الرئيسية » أرشيف الوسم : المنفى

أرشيف الوسم : المنفى

افتتاحية العدد 38 من أبواب: اللغة الأم في المنفى!

علياء أحمد* في عام 1973 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً باعتماد اللغة العربية لغةً رسميةً سادسة، تُضاف إلى اللغات المعتمدة في الأمم المتحدة والهيئات والفروع التابعة لها: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية، نظراً لما للعربية من قيمة حضارية عمرها ألاف السنين، ودورها في نقل التراث الإنساني، ولأنها اللغة الرسمية في البلدان العربية الأعضاء، فضلاً عن أهميتها الدينية لدى المسلمين كلغة للقرآن الكريم. برغم أهميتها التي تقرّ بها أهم الجهات الرسمية والعلمية في العالم، إلا أن مكانتها عند الناطقين بها تتضاءل باطراد نتيجة عوامل مختلفة، كالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية في الدول العربية، مما يدفع بالمتعلمين للتركيز على تعلّم لغات أجنبية قد تتيح لهم فرصاً أفضل. كما أن طرائق التعليم في البلدان العربية دون المستوى المطلوب، مما يجعل تعلّم العربية أمراً غير ممتع. الأمر أكثر تعقيداً في حالة المهاجرين واللاجئين، لاسيما الأطفال منهم. فاللغة هي الحامل الثقافي الأبرز ضمن العناصر المكوّنة للهوية، لكن الحفاظ عليها أو تعلّمها في بلدان اللجوء ليس بالأمر السهل، خاصة وأن اللغة الجديدة ستحلّ محل اللغة الأم، وسينسى الأطفال مفرداتها تدريجياً لأنهم بدؤوا يفكرون بلغتهم الجديدة ويتعلمون من خلالها ويعتمدونها في التواصل مع محيطهم وأقرانهم، فأصبحت عنصراً هامّاً في تشكّل هوياتهم المستقلة. يتباهى الأهل ويتفاخرون بسرعة تعلّم أبنائهم للغة الألمانية مثلاً، الأمر الذي لا يلبث يتراجع ليحلّ محلّه قلق وحيرة، فالصعوبات تظهر في التواصل مع الأبناء! والتحدث مع الأهل بالعربية لا يعود يستطيعه أطفال كُثر، ومن كان منهم يجيدها في السابق يجد الآن صعوبة في استخدامها فيحاول تفاديها والاصرار على التحدث بالألمانية التي لم يستطع معظم الأهل التمكن منها، وبالتالي بدأت الهوة تتسع بين الجيلين وتتراجع مساحة التواصل العائلي. جيد أن تتنبه الدول المضيفة كألمانيا وغيرها لأهمية تعلّم اللغة الأم في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي، فتتيح الفرصة لتعلم اللغة العربية مثلاً في المدارس، إضافة لتقديم التسهيلات للمبادرات المجتمعية في هذا الشأن. إنه السبيل الأمثل الذي ينبغي اتباعه لمعالجة المشكلة بطرق مهنية وعبر قنوات رسمية موثوقة، لا ...

أكمل القراءة »

الفن، المنفى، اللعب

علي جازو*   اسمحوا لي أن أبدأ كلامي بلعبة كلامية، وأرجو ألا تكون مملة. لدينا كلمتان: الفن والمنفى، هما عنصرا اللعبة البسيطة المعقدة في آن واحد، بعد إضافة اللعب إليهما. سأستعير الألف الأخيرة من (منفى) وأعيدها إلى الياء التي هي أصلها، ثم ألصق الياء هذه بـ (فن). ما هي احتمالات القراءة هنا؟ أول الاحتمالات أن يصير (فن) إلى (فنيّ) صفةً، أو يتحول إلى (فَنِيَ) فعلاً ماضياً، والثالث هو (يفن)، أما الرابع فهو (نَفْيٌ)، واحتمالات لغوية أخرى عبثية! نحن أمام أفعال وصفات ومصادر. كلمة (منفى) تمنحنا بدورها خيارات، منها (مَفَنُّ) أي المكان الذي يمارس فيه الفنان عمله، وكذلك أدوات النفي: لا، لم، ما، لن (تحيل إلى الحاضر والماضي والمستقبل). يمكننا وضع الفاء محل النون (مُفْنٍ) فنجد القاتل، لكن (مُفنٍ) تعني أيضاً تخصيص شخص حياته كلها لشأن ما: (أفنى حياته في كذا)، أي خصصها وأفردها لشأن بعينه. في الحقيقة لم أكن أقصد اللعب فقط، فما أردت قوله من خلال اللعب أن المنفى متضمن داخل الفن كجوهر وليس كشيء طارئ أو دخيل، كما أن اللعب يحول المنفي من مشفق عليه إلى فاعل لاهٍ يزيل عن الشفقة طعمها المر، كي يعيدها إلى الفطرة، إلى الحس الإنساني المشترك. لم يكن السوريون، الفنانون خاصة، في نعيم قبل ربيع 2011. ولا داعي لتأكيد ما بات واضحاً للجميع عن حال البلد/ المسلخ البشري. معظم الذين التقيت بهم هنا في برلين ومدن ألمانية أخرى، عبروا عن شعور بالاغتراب والعزلة قبل اضطرارهم العيش خارج سوريا. تأتي عزلة الفن عن حاجة خاصة، لكن عزلة قسرية أحاطت بعالم الفنون في سوريا، شيئاً أشبه بحبس الهواء نفسه، وهذا ما يجعل الخارج أو الداخل مجرد ظرفين حياديين إزاء شعور عميق وصامت أحياناً بعزلة لم تأتِ عن طريق اختيار تلقائي. يبقى الفن وسيطاً، بين مكان مخصّص للعمل ومكان غير مختار للفناء. في الحالتين هو قائم على محلٍ خليطٍ، كما أنه على العكس من اللعبة، التي هي محض تكرار وتبديل لأماكن الحروف، ليس شأناً مجرداً عن ...

