الرئيسية » أرشيف الوسم : العدد 35

أرشيف الوسم : العدد 35

أكشاك بيع المطبوعات في برلين: حرية التعبير فوق الرفوف

يحيى الأوس* تثير رؤية الصحف والمجلات الألمانية والأجنبية المعروضة في أكشاك برلين ومكتباتها لدي شعوراً بالارتياح، فهي جزء لا يتجزأ من إحساسي بحرية الفكر والتعبير، وتحديداً شعوري بالحرية الإعلامية في هذا البلد. قد يكون مرد هذا الشعور المتّقد هو أنني أنحدر من بلد لا ترى في أكشاكه سوى صحف السلطة الهزيلة ومجلات التسلية والتابلويد. في كل مرة أتوقف أمام المراكز الكبيرة التي تعرض المجلات، أتعرف على مطبوعات جديدة لم يسبق لي ان رأيتها قبلاً، صحف ومجلات محلية وأجنبية من بلدان مختلفة بلغات متعددة، مطبوعات سياسية، علمية، كاريكاتور، طب، أزياء، ثقافة، رياضة، صحف ذات توجهات ثورية يسارية وأخرى راديكالية محافظة، حتى المجلات الجنسية تجد لها مكاناً وسط هذه الفوضى الرائعة بعيداً من مقص الرقيب الذي لا يبق ولا يذر. طوال ثلاثة سنوات في ألمانيا لم أسمع عن منع توزيع مطبوعة أو منعها من الدخول إلى ألمانيا أو سحبها من الأسواق، ولا أتمنى أن يحدث، لأن هذا من شأنه تعكير الصورة التي يحملها كل صحفي أو مثقف طريد وصل إلى هذه البلاد فاراً من جمهوريات القمع.    عندما وصلت إلى برلين كان تقصّي توجهات الصحف الألمانية الرئيسية أمراً أساسيا بالنسبة لي، ليس لكوني صحفياً وحسب، بل لأن التعرف إلى الخطاب الإعلامي للصحف الرئيسية، ونهجها السياسي والاجتماعي، يسهّل عملية فهم واستيعاب السياسة التي تُدار بها البلد، رغم صعوبة الأمر الناجمة عن عدم اتقاني للغة الألمانية، فقد تمكنت بمساعدة زملاء ألمان من تمييز توجهات الصحف الرئيسية. لم يكن التصنيف يتراوح بين صحافة اليسار واليمين والصحف المحافظة وحسب، بل تعداه إلى تصنيفات أخرى مثل المستقل والحزبي، الليبرالي والوسطي، الفكري والأكاديمي بالإضافة إلى اعتبارات أخرى عديدة.   أعرف أنه ليس من العدل المقارنة بين توجهات الصحف السائدة في ألمانيا والصحف في سوريا، نظرا للفوارق القائمة بين نظام يقدّس حرية التعبير وآخر يقوم على كمّ الأفواه، لكن التفاوت الشاسع يثير حفيظة الصحفيين دوماً، فجميع الصحف الرسمية والتي يطلق عليها “الخاصة” تتبع للنظام الحاكم في سوريا، ولا تختلف ...

أكمل القراءة »

