الرئيسية » أرشيف الوسم : الغربة

أرشيف الوسم : الغربة

بين هنا وهناك!

مروة مهدي عبيدو* عالمان مختلفان ومتشابهان، بينهما بحر، يقف رافضاً بعناد الوساطة بينهما. من أراد العبور إما أن يملك رفاهية الطيران فوقه على أجنحة من حديد، أو عليه أن يقبل المغامرة بالحياة، مقابل أمل بتحقق حلم بعيد. تبقى بين العالمين صور متقطعة ومشاهد مكررة وصامدة، تختلف فقط في ألوان الخلفيات وصوت اللاعبين، ولون رائحة الخوف التي تسيطر على الأفق. أما أنا فبقيت معلقة بينهما في الذاكرة، تحييني صور من هنا، وتؤلمني صور من هناك، أحيا العالمين، وأقف مكاني بلا حراك… بلا زمن! هنا: أتذكر صورتي وأنا أشعر بنوع جديد من السعادة، حين رأيت تساقط الثلج الأبيض من السماء لأول مرة، حين نزلت إلى الشارع الواسع لأتابع تحوله إلى البياض شيئاً فشيئاً، مشاعر خاصة من البهجة ارتسمت فجأة في قلبي، استعيدها عاماً بعد عام. هي نفس المشاعر التي تنتابني وأنا اتتبع روائح الربيع، وألوان الأشجار التي تتحول في الخريف، لتتغير ألوان الخلفيات، وتمهد للحظات الصيف الحارة المباغتة. تحمل ذاكرتي أيضاً صوراً عدة لوجوه أطفال من الجوار، لا أعرف عنهم إلا ابتساماتهم لي، ونظرات بريئة تتعلق بي كلما التقينا مصادفة. صورة وجه جارتي العجوز تفرض نفسها على ذاكرتي دائماً رغم قدمها، تلك المرأة التي طالما قابلتني بابتسامة وحكايات كثيرة عن أولادها ورحلة حياتها الطويلة. كانت تحكي نفس الحكايات كلما التقينا صدفة، أمام المصعد أو داخله. لم أكن أعاتبها على التكرار، بل كنت أقدر أنها كانت تبحث عني، لتستعيد عالمها المفقود من خلال دهشة في عيوني، لتتأكد أنها لم تفسد اللعبة بعد، بل ربما نجحت في الوصول لبعض من أحلامها. غابت جارتي لأسابيع، وعلمت من الجيران انها مرضت بالزهايمر والتزمت المستشفى. التقيتها مرة أخرى قبل وداعها للحياة بأيام، ابتسمت لي كعادتها، رغم أنه بدا عليها أنها لم تعد تعرفني، وقالت: “أنا لا أذكرك تماماً، سامحيني… إنها لعنة المرض، لكني أذكر صدى مشاعر طيبة في قلبي لك”! هناك: بهتت خلفيات صور طفولتي من هناك بفعل الزمن، لم يبقَ منها إلا أصداء باهتة، لم يعد ...

أكمل القراءة »

مشكلة الارتباط في الغربة.. أمهات يبحثن عن عرائس على الفيسبوك، وفتيات يرفضن التسليع