أكمل القراءة »

افتتاحية العدد 30 من أبواب: تساؤلات المنفى والوطن

روزا ياسين حسن* لم تكن المظاهرات التي خرجت مؤخراً في ألمانيا دعماً للانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، هي الأولى من نوعها للقادمين من بلدان الديكتاتوريات. فقد اختبر السوريون والعراقيون والإيرانيون وغيرهم ممن حملوا قضايا بلدانهم إلى المنافي مظاهرات شبيهة. للمفارقة فإن من يملكون ذاكرةً حاضرة عن القمع الذي عاشوه في بلادهم، هم أكثر من يعاني من عذابات المنفى. السوريون مثلاً لم يختبروا معنى التظاهر وحقيقته إلا في المنفى؛ فالمظاهرة في سوريا حرب مصيرية والمتظاهر مشروع شهيد. لكن الإحساس بالغربة كان موجوداً في بلادنا بفضل طغاة أجبرونا أن نغدو لاجئين! منفى مجازي أدّى إلى منفى واقعي. فلماذا استيقظ شعور الغربة هنا؟ ألأننا قادرون في منفانا الواقعي على التعبير، أم لأنها صدمة التغيير والتحدّيات الجديدة. ولماذا يلحّ السؤال عن معنى المنفى وعذاباته؟ أبسبب ما اعتدنا سماعه عن عالم (شرير) اسمه المنفى، يقابله عالم (حنون) اسمه الوطن في جملة أفكار معلّبة سكنت أدمغتنا. لا أعتقد، فتلك الغربة الموحشة يمكن تخيلها قبل مئة عام مثلاً، بغياب سبل التواصل مع الأحباب، ليس في عصر الإنترنت حيث يمكن لرجل في القطب الشمالي أن يحضر ولادة ابنه في إفريقيا على الـSkybe. على هذا لا يوجد شيء اسمه “المنفى” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. وربما نحن الذين نخلق “منافينا” في دواخلنا ونقرّر إن كان ما نعيشه منفى أم لا! فاللغة الجديدة لا تعود مشكلة مع الوقت، القوانين تصبح مفهومة، والمرء قادر على بناء وسط اجتماعي، وقادر على اعتياد الأمكنة وبناء ذاكرة جديدة معها. لاسيما أن غالبيتنا يعيش الآن الكثير مما حلم به قبلاً من حرياتٍ شخصية وعامة، وما نواجهه هنا من سلبيات العيش واجهناه مضاعفاً في بلداننا. ربما علينا اليوم إعادة تعريف الوطن كمكان متخيّل ميتافيزيقي. ليس قطعة أرض، ليس جغرافيا أو إثنية بل كذاكرة، ولأننا ببساطة كائنات من ذاكرة نحارب كي لا تمتصّنا الذاكرة نفسها كثقب أسود، ونوالد ذاكرتنا ونبنيها يومياً. فما اعتدنا عليه وسكّنا له قبلاً ليس الحياة كلّها. لا يمكن للحياة أن تتحدّد بمكان واحد وأشخاص معينين، بل في ...

أكمل القراءة »