على حرير قلبكِ

غمكين مراد*   كحوذيِّ حبٍّ شدَّ قلبي حِبال الرّوح في هواكِ. كأعمى تاهت بهِ الطُرق كان السير بِساطاً طائراً في دُنياكِ كبندولٍ راقصٍ دارَ دورة الوقت في لحظةٍ انتقتكِ. أُحبُّكَ، سمعتها من غائرةٍ على زبدِّ المجهول أُحبُّكَ، ترَّنمتْ بها مُراهقةٌ لم تكبُر حُلمتاها بعدُ أحبُّكَ، قرأتها من رسالةٍ كتبتها غائبةٌ خائفة أحبُّكَ، لم تقوليها بثتْها أشعةُ عيونُكِ تُحَدِّقُّ طويلاً طويلاً وطويلاً جداً تَنْصتُ، وتصمتُ أُذنيك كأنّها صٌمٌّ عن كلمات الحبِّ المقذوفة من بركان قلبي كانت روحكِ تُخيِّطُ أحبُّكَ كنَقشٍ على حرير قلبُكِ المُرتعِش أحبُّكَ، منكِ لم انتظرها عِشْتُها، لم أردّها: مسموعةً، مُنغمةً، مترنِّمةً، أو حتى مقروءة أحبُّكَ، قَذَفتها إليَّ الرعشةُ الطويلةُ من شِفاهُكِ المجبولةِ بلُغة الحبِّ خوفاً أحبُّكَ، كان ظلُّكِ المتواري فيَّ وأنا كأيِّ شيء لي ظلٌّ في الصيف هو أسمُكِ لي نجمةٌ في الليل هي أنتِ لي في يومٍ ماطرٍ بَلَلٌ هو بخارُ شَهْقَتُكِ أحبُّكَ، تدحرجت طويلاً على ألسنةٍ أسكتتني وأهانت صمتي أحبُّكَ، دَوَنتها أنفاسٌ كثيرة: اشتهيتُ ريِّقها، شبقها صدى اللحن فيها رقصتها، سَكرتَها هُنَّ أُخرياتٌ لستِ أنتِ أحبُّكَ، منكِ لعلها كانت ستكون بوق القيامةِ في الحبِّ قالتها كُلُّكِ، دون صوتٍ أرعشتني تلكؤها أخذتني إلى حيث في الحبّ أُدفنُ وتركتُ أحبُّكَ من غيرُكِ خِتمَ لجوءٍ لهمسةٍ أحبُّكَ، التي بقيت على حاجز الغصةِ من حَلقكِ دون هوية لم تكن ريشةَ كلمةٍ في هواءٍ إن خرجتْ كانت ستكون كرة أرضٍ على قرنيِّ القلب أحبُّكَ، منكِ لم تَلِّد كانت هسيس النار على لسانِ أُخريات رغم أن قلبي رَحمٌ لجنينٍ هو أنتِ أحبُّكَ، منكِ كانت حُبلى برعشة الحبِّ بقشعريرة النشوة كانت فورة بركانٍ خُمِّدَ طويلاً كانت أحبُّكَ منكِ إن كانت إحياءَ الحياةِ من رمادِ خطيئتها أحبُّكَ، منكِ لم يحملها الهواء لكن صدّاها كانت ستكون على لسانِ الأُخريات كانت ستكون رصاصة الرحمةِ عليَّ في دَفني ودفنُكِ فيَّ في قبر الحبِّ. * شاعر من القامشلي سوريا   اقرأ/ي أيضاً: حين يرنّ الهواء حولك من القسوة ذاكرة تجمع أوراق الحقيقة غرباء في أكواخ الصيادين محرر الموقعhttps://abwab.eu/

أكمل القراءة »

العودة ج2

كتب النص بالإنكليزية: أمين المغربي ترجمه من الألمانية: أحمد الرفاعي   نُشر هذا النص بالألمانية في 24 آب/ أغسطس 2018 في جريدة دي تسايت Die Zeit الألمانية وعلى موقعها الالكتروني بعنوان: Die Rückkehr، وسننشر النص كاملاً بالعربية وعلى ثلاثة أجزاء. رائحة غريبة للحم عفن تذكرني بأنني لست في الهند الصينية! يتراكم حشد كثيف من الذباب على جانب الطريق، يبدو أن لديهم وليمة هناك. هذه رائحة الأموات المنسيين تحت الأنقاض. الشارع عريض، لكن بالكاد يستطيع المرء المرور. أطلال ما كان يوماً منازلاً، أصبحت اليوم جزءاً من الشارع؛ في بعض الأماكن تستولي الأنقاض على الشوارع بالكامل. البيوت إمّا منهارة كلياً أو تملأ الحفر واجهاتها. أمّا تلك البيوت المطلّة على الشارع فلا ينقصها إلاّ جدار خارجي أو جداران. كأنني أمشي في شارع تملؤه بيوت الدمى “دول هاوس”، بيوت بلا جدران خارجية. بعض الجدران ما زالت صامدة، والغرافيتي المرسومة عليها يمكن أن تُقرأ بعد. أستطيع تذكر كل الجدران وكل الغرافيتي، لكنني لا أستطيع إيجادها في أي مكان. أبحث عن “إجاك الدور يا دكتور”، ولا أجدها! أبحث عن “لن ننسى تل الزعتر”، فأجد نفسي في بلد آخر، في عقد آخر من الزمن، في مخيم “تل الزعتر” آخر، والفاعل أسد آخر! أبحث عن أبسط شعار للحرية، ولا أجد شيئاً سوى جدران طُبعت عليها إحدى عبارتين: “رجال الأسد مرّوا من هنا” أو “رجال الله مرّوا من هنا”! والعبارتان مكتوبتان من قبل الجنود أنفسهم، في بعض الأحيان على ظلال الشهداء أيضاً. لو كنت جداراً لفضّلت السقوط! أحاول ألاّ أفكر في حقيقة أني أمشي على البيوت. فكرة أن أحداً يمكنه المشي على منزلي تجعلني أشعر بالضيق. تجّمع الناس هنا في حشود هائلة، يتقدمون متعثرين بين الركام كما في أفلام نهاية العالم. في الأسبوع الفائت هيّج القصف عنان السماء في مشهد مروّع، لم تكن السماء المتوهجة يوماً ما طالعاً جيداً للفلسطينيين. جلب الروس الجحيم إلى الأرض، وأعلنوا يوم قيامة مبكر. بخلاف يوم الحساب الإلهي يحكم الطغيان في يوم الحساب الروسي، ...

