الرئيسية » أرشيف الوسم : الرواية

أرشيف الوسم : الرواية

شخصية العدد: جين أوستن كثافة التعقيد تحت سطح الحياة البسيطة

واحدة من أهم الروائيات الإنكليزيات في القرن التاسع عشر، والتي ساهمت مع غيرها من الكاتبات في تلك الفترة في صنع ما اصطلح على تسميته: الرواية النسائية الإنكليزية، في الوقت الذي لم تكن فيه الكاتبات قد دخلن بشكل مؤثر عالم كتابة الرواية. ثمة تماثل واضح بين روايات “جين أوستن” وتفاصيل حياتها، فهي تعبّر عن حياة الناس الروتينية الهادئة في المدن الريفية، وشخصياتها بالعموم تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الوسطى، مع نقد دائم لطبقة ملّاك الأراضي الإنكليزية. لكن هذا لا يعني أن سطح الرواية الهادئ بأحداثه لديها لا يكتنف على شخصيات تعيش في عمقها تجارب إنسانية غنية ومركبّة، حيث أن كثافة التعقيدات التي تكمن تحت سطح الحياة الهادئة للرواية لا تحتاج إلى عناء لاكتشافها. ولدت “جين أوستن” العام 1775 بين سبعة أخوة، وقد عاشت حتى الخامسة والعشرين من عمرها في قرية “ستيفنسون” التابعة لمقاطعة هامبشاير حيث كان والدها قسّ البلدة. وهي تحكي عن أسرتها المتجانسة والموهوبة في تسلية الذات عن طريق الألعاب والمطالعة وخصوصاً آداب القرن الثامن العشر. وعلى الرغم من أنها عاشت في زمن مجد الرومانسيين الإنجليز البارزين، إلا أنها لم تعر الأدب الرومانسي كثيراً من المبالاة، وخصوصاً طريقته في تصوير الشخصية فنياً. لكنها استمدت في رواياتها أكثر من تراث الكلاسيكية الجديدة ومن الكوميديا الأخلاقية. رواية “السيدة سوزان” التي كتبتها وهي لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها، ونشرت في العام 1871، فيها عرض ذكي للعبارات العاطفية والرومانسية للرواية الشعبية. أما روايتها “العقل والإحساس” التي كتبتها العام 1796، وأعادت كتابتها بعد سنتين ثم نقحتها ونشرتها العام 1811، فهي تقارب المثالية وتكتنف على غفران ذاتي عاطفي للانجراف في العاطفية. وفي رواية “دير نورثانجر” التي نشرت أيضاً بعد وفاتها 1818 تسخر “أوستن” من البدعات الأدبية السائدة من خلال الحديث عن الرعشات الوهمية والمخاطر التي تتعرض لها بطلة الرواية “كاترين مورلاند”، وهي قارئة لا تميز ما تقرأه من الروايات القوطية. في نهاية القرن كتبت رواية “الكبرياء والكراهية”، وتترجم أحياناً “الكبرياء والتحامل“، وهي من أهم أعمالها، ناضجة ...

أكمل القراءة »

