in

ألمانيا… وطن بديل

اللوحة للفنان الكبير لؤي كيالي

د. هاني حرب*

أكثر ما تتضح التقاليد الألمانية في الكرنفالات والمناسبات العامة، لاسيما أسواق الميلاد التقليدية، والتي تعكس الطبيعية الألمانية دينياً واجتماعياً، كالنقانق الألمانية، النبيذ الحار وغيرها من الأطعمة التقليدية الألمانية.

استرعاني في عيد الميلاد الماضي كوخٌ صغيرٌ يتوسط سوق الميلاد، كان مختلفاً بألوانه والروائح المنبعثة منه وبمنتجاته من الفول المدمس، الفول النابت، الفلافل، الحمص.. أطعمة سورية بحتة كان الإقبال عليها رائعاً. كان الناس يصطفون كطابور طويلٍ، ينتظرون دورهم لتجربة الفول النابت مع الكمون وعصير الليمون.

أخذتني خيالاتي إلى قهوة النوفرة وسط دمشق القديمة حيث ترعرعت، قبل أن أغادرها منذ أكثر من ١٧ عاماً لمتابعة أحلامي. أقف اليوم لأرى المهاجرين الجدد من أنحاء العالم، وخصوصاً سوريا يأتون إلى ألمانيا لبدء حياتهم الجديدة، لبناء مستقبلٍ جديدٍ في بلدٍ جديدٍ، ربما يحتاجون ويطمحون لتسميته يوماً ما.. وطناً.

ولكن ما هو الوطن؟ وما هو مفهوم المواطنة؟

الوطن حسب تعريف معجم مختار الصحاح هو محل الإنسان، وأوطن الأرض ووطّنها واستوطنها واتّطنها أي جعلها وطناً، وتوطين الذات على شيء ما تمهيدها، أما في المعجم الوسيط فهو المكان، ويُقال “يطن” وطناً، أي أقام بِهِ، وأوطن المكان أي اتّخذهُ وطناً، والوطن مكان إقامة المرء ومستقره، ويُنسَبُ انتماؤه إلى وطنه سواء وُلد فيه أم في غيره. ومن هنا نفهم أن الوطن هو المكان الذي يتخذه الشخص للاستقرار.

هنا في ألمانيا، يرتبط مفهوم الوطن من الناحية التاريخية، بالأصول الجرمانية التي قطنت منطقة ألمانيا والنمسا وجزءاً من هنغاريا وبولندا، وعليه كانت ألمانيا الكبرى خلال فترة الحرب العالمية الثانية وقبلها هي الوطن الحقيقي للعرق الآري الألماني!

حتى بداية ١٩٩٠، عام الوحدة الألمانية، كان قبول الألمان بالمهاجرين الأتراك والبولنديين واليونان وحتى العرب هزيلاً جداً، حيث لن تجد في تلك الحقبة أي برلماني من أصول أجنبية، ولا أي لاعب أجنبي ضمن المنتخب الألماني لأي رياضة، كعلامةٍ واضحةٍ على عدم قبول المجتمع الألماني بالمهاجرين كجزءٍ من هذا الوطن.

تبدل هذا الأمر مع دخول آلاف الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية، ومع موجات استقدام الروس ذوي الأصول الألمانية، والذين كانو يقطنون قرى ومدن حول نهر الفولغا حتى أواخر العام ١٩٤١، مع دخول الاتحاد السوفيتي الحرب العالمية الثانية، حيث تم نفيهم إلى سيبيريا ومن ثم إلى دول الاتحاد السوفيتي. موجة الهجرة هذه، أدخلت ألمانيا ضمن نفق العولمة بشكلٍ قسريٍ، وبدا قبول الآخر كجزءٍ لا يتجزأ من الوطن الألماني، أمراً إجبارياً للمواطنين الألمان ممن ولدوا بعد نهاية الحرب العالمية، وخلال فترة الحرب الباردة.