أكمل القراءة »

الفن، المنفى، اللعب

علي جازو*   اسمحوا لي أن أبدأ كلامي بلعبة كلامية، وأرجو ألا تكون مملة. لدينا كلمتان: الفن والمنفى، هما عنصرا اللعبة البسيطة المعقدة في آن واحد، بعد إضافة اللعب إليهما. سأستعير الألف الأخيرة من (منفى) وأعيدها إلى الياء التي هي أصلها، ثم ألصق الياء هذه بـ (فن). ما هي احتمالات القراءة هنا؟ أول الاحتمالات أن يصير (فن) إلى (فنيّ) صفةً، أو يتحول إلى (فَنِيَ) فعلاً ماضياً، والثالث هو (يفن)، أما الرابع فهو (نَفْيٌ)، واحتمالات لغوية أخرى عبثية! نحن أمام أفعال وصفات ومصادر. كلمة (منفى) تمنحنا بدورها خيارات، منها (مَفَنُّ) أي المكان الذي يمارس فيه الفنان عمله، وكذلك أدوات النفي: لا، لم، ما، لن (تحيل إلى الحاضر والماضي والمستقبل). يمكننا وضع الفاء محل النون (مُفْنٍ) فنجد القاتل، لكن (مُفنٍ) تعني أيضاً تخصيص شخص حياته كلها لشأن ما: (أفنى حياته في كذا)، أي خصصها وأفردها لشأن بعينه. في الحقيقة لم أكن أقصد اللعب فقط، فما أردت قوله من خلال اللعب أن المنفى متضمن داخل الفن كجوهر وليس كشيء طارئ أو دخيل، كما أن اللعب يحول المنفي من مشفق عليه إلى فاعل لاهٍ يزيل عن الشفقة طعمها المر، كي يعيدها إلى الفطرة، إلى الحس الإنساني المشترك. لم يكن السوريون، الفنانون خاصة، في نعيم قبل ربيع 2011. ولا داعي لتأكيد ما بات واضحاً للجميع عن حال البلد/ المسلخ البشري. معظم الذين التقيت بهم هنا في برلين ومدن ألمانية أخرى، عبروا عن شعور بالاغتراب والعزلة قبل اضطرارهم العيش خارج سوريا. تأتي عزلة الفن عن حاجة خاصة، لكن عزلة قسرية أحاطت بعالم الفنون في سوريا، شيئاً أشبه بحبس الهواء نفسه، وهذا ما يجعل الخارج أو الداخل مجرد ظرفين حياديين إزاء شعور عميق وصامت أحياناً بعزلة لم تأتِ عن طريق اختيار تلقائي. يبقى الفن وسيطاً، بين مكان مخصّص للعمل ومكان غير مختار للفناء. في الحالتين هو قائم على محلٍ خليطٍ، كما أنه على العكس من اللعبة، التي هي محض تكرار وتبديل لأماكن الحروف، ليس شأناً مجرداً عن ...

