in

في عين الله..

العمل الفني: تمام عزام
رباب حيدر. روائية سورية مقيمة في ألمانيا

النص من فعاليات تجمع مقلوبة المسرحي، مسرح اندير رور، مولهايم

بلغ العدد ثلاثمئة، لم يعد هناك أي مجال

“استعن بالله.. استعن بالله”

هناك احتمال بأن لا ننجو، لكن في أفضل احتمال ربما تقبل أن تنتشلنا سفينة إنقاذ، وربما يعاقب ربانها لاحقاً لأنه كسر قوانين السماح بالعبور!”

“البلم المطاطي أفضل من زورق الخشب، إن تكسر الخشب، قتلك!”

“لا مجال ليغير رأيه أحد.. إصعد”

صاحب الزورق كما اتفقنا عيًن لنا رباناً ليبحر بنا وعاد، وقال سيروا في ذاك الاتجاه. ونحن وافقنا على كل الاحتمالات.

انقطع الإرسال! هل انقطع الإرسال؟ هو كل ما نملك.. برد! برد!

دفقة جليد في عروقي وعتمة فيها، مددت ذراع فانتشلني غصن شجرة وصوتٌ ناداني بإسمي: إسمي الذي لم أعطه لأحد وغير مكتوب في الأوراق التي أحملها وعندما صحوت ضحك الجميع وأخبروني أن الموت ما يزال بعيداً، وأني أصبت بنوبة ذعر فقفزت من القارب وأن الإرسال لم ينقطع بعد.

– “ستأتي فرق الإنقاذ على صراخك، لا داعي للإرسال”، قال الربان الذي عينّه صاحب الزورق بعد أن أخذ النقود وغاب.

– “إنه يجن”، قال رجل مغربي لصاحبه الإفريقي. يتحدثان بالفرنسية لكني لسبب ما فهمت !

كان يحكي لجاره المغربي أنه دفع كل ما يملك، كذلك ما يملك بعض الآخرين الذين تركهم جثثاً وراءه، دفع كل شيء ليتجاوز معسكرات المهربين وملاجئ ليبيا ليصل البحر. عندما لم يصل بحر ليبيا جاء إلى بحر سوريا ولو لزم الأمر لعبر إلى بحر أمريكا اللاتينية، أو إلى سواحل المكسيك ليعبر إلى أمريكا من هناك. معابر للنجاة!

-“إن كنت تستطيع الصراخ وتحريك يديك في الهواء فأنت تعوم ولست غرقان، إهدأ” من معلومات حمّود التي جمعها لأتذكرها في البحر علّها تساعدني على الوصول. 

-“تموت من البرد قبل الغرق” قال المهرب الذي ضحك عندما سلمّني للقارب وغاب.

-“لا تتحامق وإلا سأرمي أنا بك في الماء” قال -من بين أسنانه- الربان

-“حافظ على هدوئك” أجابني حمّود كما لو في منام.

-“تعلمت الألمانية قبل أن أدفع للمهرب، سأتحدث إليهم أن ينقذوك أولاً” حاول تهدئتي وضرب على صدره جاري الذي قال إن اسمه مصطفى وصدقناه.

هذا المجنون” قالت امرأتان تتكئان على بعضهما بمسير نزق وعجول نحو الشيخوخة، تشبهان بعضهما واحدة تنادي الأخرى”يا عمة”والأخرى تناديها “يا حجّة” تشبهان بعضهما إلا أن “الحجة” وجهها أكثر سماحة وعيناها أكثر اتساعاً وابتسامتها أطول، وعدت الجميع على الشاطئ عند القارب بالمباركة وطلب منها الجميع الدعاء بالوصول والنجاة.

من قال أن النساء فقط يبكين؟ أمي قالت ذلك. لكني بكيت كثيراً بعد كل بحر. إن عبرت بحر الذعر ونجوت بكيت. وعبرت بحر الحدود يهددها تجار البشر والمهربين، بكيت. وعندما نجوتُ وماتوا ارتحت وبكيت. وبعد أن فقدت أسناني في رجل حتى تركته جثةً، عندما صحوت بكيت!

والآن في قلب البحر لم أبكِ. 

لم أتزوج، وركبت نساءاً ورجالاً وركبني الكثير من الرجالِ والنساء. ولا تعلم والدتي سوى بركوب القارب! 

وكنت قد أكملت رسائل إلى أصدقائي ورسائل إلى جيران كانت أمي تحبهم وأودعت سلامات لأعمامي وأصدقاء المرحوم والدي وطلبت دعواتهم فقالولي أنظر في عين الله.

….

هاج البحر ومال القارب، اختفى مصطفى، وتشبث المغربي والإفريقي بالربان وصرخت العجوزان.

 بكى رجلٌ وهزت العمًة رأسها أمام المرأة التي تشبهها وقالت “يا حجة، كنت قاسيةً مع أمي لأنها كانت قاسية معي، لم تزرني مرةً في المنام، هل كانت تزورك فعلاً في المنام؟

-“إيييييه سترينها قريباً اسأليها بنفسك” ضاقت عينا الحجة وفحّ صوتها.. الحجّة التي وعدت الجميع بالدعاء قبل القارب.

