الرئيسية » أرشيف الوسم : العدد 36

أرشيف الوسم : العدد 36

الطريق نحو المساواة في ألمانيا مازال طويلاً… التمييز الجنسي والعمري في مكان العمل

كتبت المقالة بالألمانية: لانا إدريس ترجمتها إلى العربية: تهاما حسن   يمكن للممارسات العنصرية أو التمييز الوظيفي وعدم المساواة في مكان العمل في ألمانيا أن يكون سبباً للإحالة للقضاء، على الرغم من أن قلة من المتضررين يقومون بهذه الخطوة. فهل نحتاج إصلاحاً أو إعادة تشكيل لقانون المساواة العام؟ وفق روابط العاملين، الأحزاب اليسارية، اتحاد العمال ومن لف لفهم: نعم! يحتاج قانون معاداة التمييز، كما يدعى عادة في اللغة اليومية، للترميم، أو بعبارة أخرى يحتاج إصلاحاً موجهاً نحو الهدف. ذلك أن اثنا عشر عاماً مضت منذ تم وضع القانون، ولابد من أخذ الدروس منها، ذلك أن القانون لم يُحدث تغييراً جذرياً معتبراً. أما مناسبة الحديث فهو النقاش الدائر حالياً حول الأمر إلى جانب حكم صدر حديثاً بعدم الإيجاز للكنائس في ألمانيا بممارسات استثنائية في هذا الشأن، وما ترتب عليه من محاولات طرفي الصراع (مؤيدي ومعارضي للقانون) هزم الآخر وثنيه. إذا ما تم العمل على تعديل القانون المذكور أعلاه فسيلقى معارضة ممثلي الحركة الاقتصادية، التي هددت بتضرر نمو الشركات الألمانية أو ما ندعوه بالكأس المقدسة، حسب ادعائها. فلنتذكر معاً العام 2006، عندما دخل القانون حيز التنفيذ عمّت موجات عارمة بل تسونامية من الاحتجاج، كما تم التنبؤ بأسراب من رافضي التمييز الوظيفي وبتعويضات خيالية ولكن ما الذي حدث فعلاً؟ ليس الكثير حقاً. إذاً لم علينا الإذعان لحدوثه هذه المرة ومن لديه الرغبة الحقة في إعطاء هذا الانطباع؟ نتساءل وفي نيتنا إيجاد الحل، ما الواجب فعله؟ اعتبرته المديرة السابقة للهيئة الاتحادية لمكافحة التمييز “كريستين لودرز” عام 2016 وضمن الاحتفالية بمرور عشرة أعوام على القانون إياه نقلة نوعية. ولكن بالعودة للدراسة الأخيرة والكبيرة التي كلفت بإجرائها الهيئة الاتحادية لمكافحة التمييز عانى حوالي 50% من الشعب بين عامي 2014/ 2016 من التمييز الوظيفي، ما يعتبر رقماً مهولاً. أعلى النسب والبالغة 14,2% كانت بسبب العمر و9,2% بسبب الجنس، الأمر الذي لا يدعو للاستغراب. على الرغم من فضل القانون المذكور أعلاه في تحقيق القبول العلني للمساءلة القانونية، إلا أنه لم ...

أكمل القراءة »