أكمل القراءة »

بورتريه: مهاجرون في ألمانيا – المصور والمخرج السينمائي الفلسطيني محمد مواسي

 إعداد ميساء سلامة فولف  في هذه الزاوية نعرّفُ القراء بشخصيات من المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا منذ سنواتٍ طويلة، وتمكنوا من إعادة بناء حياتهم ومستقبلهم بعيداً عن أشكال وحدود الانتماء التقليدي، وحققوا نجاحات في مجالاتٍ عديدة، فاحتضنتهم هذه البلاد وصارت لهم وطناً.   لم يكن المصور والمخرج السينمائي الفلسطيني “محمد مواسي” قد تجاوز التاسعة عشرة من العمر عندما حصل على جائزة التصوير السينمائي في مهرجان الأفلام الوثائقية في بغداد العام 78 عن أحد أفلامه التي أنتجها في تلك الفترة. فمنذ عمر الخامسة عشرة بدأ يتلمس اليافع الفلسطيني، الذي ولد وعاش في لبنان، عشقه للسينما، وتبع هذا العشق الكبير حتى أوصله للحصول على منحة للدراسة في ألمانيا. لكن الحرب الأهلية آنذاك لم تسمح له بالخروج من لبنان بشكل طبيعي، فاضطر الشاب العشريني أن يسلك طريق الموت عند عبوره النهر الكبير الجنوبي الذي يفصل لبنان عن سوريا مشياً على الأقدام، متحدياً خطر إطلاق النار عليه من حرس حدود البلدين، حتى وصل دمشق ومنها سافر الى ألمانيا في العام 1979 ليلتحق بمنحته الدراسية في المعهد العالي للسينما والتلفزيون في مدينة “بوتسدام Potsdam” الألمانية، وهو من أهم معاهد السينما والتلفزيون في العالم. بعد إنهاءه سنوات الدراسة الخمس وحصوله على شهادة التخرج، لم يعد “محمد المواسي” إلى لبنان مكان ولادته، واضطر للبقاء في ألمانيا لأسباب عائلية. ونتيجة لقوانين العمل في تلفزيون النظام الاشتراكي السابق، فضّل أن يلتحق بالعمل في مسرح الدولة في مدينة “كوتبوس Cottbus”، حيث كانت تقيم زوجته الألمانية وأبنائه “حسن” و”راوية”، وعمل هناك لسنوات عدة. لكن حب “مواسي” وشغفه بالسينما دفعه للعودة إلى العمل السينمائي، فعاد الى دمشق في أواسط الثمانينيات من القرن المنصرم لينجز فيلماً وثائقياً عن الفنان الفلسطيني التشكيلي “عبد الحي مسّلم”، من إخراجه وتصوير زميل دراسته “موسى مراغة” وبعنوان: “نشارة الذهب”، وبعد انتهائه من الفيلم عاد أدراجه الى ألمانيا ليصبح موظفاً حكومياً في وزارة الصحة في ولاية براندبورغ، ويشرف هناك على إنتاج العديد من الأفلام التثقيفية، بالإضافة إلى مشاركته في ...

أكمل القراءة »

بيوغرافي فنان العدد 35: الفنان السوري عبدالكريم مجدل البيك

يختزل الفنان التشكيلي السوري “عبدالكريم مجدل البيك AbdulKarim MAJDAL ALBEIK” العالم واللوحة إلى جدار أعجف، أنهكت تضاريسه صروف الزمن، على حدّ تعبير الناقد التشكيلي “أسعد عرابي”، فيقود المشاهد إلى خصوبة الجدار وإلى مسيرة ذاكرته المتحوّلة، بحيث تعيش مادة اللوحة صيرورة الجدار وتفاعلاته المخبرية والعاطفية المتقلبة، متجنّباً التعثر في الوصف الواقعي لحالاته السكونية. وهكذا تنتقل اللوحة من صورة على الجدار إلى جدار اللوحة! “عبد الكريم مجدل البيك” من مواليد مدينة الحسكة 1973، خريج كلية الفنون الجميلة قسم التصوير الزيتي بدمشق، وحائز على امتياز شرف دبلوم دراسات عليا في التصوير الزيتي (العملي) من كلية الفنون الجميلة بدمشق العام 2001. له العديد من المعارض الفردية وقد شارك منذ العام 2001 في العديد من المعارض المشتركة أيضاً في كل من سوريا، العراق، لبنان، الأردن، الأمارات، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا، وآخرها كان معرضvon Damaskus mach Berlin في Berlin AC في برلين العام الحالي 2018، وكذلك معارض (كرفان) القافلة الثقافية السورية في باريس 2018. ويقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين. ينتسب مخبر الفنان إلى ما يعرف نقدياً بالموادية  LA MATIERISMEبرأي “أسعد عرابي”، وهي نزعة بدأت بعد الحرب العالمية الثانية ترفع الحدود بين السطوح التصويرية، سواء أكانت ورقة أو كرتون أو قماشة أو سطوح خشبية، أو ضمن منهج النحت الغائر أو الملصقات النافرة، وذلك عن طريق العجائن الكثيفة من مشتقات اللدائن كالإكريليك أو برادة الرخام والحجر. من فنانيها الإسباني “أنطوني تابييس” والإيطالي “ألبيرتو بوري” والعراقي “شاكر حسن آل سعيد”، الذي استعار التقنية بصيغة صوفية. أما فرادة “عبد الكريم مجدل البيك” فبسبب أصالة خصائصه على مستوى الحساسية “الغنائية LE LYRISME”، وبين التجريد “الموادي” و”الغنائي” فرق لا يستهان به، فتجربته تقع متوسطة بين الحدين، ناهيك عن استحواذه على أبجدية غرافيكية من إشارات وسواها مرتبطة أصلاً بالسلوك الانفعالي الخاص للأدوات من فرشاة وسكين وتخطيط رهيف يستثمر غالباً براءة رسوم الأطفال. شارك “عبد الكريم مجدل البيك” خلال مسيرته الفنية في عدة مزادات فنية وحصل على عدة جوائز، منها جائزة وشهادة الخريج المتفوق ...