رشا الخضراء* من السذاجة أن نعتبر موضوع العلاقات العاطفية و الارتباط موضوع ثانوي، أو نوع من الرفاهية بين القادمين الجدد في بلدان اللجوء. بل على العكس حيث أن غياب المجتمع الداعم ودائرة الحماية أو الراحة تجعل الارتباط حاجةً ملحة، أو على الأقل وجود علاقة أو صداقة عميقة. إنك تكاد لا تشارك اجتماع لشبان وشابات دون أن يمر الحديث عن الشعور بالوحدة أو الرغبة في الارتباط ، أو عن مشاكل العلاقات العاطفية وتعقيداتها من جهةٍ أخرى. ومن الواضح أن هناك عدة صعوبات بهذا المجال، أولها صعوبة اللقاء الأول، ومن ثم التوافق في ظل الاختلافات والخلافات العميقة بين السوريين، وبينهم وبين ذوي الجنسيات الأخرى. يقال أيضاً أن التفاوت بين عدد الإناث والذكور، والتباعد الجغرافي أيضاً، كما أنه في بعض المدن يكون التلاقي صعباً بسبب غياب النشاطات الاجتماعية والثقافية أو ندرتها. من المهم أن نأخذ بالاعتبار أنه ليتمكن الشخص من التواصل مع الآخر وتقبل شخصيته وتفهم احتياجاته ومن ثم تلبيتها، يتوجب عليه أولاً أن يفهم نفسه، وأن يعيد بناء ذاته بعد ما مر به من آثار الحرب واللجوء، ومن ثم محاولات بدء حياة جديدة. وهو أمر قد يستغرق زمناً قد يطول بحسب كل شخص، كما أنه يتطلب خصوصية فردية. كما يعتمد أيضاً على الخلفية الثقافية والاجتماعية وأحياناً الأكاديمية للفرد، ومقدار الذكاء الثقافي الذي يملكه ويؤهله للتعاطي مع الاختلافات الثقافية والانفتاح على العادات المغايرة بتقبل ودون ذوبان أو تخلي عن الأصل. ولا يمكن تجاهل أن الكثيرين مضطرون للبقاء ضمن إطار العادات المجتمعية السابقة مثل تحكّم أو تدخل الأهل باختيار الشريك، وجود شروط مالية صعبة، وتعقيدات اجتماعية تجعل الارتباط أشبه بصفقة أكثر من كونها حاجة عاطفية ونفسية للطرفين في المجتمع الجديد. فإذاً يمكن أن نعتبر أن المجتمع السوري يتعامل مع العلاقات العاطفية في الغربة بطرقٍ مختلفة، وهناك قسمٌ ينظر للأمر من منطلق ستر الإناث عن طريق اختيار الزوج الأنسب لهنّ مادياً واجتماعياً. وغالباً ما تتم زيجات كهذه عن طريق الأهل، فتبحث أم الشاب مثلاً ضمن مجموعات الفيسبوك، أو التجمعات النسائية على ...

أكمل القراءة »

أسود وأبيض!

مروة مهدي عبيدو* حين تقرر الرحيل، تأخذ خطوة واعية لقتل عالم بأكمله، وتنفخ روحاً في طريق جديد يولد. تشحب ألوان العالم القديم مع مرور السنين، وتتضح معالم الطريق الجديد في المقابل…تحاول أنت مستميتاً أن تنتمي… أن “تندمج”… لكنك لا تستطيع حتى النهاية، لأن هناك أشياء تخصك تبقى معلقة بين هذا العالم وذاك، تحاول أن تعيد ترتيبها أو سحبها للهامش، لكنها ترفض أن تنتهي وتصارع من أجل البقاء. تحاول أنت آلاف المرات أن تنقلها لصندوق الماضي، لكنها تأبي وتظل معلقة على الحواف، تتسلط عليك كلما غفوت… فتفيق على غربة… تنتصر عليك كل مرة، خاصة في اللحظة التي تتصور فيها أنك لم تعد غريباً بينهم! الرجل الأسود في القبو: بعد رحلات بحث طويلة عن وطن صغير دافئ، هرباً من شتاء المدن الباردة والشوارع الصاخبة، التقيت عجوز تبحث عن أحد ينقذها من صمت أطراف البيت المترامية، بعد سنوات من الوحدة المؤلمة. اهتمت السيدة في حوارها الأول معي، بأن تتحقق من تصوراتها عن الحياة على الضفة الأخرى من المتوسط. سألتني عن الشوارع الرملية في بلادنا، عن الجمال كوسيلة للتنقل، وعن تماسيح النيل المتوحشة. لقد وجدت في نافذة على عالم جديد، وبعض من ونس بعد الوحدة الطويلة. وضعنا خططا سويا، أرادت أن تتذوق أطباقا جديدة، وأن تسمع الألمانية بلكنة مختلفة، واتفقنا على اللقاء في الغد لنكمل خططنا، بعد أن وافقت على أن أسكن غرفة في منزلها، مقابل ألا أدعو أحدا إلي، وأن أخرج القمامة يومياً، وأنظف البيت أسبوعياً، وأن أدفع لها قيمة مالية شهرياً. عدت إليها في اليوم التالي محملة بحقائبي، وبآمال واسعة وبحلم بمكان دافئ للنوم، كاد أن يتحقق. طرقت الباب كثيراً، وانتظرت طويلاً. فتحت السيدة مساحة لا تزيد عن 10 سم من باب البيت، ومن خلالها رأيت عيونها من وراء سلسلة معلقة بين الباب والحائط، أخفت ما أتيح للرؤية، خرج صوتها إلي واضحاً بلا تردد أو جزع: “لن أستطيع السماح لك بالسكن معي، ابنتي تخشى علي من الملونين”. وأغلقت الباب سريعاً، قبل أن أفتح ...