الوجه السعيد للمنفى

مها حسن* تعلمت الكثير في هذه المنافي، على الأقل تعلمت أربع لغات حتى الآن. هكذا حدثني حسام، بطل روايتي الأخيرة (عمتِ صباحاً أيتها الحرب)، وهو يمزج الدعابة بالحزن. حسام الذي تركته في نهاية روايتي لمصير مجهول، حين تم رفض لجوئه في السويد، وقد أمضى عامان ينتظر الجواب، بعد أكثر من عام في اليونان، وقبلها عامٌ آخر في تركيا، صار مختصاً بأحوال المنافي واللجوء، وفي جعبته الكثير من القصص والأصدقاء، الذين يتعرف عليهم في بلد، ثم يتركهم ليبدأ حياته في آخر. وصلتُ إلى منفاي، منذ ثلاثة عشر عاماً، اختبرتُه طويلاً، وعايشت تفاصيله، إلا أنني أفكر بتخصيص كتاب عن أمراض المنفى وارتباكات الهوية، فليس للمنفى وجه واحد. يحلو لي الكلام عن الوجه السعيد للمنفى. رغم كل الصعوبات، فتح المنفى أمامي أبواباً للإطلال على حيوات مختلفة. منحتني أمستردام منزلاً أسطورياً، أمضيت فيه عاماً ساحراً مخصصاً للكتابة. ما كنت سمعت بآن فرانك لولا المنفى، ولا كنتُ أمضيت عامي ذلك في شقتها، لأكتشف حياة بشر آخرين عانوا قبلي، لأتعلّم منهم أنني لست مركز الألم، ولستُ الوحيدة التي فقدت وطناً وأهلاً وعائلة وبيتاً وأصدقاء. أحببتُ منافيّ بحذر، وفتحت أبواب قلبي، لناس مختلفين، صرتُ منهم بمرور الأيام. حتى قامت موجات اللجوء الهائلة، ففقد السوريون أمل البقاء على قيد الحياة في بلدهم، وطلبوا النجاة في أماكن أخرى من العالم. وهكذا انكسرت جدران منفاي التي أسستها عبر سنوات، لأدخل من جديد، تجربة المنفى، مع منافي أهلي وأصدقائي، كما حال منفى حسام. أتابع حسام منذ سنوات، منذ بدء الثورة، وأشاركه خبراته في منافيه المتعددة، يتغّير سريعاً من بلد لآخر. ألاحظ تغييراته بدقة. أتعرّف عليها مع أنها تغييرات نفسية لا تظهر في الشكل، حيث لحسام شخصية واضحة، لا يخفي مشاعره ولا يخاف أحكام الآخرين. يتطور وكأنه ينتقل من درجة لأخرى، متخفّفاً من أخطاء التربية الجمعية التي شكّلت شخصيته لا إرادياً. يفكك ذاته ويواجهها، ويربّي نفسه من جديد. ( أحب هذه البلاد، تعلمت فيها أشياء لم يكن بوسعي تعلمها في بلدي هناك)، يحدثني ...

أكمل القراءة »

رائد وحش: لا يعبر الماء مرّتين إلّا الغرقى!

فادي جومر. يتابع الشاعر الفلسطيني-السوري رائد وحش، خطّه النثريّ الذي انتهجه منذ بداية تجربته الشعرية المطبوعة الأولى في مجموعته: دم أبيض، الصادرة عام 2005 عن دار التكوين- دمشق، وتلته مجموعة: لا أحد يحلم كأحد، الصادرة ضمن منشورات احتفاليّة دمشق عاصمة الثقافة العربية عام 2008، ومجموعة: عندما لم تقع الحرب، الصادرة عن دار كاف- عمّان عام 2012. مقدّمًا نتاجه الجديد، مجموعة: مشاة نلتقي.. مشاة نفترق، الصادرة عن دار المتوسط ميلانو. في التجربة الجديدة، يظهر أثر الاغتراب أكثر جلاءً، وتبدو عين الشاعر مراقبة خارجيّة إلى حدّ ما، فهو يصطاد التفاصيل ليوصّفها، أكثر مما يعيشها، فالـ (أنا) قليلة الظهور مقارنة بالآخرين، قصصهم، لمحاتهم، ملامحهم، أحلامهم، وخيباتهم. رائد وحش: الأرض منفى ولا سعادة فيها إلا للسياح بين التكثيف الملخّص للحياة “الأرض منفى ولا سعادة فيها إلا للسياح” وبين الذهاب بعيدًا في التفاصيل “الطفلة مدفونة في ضريح من المكعبات الملونة” يتماهى الشاعر مع رحلة السوري من القصف إلى بلد اللجوء، ويكتبها لمحات تتناوب بين عالمين: الوطن والمنفى. معتمدًا على حكايا صاغتها إغماضة عين فكانت أحلامًا مرة، وكوابيس مرات أخرى. قسّم الشاعر مجموعته إلى أربعة أقسام: الشوارع تسير وحدها: بدت شخوص هذا القسم قدريّة، تقودها طرقاتها لا إرادتها، “عرفتُ أنا وصاحبي/ على طريق لا ينتهي/ أننا حين دفنّا ابن الريب/ دفنَنا في تلك القصيدة”. مع لمحات من الحكمة إن صحّ التعبير، لحقائق تعلمها الإنسان الممتد من القصف إلى اللجوء بأقسى طرق التعليم “لا يعبر الماء مرتين/ إلا الغرقى”. بريد الغرباء: رسائل أقرب إلى البوح، تكاد تقول: لا أبالي إن وصلت أم لم أصل، كل ما أريده هو أن أُقال، أن أُكتب، أن أخرج من قيد الفكرة إلى حريّة الأوراق. فيكتب إلى ابنه الذي لم يأتِ بعد: “يا ولدي المنذور للموت/ انج بنفسكَ، عدْ نطفةً ليس على بالها الخلق”. وينهي رسائله كاتبًا عن حلمه: “كان حلمي أن أخرج الأصوات من قصبة/ لمجرّد أن يرقص الناس/ وحين فشلتُ ذهبتُ للكتابة كنوع من التعويض/ فالناس يسمّون العازف شاعرًا”. من ...

أكمل القراءة »