أكمل القراءة »

مانسيل في متاهة المشرقة: قراءة في كتاب “ثلاث مدن مشرقية”

جهاد الرنتيسي*   يعود المؤرخ البريطاني “فيليب مانسيل” في كتابه “ثلاث مدن مشرقية” إلى مناخات شواطئ البحر الأبيض المتوسط بين القرنين السادس عشر والعشرين بحثاً عن أرضيات ملائمة لمدّ الجسور بين “المشرقية” والعولمة. ويحاول عبر رصده لأنماط الحياة والتحولات في المدن البحرية الثلاث: “سميرنا/أزمير”، و”الإسكندرية” و”بيروت”، أثناء الحكم العثماني وما بعده، التركيز على التعايش بين الأعراق والأديان. في هذه المحاولة يرسم خطاً بيانياً للصراعات الدولية والنزعات العرقية والدينية التي ساهمت بتأرجح حياة سكان هذه المدن وإمكانيات تعايشهم، وتقويض احتمالات استمرار التجربة وفرضية انبعاثها. كما يحرص على التعريف بأنماط التفكير والعلاقات الاجتماعية التي تكوّنت بفعل التركيبة السكانية وأنماط الحياة الاقتصادية وإفرازاتها الطبقية. محاولات التجسير في كتاب “مانسيل” الصادر في جزئين عن سلسلة “عالم المعرفة” اصطدمت بأجزاء من الصورة التي رغب في أن تكون وافية. فإحدى الحقائق التي خدشت فكرة التجسير تمثلت في معطيات نشوء المدن “المشرقية”، والتي كان أبرزها التقارب السياسي والمصلحي بين الدولة العثمانية وفرنسا، مما يقلّل من أهمية البعد “التعايشي” في دوافع تطور هذه المدن ومشرقتها، بمعنى آخر جاء التعايش الصوري نتيجة لتوجّه سياسي أملته المصلحة، ولم يقم على التفاعل بين أعراق وقوميات مختلفة اختارت أن تبني عالماً تعددياً وتعيش فيه. قد تكون الصراعات الدموية التي اندلعت بين المكونات العرقية والدينية خلال تلك العقود، التضاد الهوياتي الذي صاحب التجربة، والمآلات التي انتهت إليها مظهراً ونتيجة للهوة الفاصلة بين معطيات النشوء والظواهر الناجمة عنه. على هذا تترك شمولية الصورة التي سعى إليها المؤلف دافعاً للقيام بمراجعات لصور نمطية حول زمن ما بين القرنين السادس عشر والعشرين، وهامشاً للخروج باستنتاجات ترجّح وجهات نظر في قضايا خلافية. من بين هذه الاستنتاجات أن المدن “المشرقية” تبدو الأكثر قبولاً للآخر والأقدم في حال مقارنتها بالغرب، فقد تجاورت المساجد والكنائس رغم التوترات التي كانت تحدث بين الحين والاخر، حيث افتتح أول مسجد في باريس في العام 1926 تكريماً للمسلمين الذين قتلوا من أجل فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. هناك استنتاج آخر يستحق التوقف عنده، وهو ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن   لكن هناك بالتأكيد الكثير من الوظائف والمهام الأخرى للأدب العربي: فهو يستطيع نقل عبث وبشاعة تجربة الواقع لغوياً، ويعيد إحياء الحقيقة بابتذالها وشذوذها في اللغة. كما يستطيع استخدام تجربة الظلم الخاصة بالكاتب كفرصة ليعكس تجارب الظلم الأخرى التي عاشها الآخرون. ويمكن أن يكون الشعر كمنولوجات داخلية أو كحوار، أي يدور حول الذات أو يحتفل بالحوار وتعدّد الأصوات. أفكر كيف كان كل من “بول سيلان” و”كمال سبتي” مثلاً منشغلاً بتعاسته ومأساته الخاصة، في حين كان ثمة شعراء آخرون كـ”محمود درويش” و”إنجبورغ باخمان”، فكّروا بالآخرين وبالضحايا الغرباء، ربما لأنهم كانوا مميزين بطريقة ما، وبالتالي تمكّنوا من اختراق المونولوجات أكثر من غيرهم، أو على الأقل بطريقة خاصة بهم، باتجاه الحوار وتعدّد الأصوات. في نهاية الأمر، يعيش الأدب أيضاً بعد الهرب عبر التخييل وقدرة اجتراحه والرغبات والأمنيات، بغية الفرار من قيود الواقع الضاغطة الصادمة والمليئة بالخسارة، ليواجهه وليضع نقاط علام جديدة لعالم آت أفضل. ربما كان التخييل هو الكنز الأكثر حيوية وقيمة، حينما لا يتحوّل على المدى البعيد إلى هروب ثانٍ، وحين لا يقود المرء للخروج من الواقع تماماً. لذلك من غير المسموح للأدب أن يتخلى عن الخيال، سواء لأدب السوريين اليوم، اليمنيين، الأفغان، والكونغوليين وغيرهم. ولكن هل يوجد بالعموم أدب للكبار يرقى إلى مستوى هذا الادعاء؟ حيث يجب عليه بالإضافة إلى سرد الفظاعات أن يمتلك قدرة التخييل وموهبة الحالمين بمستقبل أفضل، والتي تصبح واضحة في ظروف الحياة الجديدة والجيدة. وإلا لن يبقى إلا أدب الأطفال، الذي نستطيع فيه، نحن الكبار، أن ندنو من المستحيلات (كما يطلق عليها أبرز شعراء الحداثة العرب): الوطن، البيت، الجمال، الحب، والصداقة، بطريقة فورية وبسيطة وربما ساذجة. وفيما يستمر العالم بسقوطه في الدمار والرماد، وفي تبديد مصادر الحياة، تتم تنحية الواقع الحقيقي من خلال الافتراضية والثقافة المزيفة. *** يمكننا أن نجد الكثير من أوصاف المنفى في الأدب العربي بعد العودة من المنفى إلى الوطن الأم، وليس فقط في المنفى. ...