أكمل القراءة »

هذا ما اجتمعت عليه اللاجئات السوريات في هولندا..

“حلقات الكلام” في حضرة رحاب شاكر خولة دنيا. كاتبة سورية مقيمة بين ألمانيا وتركيا “هدفي من نادي القراءة، هو سد الفجوة الثقافية والفكرية، التي يمر بها المهاجر في (بداية) حياته في بلده الجديد، بسبب عدم إتقانه للغة البلد، وعدم توفر الكتب والنشاطات الثقافية باللغة العربية، ولأن معظم النشاطات الثقافية في البلد لا تلامس هموم المهاجر مباشرة، وغالباً  لا تجذبه حتى ولو تعلم اللغة. أنا كمهاجرة عانيت في السنوات العشر  الأولى من الفراغ الثقافي القاتل، الذي يعيشه كل مهاجر. كل شيء جديد ولا نملك مفاتيح العالم الجديد، وليس عندنا من يوجهّنا، ولغتنا الأم التي نتطور من خلالها غير صالحة للاستخدام، أو بمعنى آخر أفلست. هاجرنا إلى هولندا قبل عصر الإنترنت والفضائيات العربية. هذا كان ليجعل كل مهاجر يعيش حالة من النكوص والكسل الثقافي والفكري والانعزال الاجتماعي، قلَّما يتمكن من تعويضها تماماً في وقت لاحق. وهو ينطبق على الجميع، الصغار والكبار. قليلون هم المؤهلون لتعلم اللغة الجديدة إلى درجة تنفتح لهم ثقافة البلد من غير عراقيل. وإذا كانوا مؤهلين للتعلم، فالأمر يحتاج دائماً إلى سنوات طويلة، قبل أن يتمكنوا من قراءة كتاب كامل بارتياح”. هذا ما تقوله رحاب شاكر حول نادي القراءة للسوريات الذي بدأت به منذ سنة. رحاب أم لطفل واحد، تسكن في هولندا التي هاجرت إليها مع عائلتها وهي في سن الخامسة عشرة. حصلت عام 2009 على ماجستير في دراسات اللغات والحضارات السامية/ قسم عربي، من جامعة أمستردام.  تعاونت لمدة ثلاث سنوات مع لجنة دعم الثورة من هولندا. كما أنها عضوة في شبكة المرأة السورية. تهتم رحاب باللغة والأدب والنسوية وحقوق الإنسان وسوريا وهولندا. سبق وقدمت لنا ترجمة “نزق المرأة” التحفة التي صدرت منذ نصف قرن في هولندا، والتي كانت الطلقة الأولى في الموجة النسوية الثانية، التي عمّت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وماتزال تترجم وتنشر مقالات تتناول مجالات اهتمامها وخاصة النسوية. تواصل رحاب قائلة: “طبعاً الوضع أفضل الآن  بسبب انتشار الفضائيات والإنترنت، ولكن لو نظرنا بالعمق، نرى أن الفراغ ...

أكمل القراءة »

مكتئب بعد الهجرة؟: استطلاع لآراء بعض اللاجئين حول مشاعر الكآبة التي تعتريهم.. وحلول خجولة

