الرئيسية » باب مفتوح » هل قوانين ازدراء الأديان وتجريم التجديف والكفر سارية المفعول في أوروبا؟

هل قوانين ازدراء الأديان وتجريم التجديف والكفر سارية المفعول في أوروبا؟

بعد أن أثار قرار الإعدام بحق الباكستانية آسيا بيبي المتهمة بـ”الكفر والتجديف” اهتماماً دولياً واستنكار الجهات الحقوقية، ألغت الأربعاء محكمة الاستئناف حكم الإعدام، إلا أنه على الرغم من موجة الاستنكار الدولي لا تزال تهمة التجديف قائمة في قانون العديد من الدول الغربية، فكيف تتعامل الدول الأوروبية مع هذا الموضوع وما القوانين المعمول بها؟

برأت محكمة الاستئناف العليا الباكستانية آسيا بيبي التي حكم عليها بالإعدام على خلفية اتهامها بـ”الكفر والتجديف” بعد لفظها لإسم النبي محمد منذ نحو 8 سنوات في قضية أثارت اهتماماً دولياً واستنكاراً من قبل منظمات حقوق الإنسان.

 

يأتي هذا الحكم بعد أيام قليلة فقط على استفتاء إيرلندا الذي تم التصويت فيه على إلغاء جريمة التجديف والكفر وتمت إزالته من الدستور بعد أن أيد 65% من الناخبين هذا التغيير.

من جريمة إلى جناية

بشكل عام، يشير التجديف إلى الكلام بشكل مسيء عن الله أو أي شخصية مقدسة. وتعتبر جريمة يعاقب عليها بالإعدام في عدة دول إسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك في بعض دول جنوب شرق آسيا، لا سيما أفغانستان وإيران ونيجيريا وباكستان والمملكة العربية السعودية والصومال.

أما على المستوى الأوروبي، فالعديد من الدول تتعامل مع التجديف على أساس أنه جناية يعاقب عليها القانون بغرامة أو سجن لكن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام. كما هي الحال في 12 دولة أوروبية. وفي معظم الدول الغربية، لا يتم العمل بهذه القوانين إلا في بعض القضايا البارزة التي تتصدر عناوين الصحف أو تستهدف الحملات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وبعد الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 تم التخلي عن فكرة التجديف في فرنسا، إلا أنها عادت من جديد إلى الدستور عند الإصلاح الأول ليتم إزالتها بشكل نهائي في العام 1881 بموجب القانون المتعلق بحرية الصحافة.

وفي الوقت الذي حافظت فيه منطقة الألزاس موزيل الحدودية مع ألمانيا، على الميراث القديم لقانون العقوبات الألماني بقي التجديف يعتبر كجناية في القانون المحلي إلى أن تمت إزالته في تشرين الأول/أكتوبر 2016. فإثر الحوادث التي تعرضت لها المجلة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو، أراد أعضاء مجلس الشيوخ وضع حد لهذا التشريع الذي لا يطبق منذ 1919، ويعاقب بموجبه بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

في ألمانيا، بقي قانون التجديف بعيداً عن الأضواء لفترة طويلة حتى العام 2006 عندما تمت مقاضاة مانفريد فام بسبب توزيعه مناديل تحمل نقش القرآن. وبعد حوالي 10 سنوات أدين أستاذ الفيزياء ألبرت فوس بتهمة التجديف بعد تلوين النافذة الخلفية لسيارته بشعارات معادية للمسيحيين وتم تغريمه بـ500 يورو.

في البرتغال وإسبانيا يقتصر الأمر على تهمة “ازدراء الأديان” التي نادراً ما يتم اللجوء إليها. أما في المملكة البريطانية، ألغت إنكلترا وويلز جريمة التجديف منذ نحو 10 سنوات في حين بقي القانون سارياً في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية.

سخرية

وفي عام 2012، أدين المدون اليوناني فيليبوس لويزوس بتهمة التجديف وحكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر بعد أن أنشأ صفحة على فيس بوك يسخر فيها من الرهبان الأرثوذكس. الأمر الذي أثار سخط آلاف اليونانيين على مواقع التواصل الاجتماعي ضد إدانة الشاب ذو الـ28 عاماً الذي تلاعب بالكلمات وسخر من الأب بيزيوس من خلال تشبيهه بأحد أطباق المعكرونة التقليدية. لكن فيما بعد تمت تبرئته.