-“الغريق لا يصرخ فلا تعرف أنه يغرق. بل يموت بشهقة ماء بعد أن يتعب جسده من البرد أو من ضغط الماء” قال حمّود.
-“بعض الغرقى لا يصرخون، فلا تعرف أنهم يغرقون. لكني أعرف الغرقان” ضرب على صدره بقوة الذي قال أن اسمه مصطفى وصدقناه.
والمجنون لايصرخ، ونادراً ما يلوح بيديه في الهواء أن أنقذوني، بل يغرق في الجنون بصمت على مراحل طويلة، كما الغرق.. لاشيء يغرق فجأةً أو يجن فجأة أو ينتحر فجأة أو يعيش فجأة. كل هذه الأفعال تأخذ مداها. لو أني على الشط لقلت لحمّود هذا.

-“ولك مجنون”صرخ الربان

لكني لم أقفز من القارب هذه المرة بل القارب هو الذي مال، مال مال حتى انقلب وأصبحتُ في الماء. دفقة من جليد نفذت من جلدي إلى عروقي، تجمعت في صدري فضاق. الهاتف في محفظة جلدية ضد الماء.. لينقذني أحد ما!

نظرت ولم يطالعني سوى شجرة تسبح بعيداً عني.. من حمل معه شجرة عائلته؟ شجرة من هذه؟ هل تئن؟ ونزل معي جاري، هذه المرة ضرب على صدره وصدق. طالعني بعيون جاحظة خرجت حدقتها ككرة، غرق إلى الأعلى باتجاه السماء. أو أني رأساً على عقب في قلب البحر: تحتي قارب وفوقي يغرق مصطفى في الظلام. بينما أراقبه رأيت كل ما يقع على يميني حتى أقصى يساري وفي كل اتجاه.. هل غرقنا؟ هل هكذا يرى السمك البحر؟ هل أصبحنا أسماك؟ أنا أرى في كل اتجاه! 

اقتربت الشجرة وصرختْ بصوت الرجال: أمسك هذه أمسك هذه وخلصنا، وازن القارب!

-ارفعوه ارفعوه. كيف ترمي بنفسك يا ابن الكلب في الماء؟ أغرقت مصطفى معك!

-وازن القارب، وازن القارب وانزل عن الشجرة

-“انزل عن الشجرة يا ابن الكلب…”

-“إن كسرتها لأكسرك

كان أبي يصرخ ونحن خمسة على شجرة المشمش التي اعتادت حملنا نحن الأطفال: أربعة أصدقاء أنا وحمود الدبور وزياد البندوق وأسامة ابن البيدق وأختي تجبرنا على مشاركتها. وأحيانا تشاركنا التسلق سوسن التي كادت تموت لتتزوج، تزوجت أخيراً وماتت في أول ولادة، وهيام التي أضحت زوجة حمود بعد طلاقها من زياد. أوصتني أمي: دع أختك تلعب معك، وانتبه لها.

كانت أختي جميلة، أسرعنا في التسلق وأسرعنا في النزول وأسرعنا في الهرب، وأسرعنا في البكاء أمام الكبار، وأسرعنا في المدرسة وأسرعنا في العشق، وأسرعنا في الزواج وأسرعنا في الأولاد!

كانت أختي جميلة قبل أن تفقد اسنانها في منتصف أربعينياتها، وقبلاً كانت قد فقدت بريق عينيها. دائما يأتي فقد بريق العينين قبل فقد الأسنان. أنا فقدت بعضها فقط حتى الآن، أو ربما فقدتهم في البحر وربما اضطررت أن أعض أحداً لأنجو، ربما كنت في تركيا حينها أعبر الحدود حاملاً عائلةً ما وبعض المتاع. ربما حدث هذا في بحر إيجة أو على سواحل اليونان. ربما لم أكن أنا بل كززت على أسناني حتى تكسرت وأنا أراقب بشراً يعض بشراً آخر حتى آخر رمق من نجاته. 

كنت أراقب الشاب الصغير كامل الأسنان من إفريقيا، يبدو الآن صغيراً وهو خائف! ربما كان جندياً في الثانية عشر من عمره بأسنان كاملة، ويحتفل بعيد ميلاده الثالث عشر في وسط البحر، ياله من رقم سحري لتصعد معه البحر. ثلاثة عشر عاماً، ثلاثة عشر، ثلاثة عشر جندي، ثلاثة عشر ألف مجند من الأطفال في سوريا والعراق، تدفع ثلاثة عشر ألف مجند، تدفع عشرة آلاف دولار عند الحدود الليبية، وأربعة آلاف دولار عند الحدود التركية، ووبين تركيا واليونان بعيد الحدود أو في قلب القارب يصبح السعر ستة آلاف!