أكمل القراءة »

في وداع سلامة كيلة: الثورة السورية لم تُهزم، الثورة السورية سُحقت

  عن أحلام سلامة كيلة    صبر درويش* في منفاه الأخير لم يكن يبعد “سلامة كيلة” عن مسقط قلبه دمشق سوى رمية حجر، كان يرنو حالماً إلى عودة قريبة، بيد أن بؤس اللحظة الراهنة لم يسعف قلبه المهشّم لعودة طال انتظارها. كان من الصعب معرفة إن كان كيلة ابن دمشق، أم أنه كان ضيفاً عليها، وكان من الصعب معرفة أيهما سكن الآخر! أجبر الاحتلال الاسرائيلي “سلامة كيلة” على مغادرة مسقط رأسه “بير زيت” في فلسطين المحتلة، وكان في مقتبل الخطوات، اختبر المنفى الأول في سن مبكرة ورحل إلى بغداد، حيث درس العلوم السياسية وتشرّب تجربة اليسار العراقي العريق، ومنها غادر إلى دمشق ليبقى فيها حتى ضاق المكان فنفي مجدداً، ولكن هذه المرة على يد نظام الأسد سيء الصيت. وجد “كيلة” في النظرية الماركسية ضالته، فأصبح ماركسياً، وكان من القلّة الذين اقترن معهم القول بالفعل، فانحاز بكليته إلى المسحوقين، ودافع عما اعتقده حق البسطاء في العيش الكريم. على هذه الأرضية كان موقفه السياسي كمعارض جذري لأنظمة القمع والاستبداد، في سوريا وفي أي أرض حلّت عليها هذه النظم، وأعلن انحيازه للديموقراطية والحرية. على صعيد الممارسة، كان “سلامة كيلة” حاضراً في كل محطة سياسية في سوريا ما بعد الأسد، فانخرط مبكراً في صفوف المعارضة، دفع الضريبة كباقي أقرانه من المعارضين السوريين، ودخل المعتقلات السورية في أكثر من مناسبة، وبعد ثمان سنوات من الاعتقال أفرج عنه مطلع العام 2000، حيث كان بشار الأسد قد نجح في الاستيلاء على السلطة خلفاً لأبيه. في “ربيع دمشق”، الذي انطلق مطلع الألفين وكان إطاراً جامعاً لقوى المعارضة السورية، كان كيلة أحد أبرز الناشطين السياسيين وأحد رموز هذه المرحلة، حاضراً في المنتديات ومع الشبان في حوارات لا تلين. في ذلك الوقت الذي عصفت فيه التغيرات العالمية والمحلية وطرأت على ضوئها تحولات جذرية على معتقدات المعارضين والمثقفين، حين تحول عدد كبير من اليساريين إلى ليبراليين، كان “سلامة كيلة” مشغولاً بتقديم قراءته النقدية لنسخة من الماركسية التي دعاها “بالماركسية الرائجة”، وهي ...

