوا فجوات في عمق الأزمنة واستحقوا جدارة الأبد. أرض الألوان الممزوجة بإيقاعات الحياة الكثيفة، ترف الحرف الأول الذي فتح للبشرية فضاء الاكتشافات الأولى، أرض الأسطورة والحكايات المكتنزة سحرًا، محج عشاق المعرفة. أرض آلهة البانتيون الأوغاريتي؟ هل تغلب عليهم “موت” واستباح هذا الثراء المعرفي والعمراني والبشري، ليحقق طموحه الأزلي في التغلب على الخصوبة والنماء. أتى “موت” هذه المرة على متن الحديد الصلد، المصنّع في أروقة ساسة العالم، ليقضي على قمحنا المقاوم لليباب، موسيقانا العابرة للحدود، ألواننا المخبأة في شقوق الأوابد، ومنبت الشمس. “موت” المتسلح بموشور سحري، كهدية من سحرة اشتهروا باختراع مساحيق فتاكة، وأسلحة تغتال لون الفرح، ممتصًا أشكال الحياة وألوانها، عاكسًا لون الموت والخراب، ليصير هو اليقين المدرك، ويتحول الدم لمحبرة يخط بها السوري وصاياه. وإذا استرجعنا رؤيا الإله “أيل” في الأسطورة الأوغاريتية، “سنرى أن بعل مازال على قيد الحياة، حينها ستعود خصوبة الأرض، وخير السماء، ويسيل عسل الوديان، أن بعل حيٌّ حقًا لكنه فقط في براثن موت، الموت، يأتي الخبر إلى عناة. وفي حالةٍ من الغضب العارم: تقبض على الإله موت/ وتشقه بشفرة/ وتهوي عليه بمجرفة/ وتحرقه بالنار/ وتطحنه بحجر الرحى”. هذا النص الأسطوري المفعم بالمقاومة، مقاومة الموت ومفرداته وإعادة عجلة الحياة للدوران، هل يصلح أن نعتنقه مثالاً، لتجتمع من جديد آلهة أوغاريت في لغة واحدة ضد قانون الموت وسيادة القتل والإلغاء؟ أغلب العلماء والفلاسفة ...

أكمل القراءة »

الكتابة في رمال الحرب المُتحرِّكة

د. مازن أكثم سليمان* ليست الكتابة سوى فعل تحايُل! هكذا ببساطة هيَ التفاف على سيولة الوجود في العالم عبر فتح عالم جديد ليس أقلّ سيولة. بهذا المعنى يكون التحايل فعل تغيير بوصفه يُزيح ويُحوِّل ويُغيِّر، وبهذا المعنى أفهم مقولة هيراقليطس: “إنَّ المُعلِّم في معبد دَلف لا يُظهِر ولا يُخفي: إنَّهُ يُحيل ويُشير”. تساءلتُ مرارًا وتكرارًا منذ بداية الثورة السورية، ثمَّ تحوُّلها إلى حرب ضروس عن معنى أن أكتب، وما الدور المنوط بالكتابة في ظلِّ حركيّة صراع “إرادات القوى” على الأرض حسب تعبير نيتشه عن أصل الحقيقة. في هذا الإطار علَّمتني تجربة السنوات الأخيرة أنَّ فعل التحايل الكتابي يتضاعف مرات ومرات عندما يقيم الكاتب داخل خندق الخطر، ذلك أنه مُطالَب بوصفه إنسانًا أولاً بالوجود والصمود والاستمرار في عالم الحرب الوقائعيّ، وهو الأمر الذي يحاصره ويستبيح كيانه بعنف، ومُطالَب بوصفه كاتبًا ثانيًا أن يتمكَّن في قلب هذا الحصار وتلك الاستباحة أن يخلق مسافة رؤية زمنية تسمح له بخلق وجود جديد ومُغاير في عالم النص الذي ينبغي أن ينأى بنفسه قدر المُستطاع عن وهم المحاكاة الحَرْفيّة، والانفتاح وجوديًّا إلى الحد الأقصى ليكون وثيقة فنية تتجاوز راهنيّة الأحداث، ولا تكون عبئًا عليها، وهي المسألة التي تتحقق بجملة انعطافات دلاليّة تفيض بالجدّة والجمال، وهذا هو أسّ التحايل. أن أتحايل في الحرب -وعلى الحرب- يعني أن أهرب في اللغة وباللغة مثلاً من مطابقةٍ ساذجة مع حركة الشباب الهاربين من التجنيد أو المطلوبين إلى الاحتياط. أن أتحايل في الحرب -وعلى الحرب- يعني أن أحوِّلَ فكرة انقطاع التيار الكهربائي مثلاً إلى سردية ثانية تزيح الدلالة من راهنية المدلول لفتح الدال على ما يتجاوز معنى المولِّدة أو المازوت أو البطارية أو اللّدّات. أن أتحايل في الحرب -وعلى الحرب- يعني ألا أبقى عند سطح الألم الفادح الذي تسببه أمّ تجلس في برد كانون على طرف الرصيف وحولها ثلاثة أطفال طالبةً الإحسان؛ إنّما أن أصنع لها جناحين، وأن أمدَّ أطفالها بألعاب مجازية مُبدعة. أن أتحايل في الحرب -وعلى الحرب- يعني أيضًا ...

أكمل القراءة »