الملفات السريَّة في رواية “حضرة الجنرال” للروائي الجزائري كمال قرور

وجيهة عبد الرحمن* قد يعتبر وضع الرواية في إطار تاريخي بمقاربة فلسفية استحضاراً لرمزية مجتمعية متزامنة مع الحدث المعاصر، وقد تتسرب تلك الرؤية المجتمعية إلى رؤيا تاريخية وفق منطق الأفكار السياسية والإقتصادية وبموجب النظام الطبقي السائد في كل مرحلة أو عصر. لذا قد تكون رواية “حضرة الجنرال” نموذجاً لرواية المقاربة التاريخية، إذ استطاع الروائي “كمال قرور” اللعب بمفاصل روايته وفق منظوره العميق وغير السائد عموماً في كتابة السير الذاتية لشخصيات ملهمة. الجنرال في رواية “حضرة الجنرال” ليس إلا شخصية افتراضية، صُنعت في المعمل الأدبي للروائي كرغبةٍ منه في كتابة واقع عربي هزيل بدكتاتوريات أطاحت ببعضها البعض وفق مبدأ الإنقلابات. في الرواية تتناوب الأحداث بين دكتاتور من الماضي، متمثل بالجنرال “ذياب الزغبي”، وبين دكتاتوريات معاصرة تمثلت في دكتاتوريات بلدان الربيع العربي، استمدّت جذورها الثقافية وتطلعاتها الفكرية والسياسية والاجتماعية من خلال إسقاط الحاضر على الماضي، بربط زمنين لم يختلفا إلا بقليل من تكنولوجيا وظَّفتها دكتاتوريات الراهن للإمعان في الاستبداد، سيَّما وأنَّ الراهن هو عالم متعدد الثقافات تختلف الصراعات فيه باختلاف المشارب الاجتماعية وتكالب الأجندات الدولية للسيطرة، واللبنة الأساسية هي رأس المال العالمي واقتصاد باذخ في التمدُّد. “كمال قرور” لم يدَّخر توصيفاً واحداً لتاريخ يعيد نفسه في الحاضر بلبوس أكثر تماسكاً وإتقاناً في التحايل على الصورة النمطية للأحداث. لم يستخدم الروائي مفردات كانت سائدة في الماضي، بل استخدم مفردات معاصرة للإيحاء إلى الماضي، بهذا يكون الربط قد تمّ بإحكام بين الأزمنة المختلفة في النمط الإجتماعي ومايترتب عليه من استخدامات لفظية وتراكيب مدمَّجة أو ثقيلة، لكن التراكيب المتزنة والمفيدة التي استخدمها كانت طريقته في الربط، ثم إدماج العامية في بعض الحوارات لمعايشة أجواء واقعية بأسلوب فانتازي. ولم ينفك يشير في روايته إلى دور الشعب في صنع الدكتاتوريات، ص145: (الشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه، وهو الذي ملك الخيار مابين الرِّق والعتق، فترك الخلاص وأخذ الغلّ). يشير الروائي إلى إنّ الشعب أشبه بقطيع، فالأنبياء استطاعوا قيادة البشر لأنَّهم كانوا رعياناً قبل رسالتهم، والجنرال “ذياب الزغبي” ...

أكمل القراءة »

صاحب خان الحرير والثريا، الروائي السوري نهاد سيريس، عن التجربة والذاكرة ما بين حلب وألمانيا

يعرفه السوريون من مسلسلاتٍ شهيرة، غيرت الصورة النمطية للدراما في سوريا، مثل خان الحرير بجزأيه، والثريا، الخيط الأبيض وغيرها، كما اشتهر أيضاً بأعماله الروائية ومنها: السرطان، رياح الشمال – سوق الصغير، حالة شغف، وخان الحرير التي استمد منها المسلسل الشهير. غادر نهاد سيريس مسقط رأسه حلب في مطلع عام 2012 متجهاً إلى مصر، لكنها كانت محطةً في رحلته، حيث غادرها لاحقاً ليستقر في ألمانيا، ليتابع الكتابة في بعض الصحف الألمانية مثل جريدة تاتز، و زود دويتشه تسايتونغ. التقت أبواب بالكاتب نهاد سيريس، الذي عرّف عن نفسه بأنه روائي قبل كل شيء. يقول سيريس: “بدأت بالرواية، وأعتقد أنني سأنتهي بالرواية أيضاً. كانت تجربتي مع الدراما التلفزيونية تجربة تمتعت كثيراً بكتابتها، إلا أنني أعتبر نفسي روائياً”. لو بدأنا بالدراما، كانت لك تجربة مميزة على صعيد الخروج عما كان شبه فرض مطلق للَّهجة الشامية والقصص المتشابهة في الدراما، فهل تعتقد أنك أحدثت قفزة جريئة في هذا المجال، لاسيما في مسلسل خان الحرير؟ نعم، ليس فقط على صعيد اللهجة الحلبية، وإنما أيضاً على صعيد تقديم مدينة حلب بشكل دراما إلى مشاهديها، بكل ما تتمتع به من مكانة تاريخية وثقافية وموسيقية وغيرها. حلب هي مركز اهتمامك في الرواية والدراما التلفزيونية، فهل هذا بسبب الارتباط العاطفي مع حلب، أم لأن هذه المدينة ذات طابع متمي،ز وتطرح قصصاً لا تتشابه مع المدن السورية الأخرى؟! تلعب ذاكرة الكاتب دوراً محورياً في الكتابة، ولكن لم تكن الذاكرة ومسرح الطفولة والمجتمع الذي عشت فيه، هما السببين الوحيدين في تركيزي على مدينتي، بل لأن حلب تمتاز بتاريخ وثقافة مهمتين بشكل مطلق. هناك اللهجة والثقافة المحكية والموسيقى أيضاً، لدينا موسوعات لغوية حلبية وكذلك موسوعات في الأمثال الشعبية الحلبية وغيرها الكثير، ولا ننسى أيضاً دور حلب السياسي والاقتصادي والصناعي في بناء سورية. لقد أثرت المدينة بشكل إيجابي في بناء سورية الحديثة. هل ستكتب عن حلب بعد كل ما لحق بها من دمار؟ وهل تعتقد أن هذه المدينة قادرة على العودة “حلب كما كانت”؟ إنني أكتب ...