بيوغرافي فنان العدد – الفنانة السورية نغم حديفة : الأخضر يعمّ بدهشته على العالم

بقدر ما يبدو واضحاً شغف الفنانة التشكيلية السورية “نغم حديفة” بالرسم وتقنياته المبتكرة، بقدر ما تشغلها بحوثها في الفنون وتاريخها، وبقدر ما يشغلها المعنى والمفهوم الفني والأخلاقي للعمل، بقدر ما يبدو هاجس التكنيك حاضراً في عملها، هي التي تصنع ألوانها بنفسها خالطة زيت الكتان بالصمغ والألوان وصباغ الجوز وغيرها من المكونات لتخلق ألواناً لها بصمة خاصة بها. ولدت “نغم حديفة” العام 1981 في قرية الكفر التابعة للسويداء جنوب سوريا، ودرست الفنون الجميلة في دمشق وكذلك الدراسات العليا (قسم التصوير)، قبل أن تغادر إلى فرنسا لتكمل هناك دراسة تاريخ الفن وتنال الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون بباريس. شغفها البحثي جعلها تقضي سنوات في دراسة مفصلة عن الوجوه لدى الفنان السوري العالمي “مروان قصاب باشي”، وعليها نالت شهادة الدكتوراه بامتياز شرف مع شهادة تقدير بالإجماع من قبل اللجنة المحكّمة العام 2015، وقد نشرت رسالة الدكتوراه في كتاب طبع بالفرنسية وحمل اسم: “مروان وجهاً لوجه” عن دار “بيتر لانغه Peter Lang International Academic Publishers” بسويسرا العام 2018. في السنوات التي قضتها “نغم حديفة” تحضّر لرسالتها انشغلت ببحث فني آخر، لا يقلّ إثارة، وهي دراسة مقارنة بين الشرق الأوسط والغرب بما يتعلّق بموضوعة الوجوه، ليس بمنحى فلسفي وفني فحسب بل بمنحى أنثروبولوجي، بمعنى نبش تاريخ الوجه كتيمة قديمة قدم فنون البشر، تلتصق بالجنائزية والموت والخلق! كما تلتصق بثقافات المنطقة، كاكتشافات الوجوه الجصّية وتماثيل الوجوه في تل الرماد الأثري بسوريا. أثّرت الدراسات الفنية النظرية كثيراً على تطوّر الأداء الفني لـ”نغم حديفة” هي التي تعتبر الثقافة الفنية مغنية للفنان ولكن خطيرة، لأنها قد تهدّد عفوية العمل الفني، الأمر الذي يجب ألا يتنازل عنه أي فنان. لكن ذلك الإصرار على العفوية لم يمنعها من الاشتغال لسنوات على بعض لوحاتها، فظلت تشتغل على لوحتها “قميص نوم 2” مثلاً لأكثر من 11 عاماً، واستمرت بعض مشاريعها لسنوات، لتتنقّل معها من وطنها سوريا إلى باريس. منذ العام 2002 وحتى 2006 انشغلت نغم برسم أدوات الرسم، لتتوّج عمل تلك السنوات بمشروع ...

أكمل القراءة »

الزوج في غرفة الولادة… مهمة صعبة وضرورة لا بد منها رغم التقاليد

د. نهى سالم الجعفري* “هل ترغبين بوجود زوجك في غرفة الولادة؟” توجهت بسؤالي هذا لآلاف النساء على مدى سنوات من ممارسة المهنة، الموافقة كانت بالإجماع ولكن يتبعها تساؤلات عدة وخوف وعدم اقتناع تام رغم أنها رغبة الجميع. لحظة الولادة هي الأجمل والأصعب في آن واحد في حياة كل امرأة، وهي نتاج مشروع الحياة الزوجية المتكاملة، وغالباً ما تحتاج السيدة إلى دعمٍ نفسي ومشاركة من الزوج ليواسيها ويدعمها نفسياً ويخفف من آلامها وخوفها من المجهول، ويشاركها فرحتها بقدوم مولودهما الجديد. لذلك فإن وجود الزوج الواعي المدرك بشكل كافٍ لأهمية هذه اللحظة مهم جداً، ويعطي إضافةً لا تعوَّض لعملية الولادة. والأزواج الذين حضّروا تحضيراً كافياً لذلك يكونون أكثر حرصاً على مشاركة هذه اللحظة والقيام بدورهم الفعال. لذلك نجد في الدول الأوروبية عموماً مشاركة واضحة للزوج منذ الأشهر الأولى في الحمل، عبر المشاركة في الزيارات الدورية للطبيب ومتابعة مراحل الحمل مع الزوجة من منطلق الشعور بالمسؤولية وإدراك أهمية مشاركته في هذا الحدث بما يوازي أهمية مشاركته في التربية وتنشئة الأبناء، وفي بعض الدول كألمانيا يحصل الزوج على إجازة أبوة تصل إلى سنة أو أكثر ومكافأة مالية. أما في الوطن العربي فيعتبر هذا الأمر دخيلاً على عاداتنا وتقاليدنا، ونجد الزوج غالباً غير متأهبٍ للحضور، لعدم وجود الوعي الكافي لأهمية مشاركته من جهة، ولعدم مبالاته من جهة أخرى، حيث تُعتبر الولادة موضوعاً نسائياً بحت، يجب عدم التدخل فيه، والمجتمع يؤيد هذه الفكرة ويتداولها، وأعتقد برأيي الشخصي أن الرجل في بلادنا غير مؤهل تربوياً أو نفسياً أو اجتماعياً ومن هنا يصعب علينا توقع ردود أفعاله تجاه هذا الموقف. إحدى مريضاتي مارست الضغط على زوجها لحضور الولادة، فانتهى الأمر به إلى الإغماء مما سبب ارتباكاً وتشتتاً بالعمل، لعدم توفر الوعي حول كيفية التعامل مع هذا الموقف. وهناك حالات أخرى يكون لوجود الزوج تأثير سلبي يتفاوت حسب نفسية وطبيعة الشخص؛ فقد تتأثر مشاعره تجاه زوجته وربما يفقد الرغبة بها، أو قد يشعر بالذنب لأنه هو السبب في تعرضها ...