تغير مفهوم الوطن والمواطنة مع بداية الألفية الثالثة بشكل جذري في ألمانيا، وأصبحت العولمة والمجتمعات المختلطة أمراً بارزاً في معظم المدن الكبيرة، في حين حافظت القرى بشكل أو بآخر على الطابع الألماني التقليدي، كما بدأت الزيجات المختلطة بين الأعراق المختلفة، وبدأ أبناء المهاجرين -برغبة منهم أولاً، و بانفتاح كبير من المجتمع الألماني التقليدي- بتسمية ألمانيا وطنهم الأم، وتبوّأوا المناصب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في مختلف مناحي الحياة ضمن الدولة والمجتمع الألماني. بشكلٍ موازٍ، عادت الدعوات لاعتبار العرق الآري عرقاً متفوقاً على باقي الأعراق، وظهرت من جديد وبشكلٍ محدود جداً الدعوات النازية القومية.

عام ٢٠١٣ – ٢٠١٤ بدأت موجة النزوح الكبرى، مع وصول أعداد هائلة من المهاجرين من سوريا، العراق، أفغانستان، البلقان، أفريقيا إلى أوروبا، هرباً من جحيم الحرب أولاً، ورغبةً ببناء مستقبل جديد في وطن جديد ثانياً. كانت ثقافة الاستقبال “Wilkommenskultur” هي السائدة في ذلك الوقت، وكان استقبال الألمان للمهاجرين الجدد أمراً استثنائياً بكل المقاييس.

في المقابل زادت النزعة القومية لدى الكثيرين ممن اعتبروا أن الوطن هو لمن ولد فيه، بل أن الوطن الألماني هو للعرق الآري فقط لا غير. عزز هذا الأمر، الكثير من التصرفات الطائشة من بعض المهاجرين، وهو ما يجب اعتباره طبيعياً ضمن تجمعاتٍ كبيرة جداً من المهاجرين.

اليوم وفي عام ٢٠١٨، تقرر إدخال مفهوم “الوطن والمواطنة” إلى عقد الحكومة بين الأحزاب المتعاقدة على بناء الحكومة القادمة، حيث حاز الاندماج القسم الأكبر من الشرح تحت مطلب الغالبية المسيحية المسيطرة على البرلمان والحكومة.

كيف تكون مواطناً “مقبولاً” في ألمانيا ٢٠١٨؟

تم ذكر كلمة اندماج ٥١ مرة في عقد الحكومة الجديدة، التي تم الاتفاق عليها مؤخراً. تم ذكر اندماج اللاجئين أكثر من ٤٥ مرة، وخصوصاً من الناحية اللغوية والاجتماعية. من يريد أن تكون ألمانيا موطناً له، عليه تعلم اللغة الألمانية، والعادات الألمانية. كما تم ذكر أن المهاجرين جزءٌ لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الألماني، ومكونٌ أساسيٌ له. إضافة إلى ذلك، تم ذكر دعم المرأة للعمل، والدراسة والتطور كمكونٍ أساسيٍ للعائلة المهاجرة، وأن هذا الأمر سيكون جزءاً لا يتجزأ من المستقبل.

الدعوات الأساسية التي تم طرحها هنا، لم تتجاوز الحواجز والشروط والمكونات السابقة للاندماج، ولكنها للأسف أغفلت جزءاً أساسياً للاندماج، وهو أنه عملية ذات قطبين، ولابدّ من أن يتحرك القطبان تجاه بعضهما، وبالتالي فإن الدعوات المتكررة، ومطالبة اللاجئين والمهاجرين الجدد برمي موروثاتهم الثقافية والاجتماعية وراء ظهورهم، للانغماس الكلي ضمن المجتمع الألماني، دون مراعاة خلفياتهم وأصولهم، هو أمر غاية في التعنُّت والفوقية.