أول حب لي كان ابنة عمي لأن أمي قالت: “إبنة عمك لك” لكن -عكس ما يشاع- الحب الأول لا يأتي مرة واحدة، وأول حبٍ لي كان اسمه حسان، ثم أول حب وجسد كان اسمه عماد، ثم أحببت حقاً أخت حمود، لكن حمود كان يعلم بعماد وربما بقيس والزرزور، فوقف بيننا بهدوء حتى راح الحب ذاك. تعرّفت بقيس في محل رجل كنا نجتمع عنده ونقول له “الخال” اغتصبني الخال مرة، وقال “أنت لذيذ” كرهت أنه يحب النساء ويجدني لذيذ! 

تعرفتُ بكثير من الرجال خفيةً عن الجميع، وحمود دائماً كان يرى ما في داخل رأسي فكنت أحياناً أكرهه وأحياناً أخشاه، تعاركنا مرة ولم نتصالح إلا عندما كان يموت عشقاً بهيام التي حينها كانت في بداية زواجها الذي لن يطول بزياد. حسدت حمود وحسدت زياد وحسدت عماد والخال.. عندما هزمت براميل متفجرة منزلنا وانهزمت أختي مع زوجها ووالدتي إلى تركيا، فضلت أوروبا ليكون لي عشق أستطيع الحديث عنه هناك، سر صغير أريد أن أبوح به، أن أنام وأنا أعانق جسداً لن يغادر إن استيقظ إلى زوجته أو خطيبته أو أولادٍ آخرين.

خشيت من كلّ حبٍّ أن يفضحني فتنكسر عينا أختي أكثر، فلا يشتمني ويضحك والدي بل يتقلب في قبره، ويحزن قلب أمي عليّ فلا تطفو إلى جانبي، وأغرق أنا.. خشيت إن سمحت ليأسي وغضبي أن ينطلق أن آكل ببقية أسناني بقية البشر، كان علي الرحيل.

نحاول الوصول. انقطع الإرسال. في هذه اللحظة لا نأبه بأوروبا بل نرغب بأي مكان تنبت فيه الحياة.

نحن أشنيات هذا الكوكب التي تتحرك آلياً باتجاه الضوء. نهرب من العتمة لا خوفاً منها بل لأننا لا نعلم ماذا يمكن أن نتحول إن دخلنا فيها، أو أن دخلت فينا.

أتكئ على جذع شجرة مشمش في قلبه صوت أمي مع كل ثرثرات جيرانها في قهوة الصباح ورسائل عشق حمود لهيام. يتربع والدي تحتها قبيل المساء مع رجالات الحي المكسورين يتبادلون الشاي والدخان واخبار السوق وزيادات الرواتب وانقطاعاً المازوت والكهرباء.. أنا في بحر من كل هذا – أو أنه الشاطئ لأني أقف على شيء ما، أو ربما مستنقع من مستنقعات الحرب. أو ربما أقف عند واحدة من نقاط العبور بتماسيح مسلحة إن وصلت إشارة اللاسلكي إليها أن “اقتلوهم”متنا بالتو واللحظة ولا نحتاج لعبورات أخرى.

مستنقع من جثث بعد انفجار نسبح فيه قبيل الفجر فلا نصل القوارب التي سوف تقتلنا. مستنقع من صور أموات جائعين في سجون النظام صور تشردنا ونحن نأكل من دون أسنان. مستنقع من أفكار الحياة الإنسانية التعيسة التي يجب أن تعاقب بطريقة ما. “يمكن أن تغرق في الحرب، في الدم أو الخوف أو الهذيان!”قلت لحمّود أقنعه بضرورة أن يساعدني للوصول إلى مهرّب.. “مهرّب ثقة”

لكن صوت والدتي يئن في قلب الشجرة.. هل حقا أسبح وإلى جانبي الشجرة؟

سيقطع الإرسال!

يقولون أن الزورق الذي قبلنا مال فانسكب الذي فيه ولم يكتب لأحد النجاة. وأن البلم الذي سيسير خلفنا ربما قص نفس القصة هذه عنا. ربما لن تظهر سفينة إنقاذ

ولم يعد أمامنا إلا الله. بأي عين ستتطلع إن لم يكن هناك إله؟

على ماذا ستبصق وبم يمكن أن تستعين؟

أنين أمي، أو أن الشجرة تغرق.. أحاول رفعها فيصرخ آخر: “لا تحمل جثةً يا رجل، لا تحمل الجثث، الأموات يغرقونك والأحياء يأكلونك!”

انقطع الإرسال!

وأنظُر في عين الله!

اقرأ/ي أيضاً:

في حوار مع الكاتبة السورية رباب حيدر.. الحرب ليست في مكانٍ آخر

“إجراء شكلي”.. لعبة مسرحية من تصميم “تجمع مقلوبة”

مانشستر سيتي.. تراجيديا النهايات لن تنسينا جمال البدايات

شخصية العدد 50: الفنانة فريدا كاهلو