أكمل القراءة »

بورتريه مهاجرون في ألمانيا: الدكتور عمار عرب

إعداد ميساء سلامة وولف  في هذه الزاوية نعرّفُ القراء بشخصيات من المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا منذ سنواتٍ طويلة، وتمكنوا من إعادة بناء حياتهم ومستقبلهم بعيداً عن أشكال وحدود الانتماء التقليدي، وحققوا نجاحات في مجالاتٍ عديدة، فاحتضنتهم هذه البلاد وصارت لهم وطناً. هو الابن البكر لأسرة دمشقية متوسطة، وُلد في مدينة دمشق العام ١٩٧٨. واجتاز الثانوية العامة بتفوق ليختار كلية الطب البشري بدمشق لدراسته الجامعية، وتخرج منها العام ٢٠٠١. اهتمامه بالجراحة العصبية جعله يتابع اختصاصه في هذا المجال في مستشفى دمشق التابع لوزارة الصحة. وهناك أنهى فترة تخصصه هذا بأعلى المعدلات. طموحه لم يتوقف هنا، فحاول الحصول على منحة لتعميق اختصاصه في أوروبا، لكنه لم يتمكن من الفوز بها بسبب عدم وجود “واسطة”، الأمر الذي كان في غاية الأهمية في سوريا كما هو معروف، لذلك فقد قرر السفر على حسابه الشخصي إلى ألمانيا في العام ٢٠١٠، بعد حصوله على قبول من إحدى المشافي هناك لتعميق اختصاصه في مجال الجراحة العصبية الدماغية المجهرية، مع أن تدبّر الأمور المادية آنذاك لم يكن شيئاً يسيراً. في ألمانيا عانى د. عمار عرب، كما غيره الكثير من المهاجرين، من بعض التمييز ضده في سعيه للحصول على شهادة Facharzt الألمانية، لكن إصراره على تجاوز العقبات التي واجهته مكّنه من الحصول على الشهادة، ثم التعيّن كاختصاصي في مستشفى مدينة كوبلنز التابع لجامعة ماينز الألمانية. هناك عمل على تعميق اختصاصه في مجال الجراحة المجهرية الدقيقة للدماغ، وجراحة أمهات الدم الدماغية، واستئصال الأورام العصبية والآفات الوعائية للدماغ بطريقة minimal invasive surgery، وجراحة تثبيت العمود الفقري باستخدام O-Arm وتقنيات الروبوت وNavigation. العام ٢٠١٨ كان عاماً مليئاً بالفرص والنجاح، فقد عُرضت عليه فرصة العمل في سلسلة مشافي Westpfalz-klinikum  في مدينة Kusel التابعة لمنطقة كايزرسلاوترن، والتابعة علمياً وإشرافياً لجامعتي هايدلبرغ وهومبورغ المعروفتين. وعرض عليه العمل بصفة Oberarzt للجراحة العصبية، كذلك أتيحت فرصة الحصول على تحت اختصاص بمجالNeurochirurgische Frührehabilitation  إعادة التأهيل الجراحي العصبي، وهو اختصاص موجود في قليل من دول العالم. وبعد التحاقه ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج3 والأخير