  *رشا الخضراء بعد معاناة طويلة عاشها اللاجئ ليصل إلى بلد اللجوء معتقداً أنه سيبدأ حياته الجديدة ويلقي خلف ظهره تلك التجربة القاسية فوجئ ببداية معاناة من نوع آخر. باتت كلمة “أنا مكتئب” شائعة بين القادمين الجدد في دول المهجر، يتبادلون الحديث عنها سراً أو علانية، أسبابهم مختلفة ولكنها تتقاطع في نقاط عدة. ولربما كان ما يمر به هؤلاء الأشخاص ليس الكآبة المرضية وإنما هو حالة إحباط أو حزن. وسأستعرض فيما يلي العديد من الأسباب التي ساهمت في هذه الكآبة من خلال مشاهداتي واستطلاع آراء بعض السوريين من حولي. لعل الصدمة الثقافية إحدى أهم الأسباب مع الاضطرار لمواجهة متغيرات كثيرة في مجالات متعددة وفي وقت واحد، في الوقت الذي لم يتعافَ فيه الشخص بعد من الرض النفسي بسبب ما حدث ويحدث في سوريا وفي رحلة اللجوء. وأولى هذه المتغيرات الاضطرار للعيش ضمن تجمعات تضم عائلات وأفراد من مختلف الجنسيات والخلفيات وانعدام الخصوصية، مما يؤدي لاندلاع شجارات على أتفه الأسباب. الشعور بالضياع حيث يتساءل الفرد؛ من أين أبدأ وكيف أتخطى صعوبات اللغة وعدم إعطائها الاهتمام الكافي، فأدى عدم إتقانها بدوره إلى الإحباط لأنه يحدد قدرة الفرد على التواصل والانخراط في المجتمع المضيف. عدا عن حقيقة أن على الجميع البدء من تحت الصفر لبناء حياة جديدة مهما كان قد تعب أو بنى طوال حياته ومهما كانت النجاحات والشهادات التي حصًلها في بلده، وهذا أمر يصعب تقبله من الجميع دون المرور بحالة من الحزن. شعور الوحدة النابع من افتقاد بيئة حاضنة شبيهة ببيئته السابقة هو أحد الأسباب المهمة أيضاً، وعدم القدرة على الانتماء لأي مجموعة أو مجتمع صغير يعوض الفرد عن العائلة، خاصة لمن جاء بمفرده تاركاً عائلته وراءه. لذلك سعى الكثير من السوريين إلى تكوين دائرة من المعارف العرب والسوريين من بيئات تشبه بيئتهم القديمة أو البيئة التي يفضلون التعامل معها بعد تغير رؤيتهم للحياة، وأصبحوا يحرصون على التجمع دورياً وحضور الحفلات والمنتديات، الأمر الذي ساعد العديد منهم على تخطي وطأة الشعور ...

أكمل القراءة »

رحلة طويلة ما بين خوفين

ابراهيم حسو* لم أترك سوريا كرهاً بها ولا حباً بأوروبا، سفري لم يكن مخططاً له، ولم يكن على لائحة حياتي المقبلة، سافرت لأمنح نفسي مشقة مغامرة ملتبسة، مغامرة البقاء على قيد وطن يذوب وينهار ككمشة تراب في يد طفل. أنا الذي حاربت كل الذين تركوا سوريا وخاصة هؤلاء المبدعين، كنت أعيش كل لحظات الحرب في دمشق مع قذائف الهأون ولعبة القنص المسلية على اطرافها، عائداً إلى القامشلي حيث تجربة اخرى مع الإرهاب الأسود (داعش) عشت خوفين طويلين، نزفت وقتها حياةً بكاملها عبر كتاب أصدرته في بيروت لم احصل منه على نسخة لظروف التنقل إلى هناك. عشت تجربتي في السفر الدائم إلى دمشق كزائر يفترض به أن يعود بعد أن ينال نصيبه من حنين وحب الحارات الدمشقية القديمة والانشطة الثقافية الصعبة التي كانت زاخرة ومشوقة ومشبعة بكل الطيف الجمالي وبعدها بحكمة شاعر مغامر أحمق انتقلت إلى أوروبا تائهاً في غابات بلغاريا وجبال صربيا حاملاً في حقيبتي كتاباً شعرياً لمحمود درويش (اثر الفراشة) وبضع أوراقٍ عبارة عن نصوص مختارة من قصائد كتبتها بين دمشق والقامشلي وتركيا. هكذا خضت تجربة الانتقال إلى بلاد أو متاهة نادرة هي ألمانيا، حيث تتمة الحكاية الأليمة التي أرويها لروحي اليابسة، حكاية شاعر يريد صياغة حياة أخرى، وقصص أخرى عن وطن وأرض وسماء تائهة، وبلمحة خيال اقتحمت متاهات الارض كلها، أنا الذي كنت اتنعم بحرية شخصية في بلدي رغم هجرة الكثير من عايشني كشعراء ومثقفين. اليوم أنا في طريق آخر أكثر وعورة من طرق بلادي، أحقق حريةً ليست حريتي، حريةً بمقاس ليس مقاسي، لقد كان ميلي أن أجد ضالتي في الكتابة هنا، حيث ثقافات متعددة في تحتدِ لا ينتهي، أن أجدد حياتي وحياة أسرتي وأبدو كاتباً صحفياً جديراً في صحيفة مغمورة. مغمورة؟ لا بأس طالما هي التي ستنتشلني من متاهتي وتعيدني إلى داخلي بوصفي كائناً متنقلاً من كارثة إلى اخرى، من أرض إلى أرض. *ابراهيم حسو – كاتب صحفي من سوريا مقيم في ألمانيا اقرأ أيضاً: قاعدة الخوف الذهبية ...