أكمل القراءة »

أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة 47

وداد نبي نشر هذا النص بالألمانية بعنوان: Ich habe Flügel, endlich على موقع Zeit Online في شباط 2014 كان رأسي يتدحرجُ ككرة قدم على أحد شوارع حلب، فيما عيناي تنغلقان بقوةٍ. أردت الموت بشدة، كان الدم يسيل من أنفي فيما كلمات “أنغبورغ باخمان” تقفزُ في رأسي المدمى على الأسفلت: “كل شخص يسقط لديه أجنحة.” كنتُ أسقط في موتي الذي اخترته، منتظرة الجناحين اللذين سيطيران بي لعالم أخر أكثر عدالة وإنسانية، عالم لا وجود لقسوة الحب فيه. كنتُ أريد إنهاء حياتي تحت عجلات السيارة العسكرية التي لم أنتبه لهويتها إلا بعد أن رميت بنفسي أمامها، إنهاء حياتي التي سرقتها مني الحرب، الحب غير المحقق، الحواجز العسكرية، الخوف من الاعتقال، القصف اليومي، اليأس، انقطاع الكهرباء والماء يومياً لساعات طويلة، هجرة معظم الأصدقاء والعائلة، وكل التفاصيل الصغيرة غير المتوفرة في مدينة تعيش تحت قبضة الحرب الهائلة.  أردت أن أضع حداً لحياتي القاسية لذا ذهبت للانتحار، لكن الموت رفضني، قذفني خارج أرضه، أهانني وأذلني حين وضعني بين يدي الجندي الذي كنت أهرب منه، وأرفع صوتي عالياً في المظاهرات ضده، ذلك الجندي من دهسني بالسيارة العسكرية حينما قرّرت الموت! كانت إحدى سخريات القدر، إذ حملني بين ذراعيه من الشارع فيما كعب بندقيته يلامس جبيني. فتحت عينيّ للحظات، لمحت كعب البندقية، أغلقتهما وعدت مرة ثانية لـ”أنغبورغ باخمان”، أسألها: لماذا الألم قاسٍ يا باخمان، لماذا؟ كيف نجا قلبك بالاحتراق؟ ولماذا لا أنجح مثلك؟ خرجتُ حينها من المشفى بكسرٍ في الحوض، أقعدني في السرير ثلاثة أشهر. ضحكة الطبيب وكلماته في أذني: “هذه أول حالة تأتيني منذ عامين بحادث سير، هناك جرحى بسبب قذيفة، صاروخ، قصف، رصاصة قناص، جرة غاز، أما أن يأتيني أحد بسبب حادث سير فهو عجب العجاب في حلب”، وأطلق ضحكة طويلة. كدت أخبره بأنه ليس حادث سير، إنما محاولة انتحار للخلاص من بؤس الحياة في هذه المدينة، لكنني قرّرت الصمت، وعدت لقصيدة باخمان: “لكل شخص يسقط جناحان”، وأنا الآن بلا أجنحة أسقط في هاوية اليأس والألم. ...

أكمل القراءة »