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن يمكن للخسارة بالطبع أن تخلق شيئاً جديداً، بمعنى أن يتحوّل الفراغ والفقد الذي يعيشه المنفي إلى شرطين ومطلبين أساسيين لبدء مشروع جديد، فيُملأ الفراغ بالحياة، والفقد بالبناء والعلاقات والقصص والخبرات الجديدة. لذلك فإن إعادة خلق المعنى المفقود أمر ضروري جداً، هذا يعني أن الكتابة وجميع عمليات وأشكال إنتاج المعنى تنوجد حين يكون معنى الحياة والعالم مهدّد للغاية، تماماً كما يحدث في المنافي، كأنها تترسّخ لتغدو أقرب إلى موارد قيمة أو مصادر حيوية للحياة. مع ذلك ثمة حقيقة تبدو أقرب إلى عزاء صغير، فخسارة المنفي، كما عبّر “إدوارد سعيد” بوضوح كتابه “في تأملات حول المنفى”، تبقى غير قابلة للتعويض، الأمر الذي يطرح أمامي معضلة غير قابلة للحل، فمن ناحية أعتقد أن الواقع الحقيقي مهم أكثر من أي فن، ومن ناحية أخرى فالواقع الافتراضي هو ما يمكن أن يعطيك القوة حين تتفاعل ثانية مع الواقع الاجتماعي الحقيقي. ومع ذلك أعتقد أن ليس علينا محاربة أي شيء بقدر ما علينا محاربة (الواقع الصناعي) واستبداله وتغييره! وعلى البشر حول العالم أن يتّحدوا لأجل ذلك، فكل شيء حقيقي ومهم اليوم مهدّد بالاستعاضة عنه بالافتراضي والصناعي بدل الواقعية المحيطة، حيث ينشغل الأطفال يومياً بها ولساعات طويلة وهم عائدون إلى بيوتهم التي لم تعد موجودة! تبدو جهود وزارات الأوطان المشكّلة حديثاً، أو وكلائها، مثيرة للسخرية بل ومحزنة، كما قال شاعر عراقي قبل بضع سنوات: “أن تملك وطناً فهذا يعني كثيراً من سوء الحظ، وألّا تملك وطناً فهذا يعني الكثير من سوء الحظ كذلك”. يبدو من العبث حقيقة التحدث بأمور مشابهة من موقعي كألماني غربي مشبع بالرفاهية، ومع ذلك من المهم أن تتضافر وجهات النظر المختلفة والقصص معاً، بمعنى أن نضع قصصنا ضد التفرقة لفهم هذا العالم بشكل أفضل، ولنقترب خطوة أكثر من بعضنا. ربما هي آثار الماضي غير الواعية التي تؤثر على واقعك المباشر دون أن تكون جزءاً حقيقياً منه، كحقيقة أن أجدادي مثلاً كان عليهم أن يغادروا ...

أكمل القراءة »

زاوية حديث سوري: وحشا الهالوين على بابي

زاوية شهرية يكتبها بطرس المعري* تبدأ هذا الشهر الاحتفالات بعيدي الميلاد ورأس السنة، فتتزين مراكز المدن الألمانية والغربية عموماً وأحياؤها الكبيرة بـ “أسواق الميلاد”، كما تتلألأ الشوارع والمتاجر بالأضواء وبالشجرة الشهيرة بكراتها البراقة وبشخص بابا نويل. منا من اعتاد هذه المظاهر وأحبها، ومنا من وجد فيها إسرافاً وابتعاداً عن قيم البساطة التي عاشها صاحب العيد الحقيقي، السيد المسيح، فصار الأمر بالنسبة إليه مناسبة للتبرم. وقبل هذا العيد، عيّد(نا) مع الغرب عيد الهالوين، وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي هجوما كبيراً على طقوسه، على اعتباره أنه يحتفل بالموت والأكفان وبالأشباح والشياطين، كما اعتبره البعض كفراً أو ابتعاداً عن التدين. في الحقيقة هناك شيء من الصحة في كل هذا، لكن ما يزعجنا بالفعل، ليس الأمر الديني على أهميته بالنسبة لمجتمعاتنا، بل هو كمّ البذخ والإسراف في هذه المناسبات، أو لنقل كم التجارة التي تروج خلاله. يقول أحد الأصدقاء إنه “ضد استيراد الأعياد الغريبة عن ثقافتنا”، بل هو مع أعياد الناس الأصيلة الشعبية التي تجمعهم وتسعدهم مهما كانت إمكانياتهم المادية متواضعة. ولكننا لا نستطيع أن نتّهم الغربي فقط بالإسراف، طالما يسرف الميسورون من أبناء جلدتنا أيضاً في أعيادهم كما الغربي وربما أكثر. كذلك لا يمكننا أن ننكر أن الأفكار الاستهلاكية قد غزت مجتمعاتنا، فصرنا نهتم بالطقوس أو الاحتفالات المدنية والمادية أكثر مما نهتم بقيم الأعياد وجوهرها. ونحن إن وجدنا هنا في الغرب هذه المظاهر أقوى وأوضح، فذلك مرده كما نعرف جميعاً إلى غنى البلاد بأغلب أهلها، وبالطبع هذا الغنى هو من نتائج العمل الجاد لا الكسل والفساد! كنت كغيري من الشرقيين، لا أكترث للأعياد المستوردة على قول صديقنا، وهذا الهالوين لم أحبه من أول لقاء معه جرى في باريس قبل أكثر من عقدين من الزمن. لكن في هذا السنة جرى أمر بسيط جعلني أتأمل قليلاً في الأمور وأراجع نفسي. فقد سمعت مساء يوم الهالوين جرس مرسمي يرن، وكنت أتوقع قدوم صديق، فاستغربت أنه قد أتى من دون أن يؤكد حضوره هاتفياً كعادته. ضغطت على ...