أكمل القراءة »

راهيم حساوي، الإشكاليّ دوماً “أنا حاقد في أعمق أعماقي”

في روايته الأولى الشاهدات رأساً على عقب الصادرة عن دار العين بالقاهرة 2013، وفي روايته الثانية الباندا الصادرة عن هاشيت أنطوان ببيروت 2017، قدم الروائي راهيم حساوي إهداءه على الشكل التالي: (للذين لا أعرفهم ولا يعرفونني). التقت أبواب بالروائي راهيم حساوي بعد وصوله إلى ألمانيا كضيف على مؤسسة “هاينريش بول” الثقافية، ومن إهدائه في روايتيه جاء السؤال الأول: من هم هؤلاء الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك؟ كل إنسان لم ألتقِ به ويلتقِ بي، كل إنسان لم تتشوّه لديه الصورة المبنية على ما يجمعنا من وحدة حال على هذه الأرض بعيداً عن كل النزعات التي تصيب المرء عادةً بعد معرفته بالآخر، ببساطة شديدة ما أنْ ينطق المرء مع الآخر حتى تبدأ تتكسر لديه الصورة -ولا أتحدّث عن نفسي في هذا الأمر بل عن كل واحد منا- المعرفة شيء يميل للنقص أكثر منه للكمال، أنْ أتخيّل شخصاً لا أعرفه ولا يعرفني  خير لي وله من الذين عرفتهم أو الذين عرفهم، وهذا يقودنا للحفاظ على أنفسنا من تدهور صورة الإنسان في داخلنا وفي خيالنا، أمام التدهور الذي نشعر به على مقربةٍ ممن نعرفهم ويعرفوننا. قمت بتوقيع روايتك الجديدة “الباندا” في مدينتي كولونيا وبرلين في شهر أيلول الماضي، هذه الرواية تناولت بحدة مسألة جائزة نوبل للسلام، فهل يؤزمك مفهوم الجوائز والتتويج، ولماذا؟ بدايةً وقبل كل شيء الرواية تبقى رواية بكافة عناصرها من سرد وشخصيات وطرح وأمكنة وعوالم خاصة بها، والموضوع العام ليس بالضرورة أنْ يختصر رواية بحالها في حال كانت روايةً جيدة، ولكن نستطيع القول أنها تطرقت لجائزة نوبل للسلام تحديداً من بين بقية جوائز نوبل التي لا مشكلة لدي معها، لكن مشكلة عاصم التل ومن بعده ابنه عمران كان لديهما رؤية فلسفية وتحليلية لهذه الجائزة على وجه الخصوص، لنجد في نهاية الرواية كيف أنّ جميع البشر أبطال بشكل أو بآخر، وبالتالي ما قيمة أنْ يتم منح هذه الجائزة لشخص على حساب مليارات البشر القابعين في الظلام دون معرفة القائمين على الجائزة بهم. نعم ...

أكمل القراءة »