أغفل السياسيون الألمان، وبعد سنوات من موجة اللجوء والهجرة الأخيرة، وبعد جمع العديد من الخبرات مع اللاجئين والمهاجرين، الاعتراف بأن الاندماج أمرٌلا يُحل ببساطة بإتقان اللغة أو الحصول على مهنة ما. فالقادمون الجدد ليسوا آلات للعمل، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، إنما لهم حقوقٌ وعليهم واجباتٌ، ومن حقّهم أن يكون وطنهم الجديد مرناً لاستقبالهم، للاعتراف بهم ودمجهم ضمن محيطهم، دون خسارة موروثهم الثقافي والحضاري، والذي هو نفسه ما يعطي اليوم برلين رونقها، فرانكفورت حضارتها وهامبورغ روحها.

الوطن، كمهاجر ومواطن

عام ٢٠٠٦ وصلت ألمانيا كمهاجر وطالب. وفي عام ٢٠١٠ شعرت لأول مرة بأن ألمانيا صارت وطناً لي. حصلت على الجنسية الألمانية سنة 2013، ورحبّت بي السيدة شميدت في ماربورغ كألمانيّ للمرة الأولى. ثم في العام ٢٠١٤ بدأت موجة الهجرة الجديدة، وكمهاجرٍ قديمٍ، ومواطنٍ جديدٍ، نظرت إلى هذه الموجة كدليل على انفتاح ألمانيا على الآخر وقبولها له، ولم أرهم يوماً كغرباء! بل كإثراء ضخم جداً لألمانيا.

نعم هنالك سلوكيات سيئة أتمنى ألا تتواجد في ألمانيا، لأنها تسيء لسمعة المهاجرين ككل، ولكن لا يمكن اصطفاء واختيار من نريد، ومن لا نريد من أكثر من مليون مهاجر وصلوا خلال عام واحد.

خلال خمسين عاماً مضت، رأى الألمان الأطباء، المهندسين، الصيادلة، والقادة من مجتمعنا يأتون إليهم، لتلقي العلم هنا ثم العودة إلى سوريا، أو البقاء والاستقرار في ألمانيا. لكن  ما حصل عام ٢٠١٤ كان مختلفاً، حيث أن كل طبقات الشعب وصلت، بعضها ناجح، وبعضها يسعى للنجاح، وقلة قليلة من السيئين. كان النجاح بالنسبة للألمان الذين تواصلوا مع المهاجرين القدماء مرتبطاً بدراسة الطب والصيدلة والهندسات. للأسف فقد الكثير من السياسيين الألمان بوصلة النجاح بالنسبة للمهاجرين، وتجاهلوا أن المهن وخبرات المهاجرين هي الوقود الذي سيقود ألمانيا مستقبلاً.

في النهاية وكمهاجر قديمٍ ومواطنٍ ألماني، أدعو كل الواصلين إلى ألمانيا إلى العمل والجهد لتعلم اللغة ومعادلة شهاداتهم التقنية والفنية أو العمل على تعلم مهن جديدة، وفتح آفاق جديدة لمستقبلهم. أدعوهم لنبذ العنف، للتمسك بثقافتهم وحضارتهم، فهي التي جعلتهم ما هم عليه اليوم. وأدعو الألمان إلى فتح قنوات الاندماج المعاكس للتعرف على المهاجرين وعاداتهم وثقافتهم الآتية من مهد الحضارات العالمية أجمع. أدعو المهاجرين القدماء، السوريين منهم والعرب لتقبل الآخر، لمساعدتهم، لتقديم يد العون لهم،والعمل على الاندماجهم بالشكل الأمثل والأصح، هنا في وطنهم الجديد ألمانيا.

د. هاني حرب. باحث في جامعة هارفارد – US، باحث سابق في جامعة فيليبس ماربورغ – ألمانيا

اقرأ أيضاً للكاتب:

الألمان وعقدة الذنب… متى النهاية؟

تعرّف إلى الجامعات الألمانية وعروضها للطلبة اللاجئين

ما هي الجمعيات الأهلية في ألمانيا؟ وما هي القوانين الناظمة لها؟

ألمانيا: زيادة عدد الجناة المرحلين من السجون مباشرةً

بماذا بررت المحكمة الدستورية الألمانية منع النقاب أثناء القيادة؟