أكمل القراءة »

زاوية يوميات مهاجرة 1: صديقتي البرجوازية في طابور اللاجئين

د. نعمت الأتاسي* لصديقتي السورية بورجوازية الأصل حكاية أخرى مع المنفى لا تشبه بقية الحكايات. فبعد عدة أشهر من الهجرة المرًفهة مادياً وفكرياً قضتها في باريس، بدأت تسمح لنفسها أخيراَ بالتفكير بطريقة واقعية. مرحلة الانتظار لشيء ما كانت تجهله قد مضت، أمورها المادية أخذت تتصاعب، لا وجود رسمي لها، وهي ما تزال تصُر على لعب دور السائحة المثقفة في عالم لا يعترف بالسياح الأجانب إلا كمحفظة نقود. مع مرور فترة من الزمن اضطرت صديقتنا أن تدخل حيُز الفراغ الرمادي، وذلك بانتهاء صلاحية أوراقها الثبوتية. وعليها اتخاذ أصعب قرار للدخول إلى ما أسمته: قفص اللجوء الذهبي. استيقظت صديقتي باكراً لتذهب إلى المكان الذي سيسمح لها أن تبدأ المرحلة الأولى، لتصبح رقماً بين بقية الأرقام. تسلّحت ضد البرد بشالها الصوفي ذي الماركة العالمية وهي تقول في نفسها كنوع من أنواع العزاء الذاتي: “لا يهم هذا التناقض، فأنا بكل الأحوال لم أشتر هذا الشال وإنما كان هدية من شخص ما في حياتي السابقة”. تحسباَ للانتظار الطويل أخذت معها بعض (الكرواسان) وملأت الترمس الذي كانت قد ابتاعته من (ستارباكس) بالقهوة الساخنة. وأخيراَ وبما أنها تعتبر نفسها من الجالية المثقفة، فلم تنس كتابها الذي كانت تقرأه بتمعن (البحث عن السعادة)! في تمام الساعة السادسة صباحاً وصلت صديقتنا مقر المؤسسة لطلب اللجوء، معتقدة بأنها ستكون من أوائل الموجودين، لتجد أمامها المئات من الشباب والنساء من كل الجنسيات. تملكت الحيرة نفسها وبدأ الخوف ينهش قلبها، خصوصاَ عندما بدأ بعض الشباب بالتصفير– وإن كانت قد استبعدت تماماً فكرة الإعجاب بها وذلك لتقدم عمرها- وهنا لم تمنع نفسها من الابتسام والتكلم مع نفسها: “قد يكون هذا بسبب الشال”. بعد فترة من الحيرة أخذت دورها بين مجموعة الشباب وبدأت تتبادل معهم بعض الكلمات، وبلغة هي مزيج من العربية والانكليزية والفرنسية استطاعت التواصل معهم. تقول صديقتي: تأخذ المناقشة طابعاً طريفاً، فلا حاجة لقواعد اللغة للتواصل، نحن بحاجة فقط لمهارات يدوية في الإشارات. = أنت من وين؟ سودان؟ – أنا سوريا.. – ...