أكمل القراءة »

رمضان في الغربة: طقسٌ لترسيخ جذور الهوية الثقافية ورحلة الذاكرة لاسترجاع الماضي

ريتا باريش. مدونة سورية متخصصة في مجال المطبخ ومؤسسة مشروع “مطبخ غربة” بشكل لا إراديّ، ساقتني قدماي بعد انتهاء دوام العمل، في اليوم الأول من رمضان، إلى الشارع الذي يغصّ بمحلات البقالة العربيّة والتركيّة والأفغانيّة. لم أكن بحاجة إلى شيءٍ على وجه التحديد، ولأَكون أكثر دقةً، كنتُ أبحثُ عمّا هو أكثر من مجرد شراء “ربطة من الخبز وسطل من اللبن” اللذين خرجت بهما من أحد المحال، فيكونا مبرراً لدخولي. كنتُ ودونما وعيٍ منّي، قد انطلقت باحثة عن الانخراط في زحمة المتسوقين ولهفتهم لتأمين احتياجات أسرهم قبل أذان المغرب، كنوعٍ من التقاليد التي تميز شهر رمضان، وأثرٍ قد يمكنني اقتفاؤه في الغربة. تختلط اللهجات واللغات المحكية بين الناس،والمكتوبة كإعلانات للترويج للمنتجات، يجمعها كلمة واحدة مفهومة للجميع: رامازان، رامادان أو رمضان. ولكن، ما الذي يدفع كل هؤلاء الناس لإحياء الشهر بهذا الزخم بعيداً عن عائلاتهم وأسرهم في الوطن؟ وكيف يعيشون رمضان في مجتمع لا تسوده احتفالاته ومظاهره؟ وما الذي أصبح يعنيه لهم هنا في الغربة؟ بدأت بسؤال الأشخاص الأقرب إليّ، زميلتي في المكتب: فيليس ألمانية-تركية من الجيل الثاني. طفلة كانت عندما وفد والدها إلى ألمانيا في أوائل السبعينات بغرض العمل. اليوم ما تزال فيليس حريصة على اتباع العادات والممارسات التي ورثتها عن والديها. ومنها صوم رمضان. أسألها: ألا يتعبك صيام رمضان والجميع من حولك يمارس حياته بشكل عادي ككل الأيام الأخرى؟” تقول لي: “الأمر ليس بتلك البساطة، من جهتي لا أرى أن ممارسة الناس من حولي لحياتهم الطّبيعية هو أمر عليه بالضرورة أن يحول بيني وبين الصّيام. ولا حتى ساعات الصوم الطوال في صيف أوروبا حتى حلول المغرب مقارنة ببلداننا. إلا أنني لا أخفيك أن الجزء الأصعب بالنسبة لي كان ولا زال الشعور بالوحدة في رمضان. ففي أيام الأسبوع، أجد صعوبة في الصيام والإفطار في المنزل بمفردي، وأنتظر بفارغ الصبر نهاية الأسبوع حيث تجتمع العائلة ونصوم جميعاً ونفطر سويةً في الأجواء الرمضانية التي ألفناها”. “إذاً فالأمر مختلف هنا عن تركيا…” “أجل، أحياناً ...

