الرئيسية » باب أرابيسك » تطوّرمفهوم المواطنة وسياقاته التاريخية

تطوّرمفهوم المواطنة وسياقاته التاريخية

بسام العيسمي. محامي سوري مقيم في النمسا

مفهوم المواطنة مفهوم مركب، يتّصل ويتأثر بمجموعة من العوامل والمعطيات المختلفة السياسية والإجتماعية والثقافية والتاريخية لأي دولة من الدول. فالمدلول المادي والقانوني للمواطنة هو الذي يخلق أرضية لممارستها، ويُشرعن وجودها  الذي يرتبط بدرجة التطوّر الحضاري, وذاكرة المجتمعات وإرثها الذهني, وتجاربها السابقة عبر العصور.

وهنا لابد لنا من توصيف بعض المصطلحات التي تتصل وترتبط بمفهوم المواطنة ومدلولاتها، مثل كلمة (وطن – مواطن – وطنية)..

مفهوم المواطنة:

المواطنة لغةً مشتقة من كلمة وطن، والوطن هو المساحة الجغرافية التي ينتسب إليها الفرد, وما يترتب على هذا الانتساب من حقوق وواجبات، والمواطن هو صفة المواطنة, والمطرح الصالح والحامل للحقوق، وماتولّده من التزامات، والدستور هو الذي يحدد مركزالفرد القانوني في هذه العلاقة، فالوطنية هي ثمرة المواطنة وانعكاس لمشاعر الولاء والإنتماء الوطني للبلد الذي احمل جنسيته.

لم يتكون مفهوم المواطنة دفعةً واحدةً، بل تدرّج نسبياً كمفهوم متحرك عبر سيرورة تاريخية تطوّرية مستمرة، ساهمت كل شعوب الأرض قاطبةً بتضحياتها ونضالاتها على إنضاجه وتوسيع مداه ومطرحه، فظهرت أول صوره الجنينية في العصور القديمة قبل الميلاد في مدينة أثينا. وتطور هذا المفهوم تطوّراً نوعياً مع دخول أوروبا عصر التنوير ورموزه أمثال هوبز وجان جاك روسو ومنتسكيو، ودورهم الرئيس في تأصيله وتعميقه. فطرحوا لأول مرة مفهوم العقد الإجتماعي بين الحاكم والمحكوم, والآلية التي تحكم هذه العلاقة، وبمقتضى ذلك تحوّل المواطن إلى ذات حقوقية مستقلة, بعد أن كان عنصراً مدموجاً غير متمايز في الوحدة العضوية للعشيرة أو القبيلة. وحديثاً كان للمتغيرات العالمية، وتطور البشرية الإنساني قبل قرنين من الزمن الدور المهم في إنضاجه.

مفهوم المواطن:

مع تشكّل الدول الأوروبية الجديدة وترسيمها لحدودها, اعتبرت نفسها سيدةً مطلقة ضمن هذه الحدود, وأن أمرها نافذاً على كل من يقطن داخلها.

نشأت فكرة المواطن الذي يملك الحقوق غير القابلة للتنازل أو الإلغاء، أو الإعتداء عليها من قبل الدولة، لاستدراك استبدادها والحد من سلطاتها التدخلية.

هذه الحقوق هي نفسها التي وردت في لائحة الحقوق للثورة الفرنسية وماحملته من مبادئ الحق والعدل والمساواة, والذي تُوّج بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948. وما كان لهذا الإعلان من أثر كبير في تطوّر وتجذّر مفهوم المواطنة، وإعطائه بُعداً وعمقاً عالمياً وإنسانياً، كمقدمة لبناء مشروع إنساني مستقبلي للبشرية جمعاء، في مواجهة كل أشكال القهر والاستبداد والطغيان التي انتهكت إنسانية الإنسان.

هذه النقلة النوعية في الحقوق إلى العالمية عمّقت مفهوم المواطنة، ووسعت نطاقه ليجسّد حالة الإندماج الوطني الأرقى, والهوية الجامعة لأفراد المجتمع الذين يعيشون أعضاء في الكيان السيادي لدولة ما ويحملون جنسيتها، بحيث أصبحت المواطنة في الدولة الديمقراطية معادلة للجنسية، وتتجاوز الاعتقاد الديني بعد أن تمّ تقويض سلطة الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، وصولاً الى مبدأ المواطنة المتساوية، والتسليم بأن اختلاف العقيدة الدينية لايحول دون الانتساب الى مواطنة مشتركة، يتمتّع بها جميع المواطنين بغض النظر عن الديانة أو المذهب أو المعتقد أو الأصل القومي أو الجنس أو أي اعتبار آخر. الجميع هم على قدم المساواة في وطن يتكوّن من مواطنين أحرار ويتمتّعون بالضمانات القانونية والدستورية التي تمنع التعدّي على حقوقهم.

مفهوم الوطن:

بهذه الصفة أصبحت المواطنة مدخلاً لتحقيق الاندماج الوطني, وبناء الدولة كمؤسسة حيادية مستقلة عن السلطة, وتقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، سنداً لمعيار المواطنة فقط.  وهذا ما يُعطي للمواطنة معناً مقدّساً في ضمائر المواطنين, ويُرسّخ شعورهم بالولاء للوطن الذي ينتمون إليه. وبذلك تكون العدالة والحرية والمساواة في الحقوق هي جوهر المواطنة الحديثة، التي لاتكون إلّا في ظلّ نظام ديمقراطي تعددي تداولي يحترم الحقوق ويحمي الحريات.

والمواطنة بهذه الصفة لاتسبح إلا في فضاءات الديمقراطية والدولة الحيادية غير المؤدلجة. فالدولة الإيديولوجية بمختلف أنواعها ومسمياتها سواء كانت قومية, أو سياسية, أو دينية, ليست حيادية ولا عادلة. فهي دولة منحازة، لأنها ستنظر للأفراد من بوابة الولاء لمعتقداتها، وستتحوّل الى أداة قمع وقهر لضبط وأدلجة المجتمع قسراً, لما تؤمن وتعتقد به, بدلاً من أن تكون ـ في حال حياديتهاـ المساحة التوافقية التي تحمي وتنظّم الصراع السلمي للرؤى والميول والمصالح والمعتقدات وفق قواعد وآليات الديمقراطية، لإنتاج القرارات والخيارات الوسطية للمجتمع في لحظة زمنية ما من سياق تطوره.

فهل حمل وهل تجسّد فكر ومفهوم المواطنة كبعد رئيس جامع للفضاء الوطني، فيما سُّمي بثورات الربيع العربي؟ وفي الثورة السورية بشكل خاص؟ وهل كان لثقافة المواطنة مساحات في الموروث التاريخي والثقافي لمجتمعاتنا, هذا ما سيكون مادة المقال القادم .

إقرأ/ي أيضاً:

الربيع العربي يمتد.. اليوم السودان وغداً؟

جليلة الترك: الهوية: هي موقفنا من الوطن والمواطنة

الثقافة والهويات الثقافية وتنازع الإرادات

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“آلام ذئب الجنوب” النص والمدى المفتوحان

أن تكون ذئباً فذلك يحتم عليك ألا تكون نمطياً، وألا تكرر نفسك، وألا يكون فعلك أقل حدةً من صوتك، وكذلك إن كنت بدوياً، أقول هذا لمعرفتي بكلتا الثيمتين اللتين شكلتا فضاء العتبة النصية الأولى لما يدار من سيرةٍ ميتاروائية بين دفتي “آلام ذئب الجنوب” والجنوب ...