الرئيسية » باب مفتوح » أمراض المهاجرين، متلازمة أوليسيس .. ضغوط الاغتراب وغياب الرخاء الاجتماعي – الجزء الأول

أمراض المهاجرين، متلازمة أوليسيس .. ضغوط الاغتراب وغياب الرخاء الاجتماعي – الجزء الأول

ريما القاق* يتم اتهام بعض اللاجئين بالكسل والاتكالية في كثير من الأحيان، لبطئهم في عملية الاندماج في المجتمع الجديد، لكن في الحقيقة، يتعرض الكثير منهم لضغوطٍ نفسية غير محتملة، لا يستطيعون التأقلم معها، أو التغلب عليها، فتحد من قدرتهم على إنجاز أبسط المهمات اليومية.

لا تقتصر الحالة الصحية الجيدة للإنسان على غياب المرض فقط، بل تقتضي أيضاً التمتع بحالة من الرخاء الاجتماعي، والحد الأدنى من ظروف العيش الجيدة. يتضح هذا جلياً فيما يخص الصحة النفسية، إذ لا يمكن للمرء أن يتمتع بحالة نفسية جيدة، دون وجود مقومات جيدة للحياة، بمستوى معيشي مرضي للشخص نفسه، يشكل له بيئةً آمنةً، لتحقيق أحلامه وطموحاته، وليس فقط ما يضمن بقاءه على قيد الحياة.

تحديات الاغتراب

يتضمن سياق الهجرة المعقّد، عوامل تسبب تعرض المهاجرين لمستويات عالية من الضغوط النفسية والعصبية. ويعتبر تهديد تغيير الهوية، القيم، العادات والتقاليد، عاملاً أساسياً للشعور بالقلق، يرافقه خوفٌ من استحالة الاندماج مع المجتمع الجديد، والثقافة المختلفة، بالإضافة إلى الخوف من الرفض والترحيل، في ظل صعود رهاب الأجانب “Xenophobie، وحركات اليمين المتطرف والعنصرية في البلاد المضيفة.

معاناةٌ أخرى يواجهها المهاجرون بشكل دائم، ألا وهي البحث عن سكن مناسب، حيث يمتلك السكان الأصليون امتيازات وأولويات في هذا الشأن، إضافةً إلى ما يواجه الأجانب من عنصرية وتنافس مادي في كثير من الأحيان. ويشكل عدم وجود مكان للسكن سبباً إضافياً للضغط النفسي والتوتر، وخصوصاً للعائلات، مما يمنعهم من ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي، مع أنشطتهم المعتادة.

يؤدي تعرض المهاجرين لضغوط نفسية شديدة في بلاد المهجر، إلى حدوث أعراض مزمنة ومتعددة، تمت دراستها وتسميتها بمتلازمة أوليسيس، هذه الأعراض قد تكون ردَّ فعلٍ على الجهود التي يبذلونها ليتأقلموا مع الضغوط النفسية ذاتها.

متلازمة أوليسيس

بعد دراسات أجراها خلال عقدين من العمل مع المهاجرين، قام بروفيسور الطب النفسي في كلية الطب في جامعة برشلونة، جوسيبا أخوتيغوي، بتوصيف متلازمة أوليسيس عام ٢٠٠٢. تصيب هذه المتلازمة بعض المغتربين، نتيجة ما يواجهونه من ضغوطات في المعيشة، كما توصف أيضاً، بمتلازمة ضغوط الهجرة المزمنة والمتعددة The immigrant Syndrome with Chronic and Multiple Stress .

تعود تسميتها، إلى البطل الإغريقي أوليسيس (أوديسيوسفي ملحمة هوميروس الأوديسا، والذي أمضى عشر سنوات في رحلة عودته إلى مدينته. تشير تجربته، إلى معاناته خلال اغترابه القسري، ورحلته المعقدة مع لغات وثقافات مختلفة حول العالم.

أعراض متلازمة أوليسيس:

تتضمن متلازمة أوليسيس أعراضاً جسدية ونفسية مثل: الصداع النصفي، الأرق، القلق المستمر، العصبية، التهيج، الارتباك، الخوف، انعدام الثقة بالنفس، الاكتئاب المزمن، آلام الرأس والعظام والمعدة.

الشعور بالوحدة

يعتبر الانفصال الإجباري عن الوطن والعائلة والأصدقاء سبباً في تفاقم الشعور بالوحدة، وخصوصاً في ظل البعد لفترات طويلة، مع صعوبة الزيارات، بالأخص في حالات الفراق عن الأطفال الصغار، المسنين، المرضى الذين لا يمكن إحضارهم، أو زياراتهم. ويزداد الشعور بالوحدة، مع استرجاع الذكريات، إذ غالباً ما يعتبر المهاجرون أن مجتمعاتهم كانت غنيةً بعلاقات اجتماعية متماسكة، وجماعات متكافلة على السراء والضراء.

العزلة

يعبر الكثير من المهاجرين عن عدم الرضا عن ظروف العيش الحالية، واختلافها عن المستوى الاجتماعي والمادي في بلد الأصل، ما يدفعهم للعيش في عزلة اجتماعية. كما يشغل تفكير معظمهم، تأمين طرق العيش، بما يبقيهم على قيد الحياة، أي تأمين الطعام والحاجات الأساسية من جهة، وإرسال مبالغ مالية لأهلهم من جهةٍ أخرى، ما يخلق لديهم شعوراً بالخوف من عدم تحقيق الأحلام والرغبات. ومع ندرة الفرص، يصبح الحصول على عمل، والتعرف على أصدقاء جدد، والزواج هموماً شاغلة، بعد أن كانت من المسلّمات في بلد الأصل، فتكون النتيجة الشعور بالفشل، وتراجع المكانة الاجتماعية، وانعدام الرفاهية، أو الرخاء الاجتماعي.

يجب الانتباه إلى أن تعقيد وتزامن هذه الأعراض، يزداد مع غياب  شبكة صحية من الدعم الاجتماعي، ومع التدخل غير المناسب من النظام الصحي للدولة المضيفة. إذ تؤدي محاولات التأقلم، المترافقة مع الضغوط النفسية المتزايدة، إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً في حالات الخطأ مثل تشخيص المرض، بمرضٍ نفسي آخر، حيث يسبب التشخيص الخاطئ، والأدوية المعطاة في هذه الحالة، تأثيراً سلبياً يزيد حدة الأعراض.

في العدد القادم، سنتابع الموضوع مع طرق الوقاية والعلاج، مع اقتراحات للتعامل مع متلازمة أوليسيس.

ريما القاق. ماجستير في إدارة النزاعات بين الثقافات المختلفة

اقرأ أيضاً للكاتبة:

هل سيحتاج اللاجئون للمطالبة بحقوق الرجل في ألمانيا؟

عن الصحة النفسية للاجئين في برلين… استراحة المحارب

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“أيام الموسيقى العربية” في سنتها الثانية: الإبداعات العربية تتألق في فضاء برلين

أبواب تنطلق “أيام الموسيقى العربية” في سنتها الثانية يوم 21 أيلول/ سبتمبر 2018، على مسرح “بيير بولتز سال” Pierre Boulez Saals في برلين، وللسنة الثانية يقوم بإعداد البرنامج الفني والإشراف عليه الفنان العراقي المعروف “نصير شمّه”، الذي يضطلع في هذا الوقت بمهمة سفير الصليب الأحمر ...