أكمل القراءة »

الزواج بين مطرقة العادات وسندان الغربة

محمد حورية* تركت الحرب السورية آثاراها على مختلف نواحي حياة الشعب السوري، سواء من هم في الداخل أو في الخارج، ويعتبر اختلال التوازن الديموغرافي إحدى الآثار السلبية الكثيرة لهذه الحرب، ونتناولها هنا من حيث اختلال نسب الذكور إلى الإناث. حيث ذكرت عدة تقارير صادرة عن منظمات اجتماعية وسكانية، أن نسبة الإناث في سوريا عام 2010 كانت 49.8 % مقابل 50.2 % من الذكور، فيما ارتفعت هذه النسبة في عام 2016 إلى 60 % من الإناث مقابل 40% من الذكور، ويرجع هذا الانخفاض الكبير إلى الحرب التي حصدت أرواح الكثير من الشباب من مختلف أطراف النزاع في سوريا، إضافةً إلى هجرة الكثير من الشباب، مما أدى إلى انخفاض معدلات الزواج في الداخل السوري. ومع استقرار الكثير من الشباب في البلدان التي هاجروا إليها، فقد أصبح زواج السوري في الخارج من الأمور الضرورية بحكم أن معظمهم ضمن الفئة العمرية المناسبة للزواج. صعوبات زواج الشباب السوري في ألمانيا حصلت ألمانيا على أكبر حصة من تعداد اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا، ومعظهم من الذكور، وذكرت دراسة حديثة أعدها المكتب الاتحادي الألماني للاجئين والهجرة أن نسبة الذكور من اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا بلغ 71% مقابل 29% من الإناث. وأدى هذا الارتفاع في عدد الذكور مقابل عدد الإناث إلى انخفاض معدلات الزواج بين اللاجئين، ولكن يرى الكثير من اللاجئين أن هناك عقبات أخرى تقف في وجه الشاب السوري الذي يرغب بالزواج، ليس آخرها الطلبات التعجيزية من بعض الأسر، فيما ذكر البعض الآخر أن من أهم المعوقات التي تقف أمام الشاب السوري، هي حالة عدم الاستقرار التي تواجه الشباب في ألمانيا من عمل ومسكن ولغة … الخ ومن الصعوبات التي تواجه الشباب في ألمانيا أيضاً مسألة التواصل مع العرب الموجودين في كل منطقة، حيث نجد أن حالات الزواج ترتفع في أماكن تجمع العرب عموماً والسوريين خصوصاً فيما تنخفض في القرى والأرياف حيث يصعب بشدة إيجاد رفيق أو شريك. دور وسائل التواصل الاجتماعي في حل أزمات التعارف بهدف ...

أكمل القراءة »

نفحات من الحرب

خلود شواف لا حرية، لا أمان، لا سلام، والقضية دائرية لا زاوية تستطيع أن تقف فيها، إذاً لماذا فُتحت أبواب الحرب؟ لماذا فُرشت غُرف كوننا الصغير بالأسلحة، ولم اغتسل سكانه بالدم؟ ونحن من.. وإلامَ نتناهى في هذه الليالي الموحشة؟ نتلاطم بأمواج تفيض علينا بشدة متقهقرة أمام مدٍ وجذر لا نعلم إلى أين سيحملنا. الحرب قاسية جداً تتخلل أبسط تفاصيل حياتنا، تهِب قطعة من جهنم إلى يد الحياة ولا تبالي بشيء، تنتصب في وجه أمٍ فقدت أطفالها، تطل من شرفة طفل صرخ يبحث عن أمه. ربما تبتلع بألسنتها ضحايا لم ينادوا بالحرية ولم يطالبوا بالسلام، كانوا يبحثون فقط عن رغيفٍ يسد رمق حياتهم، لكن النار الجائعة أكثر منهم ابتلعتهم وأرغفتهم. فما الذي جرى؟ وعلى أي بركانٍ نتربع؟ أخذني الحال إلى مكان أود فيه أن أنزع نفسي عن حافة الحرب لأصل إلى الأمان، أريد ترك المقهى، لكن أخاف أن أغادر منها إلى السماء. ثم لابد من معطف واقٍ من رصاص طائش، ومناديل تجفف عرق الخوف من أن أصبح خلف القضبان، تتجمع الأحداث على يسار جسدي، تلامس أرصفةً باردة، تُطرق في الأرض بين قدميها، تضع ذاتها فوق صدري وأصابعها تلامس شجني. كأس الحرب ممتلئةٌ دماً، تحفر خنادقها في روحي، ثم أموات بقدر خلايا الجسد تُدفن تحت راحة قلبي. وعلى مقربة مني وطن جريح يصرخ من حنجرة الصبار، يضع رأسه على كتف جاره فيتركه يسقط. يحترق والدخان يتصاعد من عيونه وشفاهه وجسده. والماء لا يطفئ الحرب الا بانعقاد مؤتمر خارجي، فهل سيعقدون مؤتمراً مائياً لإطفاء حرب لهم ألسنة فيها؟ لا أراهم إلا يغسلون وجوههم فوق نارها، ينفضون غبار الريح أمام عيونها، وبسكاكينهم يرنون للأرض التي يقفون أمامها مثل كعكة الميلاد. أنا أكتب هذا في ليلة لم أجد فيها لفائف تبغي لأُخرج دخاني، ولم أجد سوى قلم أدخن منه بعضاً مني. اقرأ أيضاً: ما بين غربةٍ أعرفها… إلى مجاهل هذه الغربة لم شمل اللاجئين.. تساؤلات موجهة للمجتمع الألماني علّها تدفع الرافضين لإعادة النظر بلاد اللجوء ليست الجنة… ...