فالمحاكم اليونانية لا تعارض استخدام قانون التجديف في حال الهجاء أو السخرية من الدين وذلك لا يقتصر فقط على داخل اليونان، ففي عام 2005، حُكم النمساوي غيرهارد هاردير غيابياً بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ بعد نشره لرسم ساخر (كاريكاتور) يظهر فيه المسيح على لوح لركوب الأمواج يدخن عارياً. لم يكن هاردير على علم بأن كتابه “حياة يسوع” قد نشر في اليونان إلا بعد تلقيه لاستدعاء إلى المحكمة لكن تمت تبرئته عند استئناف الحكم.

أعمال فنية وحرية التعبير

غالباً ما يكون الفن أصل الدعاوى القضائية المرتبطة بالتجديف في إيطاليا حيث يحظر القانون الحالي التشهير بشأن الأديان التي تعترف بها الدولة الإيطالية. وفي 2006، اتهمت الكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي بتشويه الإسلام في كتابها “قوة العقل” الذي يتناول في ثلاثة أجزاء عواقب هجمات 11 سبتمبر. ورغم توجيه اتهامات بوجود 18 تصريح مسيء في كتابها إلا أن النيابة الإيطالية لم تنجح قط بمحاكمتها لأنها توفيت أثناء الإجراءات.

وفي الدنمارك، نجا رجل من المحاكمة في العام 2017 بعد أن نشر مقطع فيديو على فيس بوك يظهر فيه وهو يحرق القرآن في حديقته لكن المحكمة لم تستطع المضي قدماً بعد أن صوت البرلمان لصالح إلغاء القانون الذي يرجع إلى نحو مئة عام تقريباً، ويقضي بمعاقبة من تثبت إدانته بإهانة أو تشويه شخص أو شيء يعتبر دينياً أو محرماً أو مقدساً، بالسجن لمدة أربعة أشهر أو الغرامة.

وعلى الرغم من أن الكاثولوكية المسيحية تشكل الغالبية في بولندا، إلا أنه لا يوجد قانون واضح حول التجديف، لكن الأمر يقتصر على نص قانوني يحظر الإساءة العامة للمشاعر الدينية وقد تصل عقوبته إلى السجن لمدة عامين. وبعد محاكمة مثيرة للجدل في عام 2002 لاقت احتجاجاً دولياً، تم تبرئة الفنانة دوروتا نيزنالسكا التي قدمت تماثيل لأعضاء تناسلية على علاقة بالدين المسيحي.

ويجرم قانون العقوبات التركي التجديف والإهانات الدينية وخطاب الكراهية. وفي عام 2012، تمت مقاضاة عازف البيانو الشهير فاضل ساي بتهمة “إهانة القيم الدينية لجزء من السكان” بعد نشره تعليقات استفزازية ضد المسلمين عبر موقع تويتر وحكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر مع وقف التنفيذ. لكن المحكمة العليا التركية نقضت الإدانة معتبرة أن منشورات ساي على تويتر بمثابة حرية في الفكر والتعبير، وبالتالي لا يجب معاقبتها.

المصدر: فرانس 24

 

اقرأ/ي أيضاً:

ما رأيك بقرار محكمة باكستانية ألغت حكماً بإعدام مسيحية بتهمة “التجديف”؟

بعد سجنه 7 أشهر، النقض المصرية توقف حكماً بحبس الروائي أحمد ناجي

د. محمد شحرور: لماذا يلحدون؟

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ألمانيا: كفالات اللاجئين.. مسؤولية تستمر لسنوات عديدة!

تحمل آلاف الأشخاص في السنوات الماضية كفالات للاجئين على خلفية الاعتقاد أن مسؤوليتهم عن دفع تكاليف معيشة المكفولين تنتهي عند الاعتراف بطلبات لجوئهم. لكن الواقع أظهر أن ذلك اعتقاد خاطئ. فمسؤولية الكفيل تستمر لسنوات. زوجته حذرته. لكن ما الذي سيحصل؟ كريستيان أوسترهاوس كان متيقنا من ...