أكمل القراءة »

مثل نهر حيث الفضاء شحيح: ملاحظات عن اللجوء والاندماج

  ضحى عاشور* تعليقاً على المناظرة الأخيرة بين مارين لوبن وماكرون العام الماضي، قال أحد الصحافيين: “لم ينقص المناظرة إلا قفازات الملاكمة”. حمّلت لوبن مسؤولية معظم الأوضاع المتردية في فرنسا إلى اللاجئين والسياسات الحكومية المتساهلة معهم، وطالبت بطرد قسم منهم والتوقف عن استقبال المزيد، وحرمانهم من حقوق الصحة والتعليم المجانيين وحصرها بالمواطنين الفرنسيين. وللأمانة لم تذكر لوبن السوريين، لكنها كانت ساخطة على الجميع والأجانب عموماً، ودعت إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوربي، معللّة كل مطالبها بأن الفرنسيين “يشعرون بأن هويتهم وسيادتهم تُنتزع منهم”. لم يكسب ماكرون المناظرة فحسب، بل فاز بالرئاسة أيضاً. لكنه في خطاب التنصيب أكد “يجب التغلب على الانقسامات والتمزق في مجتمعنا”، وأشار في أكثر من مناسبة إلى تفشّي التهرب الضريبي واستغلال النفوذ والاثراء غير المشروع في المستويات العليا، وكان قد قطع في برنامجه الانتخابي ستين وعداً بينهم: تخفيض النفقات العامة، كما الضرائب على الشركات (كانت لوبن قد اتهمته بدعم العولمة المتوحشة)، ترميم مليون منزل، خفض البطالة، توظيف عشرة آلاف شرطي جديد، وزيادة خمسة عشر ألف مكان في السجون. هذه إشارات سريعة إلى طبيعة الأزمة التي تواجه الجمهورية الفرنسية، وتجد تعبيراتها في الشارع حيث الاضرابات ضد قانون العمل مازالت مستمرة منذ عامين، كما اضرابات واعتصامات الجامعات وعمال السكك الحديدية، وأقربها اعتصامات مارسيليا إثر انهيار منزل أودى بحياة ثمانية أشخاص، وآخرها “الغضب الأسود” حيث عطّلت جماعات “الستر الصفراء” حركة السير في معظم المدن احتجاجاً على رفع الضريبة على الوقود وغلاء المعيشة. في كل موجة احتجاجات تقرأ وتسمع الكثير من التعليقات فتتوقع أنها بداية لثورة تشبه ثورة مايو 1968، الأمر الذي يظهر عمق الأزمات التي تواجهها فرنسا. مع من يجب أن يندمج اللاجئون؟ كما أن المجتمع الفرنسي ليس كتلة واحدة كذلك هم اللاجئون ليسوا مجموعة موحدة. ومن الطبيعي أن يتوزعوا في أهوائهم وأفعالهم وانحيازاتهم وفق مصالحهم وثقافاتهم المختلفة وطموحاتهم، وهذا ما يحدث فعلاً، فاللاجئون أصحاب الأموال والأعمال والسياسة يندمجون بسرعة في مجالاتهم، بسبب العولمة التي تيسّر الاندماج، وكذلك أهل الموضة ...

أكمل القراءة »

ضعف المشاركة السياسية عند النساء اللاجئات

علياء أحمد* للوهلة الأولى قد يبدو العنوان غريباً، فهل يملك اللاجئون أساساً، نساءً كانوا أم رجالاً، الحقّ في المشاركة السياسية في البلدان التي تستضيفهم حتى يمكن قياس هذه المشاركة وتقييم فعاليتها؟ للمشاركة السياسية أشكال مختلفة تبعاً لنوع الأنظمة السياسية في الدول، ويتناسب اتساع المشاركة وتعدّد مجالاتها طرداً مع وجود قوانين تحفظ حقوق الإنسان وتضمن الحريات، كما أنّ العلاقة متعدية بين طرفي المعادلة، حيث أن فعالية الأنشطة التي يقوم بها المواطنون في الشأن العام، بصورها المختلفة، تؤثر على الوضع السياسي والقرارات الحكومية في الدول التي تتيح للأفراد حرية التعبير عن آرائهم، وترجمتها إلى وقائع ومشاريع ملموسة على الأرض، عبر الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والحركات الثقافية وحملات المناصرة، وغيرها من الآليات التي تساهم في صنع القرار السياسي. على ذلك، لاتنحصر المشاركة السياسية في شكل واحد كالانتخابات، وهو شكل الممارسة السائد الذي اعتاد مشاهدته كثير من القادمين الجدد في بلدان أوروبة الغربية كألمانيا. حيث تسود في أذهان الكثيرين فكرة خاطئة بأن المشاركة السياسية محصورة بحق الترشّح والانتخاب والانضمام للأحزاب السياسية، الأمر الذي لم يكن يجري في أطر من الحرية في بلدانهم، وإنما ضمن لعبة هزلية لا تعدو كونها تمثيلية سياسية سمجة. ورغم تواجد عشرات آلاف اللاجئين في ألمانيا، إلا أن تأثيرهم في عملية صنع القرارات المتعلقة بهم ضعيف للغاية، لاعتقادهم بأن مشاركتهم بلا جدوى وغير فعالة، وأنهم لايملكون الحق في الإدلاء بدلوهم، فتنحصر همومهم بتفاصيل حياتهم اليومية مثل دورات اللغة ومتابعة الأمور البيروقراطية في مركز العمل “الجوب سنتر” أو مكتب الأجانب “الأوسلندر بيهورده”. فبرغم وجود مئات المنظمات التي تعمل لأجل اللاجئين والمشاريع الكبيرة التي تستهدفهم، إلا أن انخراطهم في هذه المشاريع ومشاركتهم فيها دون المستوى المطلوب، وتكاد تنحصر في الأنشطة الترفيهية كالرحلات والحفلات! لا يدرك كثير من اللاجئين أن حضور اجتماع أولياء الأمور في مدارس أطفالهم، والمشاركة في انتخاب المجلس المدرسي مثلاً هي من أشكال المشاركة السياسية، وأن المشاركة في المظاهرات ضد العنصرية أو سياسة الترحيل، هي أيضاً من الممارسات السياسية ...

