in

أولدنبورغ السورية في ألمانيا!

الصورة لأوس حويجة

جميل جرعتلي

رغم أن أولدنبورغ الألمانية، مليئة بدلاء الألوان، إلا أنّ أقواس قزح السورية حضرت بقوة منذ لحظة وصولنا إلى المطار، حيث الضباب والأشجار العارية التي ما فتئت تواجهنا بسؤالٍ خطيرٍ لم يكن في الحسبان في السابق: هل نحن بقايا حرب أم بشر لنا تاريخ نحمله في حقائبنا، وهو قادر على التحدث إذا ما اقتضى الأمر؟ هل ما جرى يستحق كل هذا الانسلاخ أو الدخول طوعًا في التغريبة السورية كما يسميها معظم الأهل خلف الحدود؟.

في هذا الجو كان علينا اختراع أولدنبورغ سورية في هذا المكان القصيّ والنائي، “نحن لسنا نكرات” قالها ابني عمار، الشاعر الصغير والحاذق الذي كان بصدد إصدار كتاب شعري قبل وصولنا بقليل إلى هذا المكان، القصة ربما ترتبط بالمعجم الجديد الذي راح يتشكل في أذهاننا حول السياسة والاقتصاد والثقافة وجغرافيا العالم العربي، الطاعن في التخلف والحروب والاغتيالات واقتتال الأهل على امتلاك الحقيقة.

أو ربما هو شيء من الصدمة التي حملناها على طائرة “اللوفت هانزا” التي هبطت بكامل غربتها ثم تركتنا لمصيرنا. اختراع أولدنبورغ سورية، يبدو تجربة مغرية بالنسبة إلينا، حتى لو اقتصر الأمر على ما وراء الجدران أو في أحواض الحديقة الصغيرة التي خصصناها ببذورٍ حملناها من بلادنا الأم، كما يسميها المهاجرون القدامى. الجدران في الداخل كانت ملعبًا لرسومات الأطفال، والصور الفوتوغرافية التي تركت زوجتي لأجلها الكثير من أغراضنا الشخصية، لأن الوزن لم يكن يسمح بالكثير من تلك الألبومات التي سمتها حينها بالذاكرة. ولشدَّة ما كنا نضحك بمرارة خلال المراحل الأولى عندما كان يقول شاعرنا الصغير إننا تحولنا إلى كائناتٍ من صور. الهاتف لا يرن إلا إذا اتصل أقرباؤنا في المدينة المجاورة. إنّ إعادة كتابة الشعر باللغة الألمانية ليس بالعملية السهلة كما كنا نتخيل، يقول عمار، وهو يشتم الحرب التي توشك أن تترك انقلاباتٍ جذريةٍ في معجمه وصوره، حين يضطر إلى تعلم لغةٍ أجنبية ثقيلة، ويعمل على تحميلها كل مشاعره وسخطه ومزاجيته. بالنتيجة كنا كمن يحاول بناء مدينته أو سوريته داخل عالمه الصغير الكبير في الوقت نفسه، تلك العملية العفوية لم تكن بحاجة أيديولوجيات أو اختراعات حتى تكتمل، فعدة أيام كانت كافية لبناء مدنٍ كاملة على حدود الضباب، كانت في الحقيقة كل ما نملك من استقرار يشعرنا بأننا لسنا مجرد أرقام. الحديقة بدأت تنبت أزهارها السورية القادرة على مقاومة البرد، الشوكيات احتلت المكان أقصى اليمين، كذلك صوت فيروز الذي راح يصدح كل صباح.

بالفعل كان للتكنولوجيا نعمتها الكبيرة التي لا يقدرها أحد، وهي القدرة على حمل كل هذه التفاصيل التي ساعدتنا على اختراع وطنٍ رديفٍ لهذه الغربة التي اقتحمت وجودنا جراء الحرب. كان من الصعب اختراع بشرٍ جدد كي يكتمل التصور الاجتماعي في هذه البقعة النائية، هنا كان يحضر الانسلاخ بشكلٍ مرعب، لكنه لا يلبث أن يُطوى في الوطن الصغير الذي أسّسناه وهو “أولدنبورغ السورية”.. تلك المدينة الطاعنة في الضباب والمجهول وإعادة الاختراع.

اترك تعليقاً

مقهى بابل، مشروع مسرحي ألماني سوري

كاريكاتير من سوريا في مدينة بون