مرايا الجنرال، رواية عن اللوثة القابعة في الأعماق البشرية

أميرة الحلبي- عند قراءة مرايا الجنرال للكاتب المغربي طارق بكاري عن دار الآداب 2017، تسمع أصواتاً عديدة لشخصيات تتبادل الرسائل في مابينها، لكن سرعان مايستدعي انتباهك صوته -صوت الجنرال- صوتٌ قوي قادمٌ من العدم كما يقول. فلا ذاكرة لديه ولا عائلة، كل ماهناك لحظة ركوبه السفينة الحربية المتجهة من مرسليا إلى المغرب العربي (إلى ليكسوس) ليستلم منصبه الجديد، جنرال المدينة . قاسم جلال الذي ادفأت قلبه البارد رؤية جواهر حين لوحت بشالها لحبيبها (سيمون) معلنةً عن وصول رحلتها إلى ميناء الدار البيضاء بعد غياب قسري دام عامان . جنرالنا هذا يسرد قصته بالرجوع بالزمن أكثر من عشرين عام بناءًا على رغبة معالجته النفسية، شاكياً من فصام حاد بالشخصية وهاوية عميقة بالذاكرة فيقول (كنت فاقداً لكل شئ، أحمل بين جدران جمجمتي ذاكرة بتولاً تتصل بحاضرها فقط، لا أذكر أنني كنت صبياً أو كان لي أهل أو أقرباء)، يتماهى قاسم مع جنرالات عالمنا العربي الذين ينتمون إلى زمن الحرب فقط، فلا تاريخ يردع ولا عمق حضاري ينقذ البلاد من آلة الدمار والحرب. يقول الجنرال الغازي (جئت أتأبط مشاريع صديد ودم، لا أدري متى ولا كيف كتبت في الذهن، مشاريع دموية، لم أملك بعد أن استمسكت بأزمة المدينة سوى الانصياع لها). روايةٌ ترصد قدرة الجنرال اللامحدودة على تحطيم الإنسان والأرض وتوسيع أقبية السجون، انهيار قيمة الإنسان وسهولة قمعها، سقوط حصانة حرية الإنسان أمام زوبعة الجنرال. تقع أحداث الرواية في فضاء مدينة ليكسوس ليصل مداها إلى مدننا العربية، لشخوص دون الجنرال تحاكي البحث عن حياة أفضل بالنضال السلمي والمظاهرات لتواجَه بأقصى عدة وعتاد. ليأتينا من هناك الفتى سيمون الشاب اليهودي الماركسي الهوى والهوية، الذي أنهكت روحه أقبية السجون وأزلام النظام، هذا الشاب الذي يعبر عن انهيار اليسار في سبعينيات القرن وانتكاسة جيل مشبع بأحلام التغير دون الاعتماد على القوة والتسلح في مواجهة الجنرال. ترصد الرواية العلاقة الجدلية القائمة على العنف بين المثقف والسياسي وبين الجنرال، العلاقة القائمة على الغيرة الضمنية من الثائر ، صاحب الارض، فيعبر المؤلف بلسان الجنرال قائلاً (كان سيمون قبل أن يتبدد كرذاذ النور في سماء تلك المدينة، رجلاً حقيقياً لا أملك إلا أن أحسده، كان مؤمناً قوياً بما ...

أكمل القراءة »

عن لقاء بلا موعد

نور فليحان | معلّمة سورية، وطالبة ماجستير في مجال العمل الاجتماعي وحقوق الإنسان.      من أعطاك الوردة؟  لا أحد، سرقتها..  لديك ابتسامة جميلة، لكن لماذا كنت تبتسمين للكتاب؟  وفى بطل الرواية بوعده لحبيبته. أليس من الجميل أن نفي بوعودنا؟  الأجمل ألا نقطعها، الحب الصادق لا يحتاج وعودا..   متناسية الشجرة، أطلت يومها تأمل ورقة خضراء الّلون، أطرافها صفراء ممزقة بعض الشيء، كانت قد سقطت من الشجرة التي لجأت إلى ظلّها التماسا للهدوء والوحدة، واستعدادا لقراءة كتابي الذي رافقني وانتظرني لفترة طويلة على المقعد. دعتني الورقة إلى التفكير في الجمال الذي قد يسكن على حافة نافذة قديمة، في قلب صدفة على شاطئ، أمام عتبة باب قديم أو على سقف بيت يحتاج إلى الكثير من الترميم.. خبّأتها في كتابي ورحت أقرأ..   جاءني صوته في اللحظة التي كنت أقلب فيها الصفحة بلهفة، يسألني إن كان بإمكانه أن يشاركني المقعد، أبتعد لأفسح له مجالا و أفكر في ملامحه المتعبة، إن كان جسده العجوز يتكئ على عكاز خشبي، فعلى أي شيء تتكئ روحه يا ترى؟  لم يستغرق الكثير من الوقت ليعرف أنّي لست أجنبية، تشي بي عناوين كتبي دائما..   (2)  هي المرة الأولى التي أراك فيها في حيّنا، أين هو بيتك؟  البيت الذي أسكن فيه بعيد، لكن “بيتي” قريب.  لم أفهم..   “لا شأن للجدران والأبواب يا ابنتي، بيتي الحقيقي هنا”. أجاب مشيرًا إلى قلبه.  تركت كتابي، وبشغف طفلة لحكاية الجدة أصغيت لبوحه عن الرحيل و الغياب، عن الخوف من اليابسة والبحر، عن حرصه على شرب الشاي يوميا بنفس الوقت الذي اعتاد فيه أن يجلس على كرسي من القش أمام دكانه في حمص، يتشارك شرب الشاي والشكوى وبعض النميمة مع أصدقائه، يسرع بعدها ليعود إلى بيته الذي ما كان يطيق الابتعاد عنه، عن بيته أطال الحديث، موضحا بصوته المشتاق كيف لبعض البيوت أن تسكننا بدلا من أن نسكنها، اليوم لا يقوى على البقاء في غرفته الجديدة في برلين، لذا يجوب شوارع المدينة بحثا عن رائحة خبز غادر للتو فرنا يشبه فرن الحارة القديمة، أو أملا بسماع نداء يقول “تفضّل يا جار”، ويحدث في كل مرّة أنه لا يجد ما يبحث عنه، فيزيد ...