أكمل القراءة »

احتفالات الهدنة وآلة الحروب التي لن تتوقف

شريف الرفاعي* فيما كنت أتابع قبل أيام الاحتفالات الفرنسية بذكرى الهدنة والذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، تذكرت رواية اسمها: صبر العصافير اللامتناهي وهي تخرج عن المألوف في صياغتها وموضوعها، يروي كاتبها الأسترالي دافيد معلوف (وهو من أب لبناني وأم بريطانية) قصة شاب استرالي مولع بالطيور، يراقب تحركاتها ويسجل أنواعها وطقوسها ومواعيد هجراتها في مستنقعات وبراري أستراليا الشاسعة. ثم تندلع الحرب العالمية الأولى ويذهب متطوعون للمشاركة في القتال، ومنهم جيم، الذي يعلل ذلك بأنه “إذا لم يذهب فإنه لن يفهم أبداً، عندما سينتهي كل ذلك، ِلمَ تغيرت حياته وكل ما عرفه حتى الآن، وأن أحداً لن يكون بمقدوره أن يقوله له. وسيمضي حياته متسائلاً عما جرى له باحثاً في عيون الآخرين عن إجابة”. يذهب جيم إلى الحرب إذاً، دون الانتماء إلى طرفٍ محدد ودون إيديولوجيا أو إيمان بجدواها، وسيكشف هناك أن: “الحروب ستستمر حتى الأزل. الحرب، أو شيء يشبهها يحمل اسماً آخر، سيستمر بالانتشار من هنا وحتى يطال الأرض كلها؛ الآلة الهائلة والمجرمة التي تشتغل في المقدمة تتطلب مزيداً من الرجال ومزيداً من الدماء كي تعمل، ولم يعد بالإمكان السيطرة عليها”. لا تبحث الرواية عن مذنب وبريء، ولا تقول كلمة واحدة عن سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى التي حصدت الملايين والتي تحتفل فرنسا اليوم بمرور قرنٍ كامل على نهايتها. فبعد مرور الزمن لا يبقى من الحروب سوى ذكرى مآسيها وضحاياها الذين لم يختاروا بالضرورة خوضها. إذاً تذكرت كل هذا وأنا أتابع الاحتفالات الفرنسية، والحقيقة أنها كانت جميلة ومتقنة على كافة الأصعدة، الفنية منها والتعبيرية، حتى خطاب ماكرون كان جيداً ومؤثراً وهو يتحدث عن السلام وعن إمكانية تجنب الأسوأ في كل لحظة. وبينما كانت الموسيقى تعزف مقطوعة باخ ثم مقطوعة البوليرو لرافيل، كنت أتأمل وجوه الحاضرين في الصف الأول: بوتين، ترامب، نتانياهو، ثم تساءلت عن جدوى الكلام المنمق في حضرة هذا الجمع الغفير! فإذا كانت مقتضيات السياسة والبروتوكول تبرّر دعوة روسيا وأميركا باعتبارهما طرفان في الحرب، فإنها حتماً لا تقتضي دعوة نتانياهو ...

أكمل القراءة »