أكمل القراءة »

ما بين غربةٍ أعرفها… إلى مجاهل هذه الغربة

خلود شواف* كنت غريباً في بلدي، اعتدت غربتي بين أناسي، شيب غربتنا يعلو رأسي. ولكن هذه الأيام ولدقة اللغة العربية صرت رسمياً “الغريب” في بلدٍ ليس بلدي. كان ينقصني “ال” التعريف لكي أصبح كامل الغربة، “ال” التعريف عرّفت مانُكّر بي، فأصبحت غريباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يجتاحني شعور المضطهد عندما أمشي في شوارع الغربة، تحرقني جفوني أمام وجوهٍ لم أعتد رؤيتها. ليس هذا فحسب بل يجرحني الجهل اللغوي كطفلٍ يهزأ من عمري. ويُلزمني بتعلم لغةٍ غربية، وأنا بالكاد أتقنت تعقيدات لغتي.  أتذكر كم مروةً وبختني أمي وأنا ابن عشر كلما -تأتأت- بالحروف. اليوم ماذا تُراني فاعل؟ أدخل صفوف المدارس والطفل داخلي يقهقه ساخراً، أستيقظ صباحاً باحثاً عن النهار، باحثاً عن الشمس التي كانت خيوطها تتسلل لخوالجي تعطيني شيئاً من ذبذبات الفرح أمضي بها يومي. لكنّ النهاريمضي هنا ولا مكان لها، لاشيء سوى تعاقب الليل والنهار، كأنني أحيا في فيلمٍ سينمائي قديم بالأبيض والأسود. ألوان المسرح لا تلمس روحي، لانهر يموج ولاعصافير بألوانٍ قُزحية، حتى الشجرأمرُ به دون حاجةٍ لأتفيأ ظله، بل يبدو يائساً أكثر مني، ففي خريفٍ طويل سقطت أوراقهُ راجفة أكثر من جسدي تحت قميصي. يُبللني مطر كنت أعشق أن أمشي تحته لمجيئه بعد غياب، لموسيقاه التي تحرك فيني العشق، لرقة حباته وهي تلامس معطفي. اليوم أشعر به واخزاً، يبلل تراتيل روحي الماثلة خلف نوافذه، فأدخل أحدالمقاهي، أشرب قهوتي العربيةغريبة الاطوار، لتخذلني في كل مرة ولاتهبني الدفء الذي أرجوه، أطلبها مراراً علّ روحها بإحدى المرات تستحضر نفسها في حضرتي، لكن دون جدوى، لدرجة أنني في منزلي بدلت الفناجين أكثر من مرة، اعتقاداً مني أن أحرف العلة ممزوجه بزجاج فناجيني لكن لم يتغير شيء. حينها فقط أدركت عجزي عن إسقاط ما مضى على ماهو أمامي. رغم أن البنّ هو ذاته، لكنّ ما غاب هو أولئك الذين كانوا يشعروننا بحلاوة القهوة المرة، أولئك كانوا قطع السكر. أتركُ مقعدي البائس في المقهى وأخرج، أعبر الشوارع، أنظر الى ساعتي مستعيراً مصدر الاستغراب ...

أكمل القراءة »