أكمل القراءة »

رواية لالين … “أمشاج من اللاهوت والحب والسياسة والحرب”

أسعد فخري بعد روايتها الأولى “الزفير الحار” ثابرت، وما انفكت الروائية السورية المجتهدة “وجيهة عبد الرحمن” على إصدار عملها الروائي الجديد تحت عنوان “لالين” المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت /2016/ وهي رواية لافتة، وتستحق التقرّي، والتأمل جراء تصديها لإشكالية لها من الأهمية بمكان، حيث محاولتها الجادة في تفكيك المقدس داخل تابوهات اللاهوت ومفاصله العميقة عبر سردية حملت الكثير من مشاهد القسوة، والألم والكثير من إرهاصات المواجهة بين القلب، والعقل، ومحاكاة مفهومة الحب، وعذريته البكر الخالية من قسر اللاهوت، وعثراته. وفق مقاربات كان في مقدمتها الخروج من عنق زجاجة تابوهات اللاهوت وأحفورة الأديان ومتفرقات مذاهبها المتعددة. تبدأ رواية “لالين” إيقاع سرودها اشتغالا على قصة حب بين “كاترين المسيحية، وزارا الأيزيدي” عبر مشهد طويل من الوقائع التي أثْرَت تلك العلاقة الإنسانية، ومنحتها أبعادًا حميمية أماطت اللثام عن تفاصيل الخيط الواهي لميراث المأساة التي تبدت على لسان غلام الخطيئة المقدسة “لالين” لتَمكين التعاقب، والاستمرار عبر الظهورات المتباعدة لشخصية “مارتا” مما يدلل بصورة لا تقبل الشك أن الروائية أجادت لعبة التأثيث برشاقة حين استَبقَت “مارتا” في الظل مرارًا ريثما يحدث ما حدث لكاترين التي تركت دفتر مذكراتها في مكان تعلمه “مارتا” التي تظهر في الفصول المتأخرة للرواية، وتقدم نفسها على أنها الوجه الآخر “للسارد العليم” مُعيدة السرود مجددًا إلى قصة الحب، ووقائع مفاصلها الشيقة. في”دهوك” كردستان العراق التي استقبلت وفدا من “المسيحيين” جاء من أجل زيارة المعالم المسيحية في المدينة وقتئذٍ تعصف مُستقر اللعبة السردية لتظهر السيدة “كاترين” التي كانت من عداد الوفد، بعد أن تتعرف على الدليل السياحي “زارا الأيزيدي” الذي كانت مهمته مرافقة الوفد حيث يتفقان “كاترين وزارا” على زيارة معابد الايزيديين. في الطريق إلى “لالش” تنصت كاترين إلى زارا وهو يحدثها عن طقوس الديانة الأيزيدية وطبقاتها غير أن المعبد الأيزيدي، ومعالمه غدت أشبه بعصا سحرية بعد أن دخلا إليه سوية فراحت كاترين ترسم صورًا من خلالها استطاعت حثَّ السرود على استثمار حكاية عشقها لزارا، وهيامه هو الآخر بها في الوقت ...

أكمل القراءة »

وهناك أحمد

المعتصم خلف. إلى الآن مازلت أذكر أحمد الذي كان مقتنعًا أنهُ يجب أن ينام في وسط الغرفة في ليالي القصف، وكلما أخبرتهُ أن الوسط هو الجزء الأكثر عرضة للموت، كان يستشهد بالرواية التي كان ينام بطلها في وسط الغرفة في ليالي القصف لتجنب الموت… حاولت أن أعرف عنوان الرواية وسألتهُ أكثر من مرة عن كاتبها أو عدد صفحاتها.. كان يقول “هي الكتب بتقتل الشي الحلو جواتك لا تقرأها…” قمة ما عرفتهُ عن هذا العمل أنهُ فرنسي.. ولا أدري هل قال لي هذه المعلومة بجدية أو كرأس خيط للبحث أو ليرتاح من تكرار السؤال؟ وكنتُ أتساءل دائمًا كيف يعرض نفسهُ لكل هذا الخطر بسبب جملة في رواية، أو بسبب عادة لبطل رواية قرر كاتبها أن يخاطر بشخوصها.. ومن هنا بدأ إعجابي بأحمد. كان يخاف أن يصبح ضريرًا، ولا أدري سبب هذا الخوف مع أن نظره كان جيدًا ولم يرتدِ يومًا نظارة طبية، كان عندما تنقطع الكهرباء لا يضيء شيئًا ولا يتحرك من مكانه، وكلما طالت ساعات التقنين كان يقلق، وينظر نحو أي جزء يحافظ على ضوئه مثل السماء أو بيوت الجيران ليتأكد من بصره. هو يعلم أنهُ لن يصبح ضريرًا فجأة، ولكن هو ذاته يعلم أيضًا أن هوسه صادق، أحيانًا كان يدافع عن هوسه هذا ليتحدث عن فلسفته بالعيون “شي مرة اطلعت لجواتك.. صدقني هالعيون مو لنتطلع لبرا، هالعيون لنشوف داخلنا المريض.. هيك بس فينا نفهم العالم”. ولا أعلم لماذا كنتُ أخاف منهُ، كلما اشتد الحصار كان يدّعي أن هاتفهُ يرن ويتحدث مع صديقتهِ القديمة، ويختار موعد اللقاء والمكان، وكان يطلب منها ألّا تذهب لوحدها إلى مسرح “الحمرا” وألا تضحك كلما قال لها بالفصحى “أغلى الهدايا الآن فنجان قهوة وأرخصها قافلة المساعدات”، مع أن صديقتهُ ماتت منذ عام ونصف بقصف على منطقة “خان الشيح”. كنتُ كلما وصلت إلى عتبة بيتهِ وسمعت صوت أطباقٍ تتحطم، أعرف أن أحمد لا تعالجهُ أساليبه في الشفاء من حالة القلق والتفكير التي تسيطر عليه. كان يريد ...

أكمل القراءة »

إبراهيم الجبين، يروي ما خفي من تاريخ دمشق وأهلها في “عين الشرق”

أبواب. صدر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت/ عمان)، رواية “عين الشرق ـ هايبرثيميسيا21″، للكاتب السوري إبراهيم الجبين (المقيم في ألمانيا). جاءت الرواية في 360 صفحة من القطع المتوسط، وهي تبدأ بعلاقة جمعت السارد مع رسام عجوز في مرسمه في التكية السليمانية في دمشق، مهووس بجمع الأشياء القديمة، كان قد عمل في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) في الخمسينيات، وأطلق بيده رصاصة الرحمة، كما يقول، على الكثير من معارضي السلطات التي حكمت سوريا وبلاد الشام. عن الأماكن والنخب الفكرية تعبر شخوص رواية “عين الشرق ـ هايبرثيميسيا21″، الأزمنة المتراكمة على الأرض السورية. من أبطالها ابن تيمية سجين قلعة دمشق الأبدي، والرئيس المستبد العجوز معزولًا في غيبوبته، تركة الأمير عبد القادر الجزائري في دمشق والعالم، كاسر وعبدالله أوجلان وسلمى المكونة من خليط من روزموند بايك ومونيكا بيلوتشي، ستناي الشركسية فتاة الليل التي تعتد بجدها المدفون في أحد جوامع دمشق.. تقص الرواية قصص حبٍ وكراهية، شاعر تحول إلى بائع نحاس وشعراء آخرون ذبحهم “داعش”. مظفر النواب في أصعب أيامه في دمشق، قبل أن يتآكله الباركنسون، شاعر مولع بالتصوير الفوتوغرافي في طريقه من القامشلي إلى المنفى البعيد، حنا يعقوب القادم من ماردين في تركيا، مؤسس المدرسة السريانية الأولى في عامودا وحفيده الذي سيعرفه الجميع بعد سنوات، شاعر دمشقي بجناحين وشقيقه البعيد في بيروت وأصقاع الأرض، يوميات السجن وظلام لياليه وعلاقات المعتقلين بعضهم ببعض. عين الشرق يقول “الجبين” عن روايته الجديدة: “إن دمشق التي سمّاها الرومان (عين الشرق) تختزل المشرق كلّه. وفيها تدور كل القصص السرية، من اليومي البسيط، إلى المخططات الكبرى التي عادة ما تغيّر وجه المنطقة. وفي هذه الرواية، رصدتُ يوميات عشتُها في دمشق، ما بين الخيال والواقع، وربما بهما معًا، وقد لا أميز مرات، أيّ منهما هو الواقع، الخيال أم الواقع ذاته. مبتدئًا من مدن سورية عديدة، أشخاص قدموا من ثقافات عديدة، محملين ببضائعهم الإنسانية والوحشية معًا، فاخترقوا عوالم الفكر والأدب والفنون، مغرقين المدينة في التهتك، مواصلين رجم المجتمع السوري العريض الذي ...

أكمل القراءة »

عن حياة… الموتى لا ينتحرون

نداء عوينة. “كلّما التقيت (حياة) تأكّد لدي شعور أنّ ما هي عليه الآن أفضل ممّا كانت عليه في الماضي. هي مثل شجرة كبيرة متعبة، تضرّرت بعض أغصانها قليلاً واكتست بعض أوراقها باللّون الأصفر، لكنّ البقيّة كانت نضرة ومفعمة بالحياة. مع تكرار لقاءاتنا لم يتبدّد هذا الشّعور، بل تأكّد. كانت تحدّثني عن حياتها في برلين، لا شيء سواها، لا قديم تذكره أمامي سوى أيّامها الأولى في الملجأ ورحلة حياتها القصيرة في مدينة لم تعطها ولم تأخذ منها إلّا القليل”. “لم أخطّط لخطوة في حياتي. أصبحتُ مقاتلاً بالصّدفة، وبالصّدفة نجوتُ من الموت مرّات عدّة. وصدفة انتهى بي الأمر هنا في ألمانيا. حياتي صدفة كبيرة”. لا يتعدى القارئ الأسطر الأولى من رواية “الموتى لا ينتحرون” للكاتب الفلسطيني سامح خضر حتى يأخذه الشغف فلا يستطيع التوقف عن القراءة، من المشهد الأول حيث اقتلاع (حياة) من حضن أسرتها إلى المشهد الأخير حيث يقتلع قلب القارئ الذي بدأ للتو بالارتياح. في الرواية ثلاث قصص لثلاثة لاجئين يعيشون في برلين؛ (حياة) الفلسطينية، (شروق) السورية و(إياد) الفلسطيني الناجي من مذبحة تل الزعتر، تتقاطع دروبهم في المنفى، المكان الآمن الذي هربوا إليه بعد أن استحالت الحياة في منابتهم. يعيش كل منهم على أنقاض خذلانه الشخصي، فحياة اغتصبها جدها الذي كانت تعيش تحت رعايته، وشروق أخذ البحر ابنها دون فرصة للوداع، وإياد، بدأ مقاتلاً مع الفدائيين وهو طفل، وعاد إلى تل الزعتر بعد المجزرة ليجد أمه وأخته جثتين منتفختين. “الموتى لا ينتحرون” مبنية على أسلوب المونولوجات المتعددة، لغتها سلسة ويومية، أنيقة دون أي تكلف تسمع فيها أصواتًا متعددة وتتفاعل معها بألفة شديدة، فقد أجاد سامح خضر تقمص الشخصيات والحديث بلسانها، وأجاد أيضًا لغة المرأة، فتحدث بطلاقة على لسان حياة وشروق رغم تعقيد العبء الشعوري الذي تحملانه، فالتركيبة النفسية الناتجة عن فقد الأمان وقبول الذات الواضح عند حياة وفقد الابن الذي تعرضت له شروق، يجعل المهمة تقريبًا مستحيلة، علاقة المرأة بنفسها وبجسمها وبما حولها، إعجابها، افتتانها، إرباكها، قوتها الهائلة، أمام قصة ...

أكمل القراءة »