الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

سقوط حر…

محمد زادة* لا أعرف كيف سأشرح لك أشياء لا يجوز شرحها. القصة لا تتعلق بأن هناك أشياء يكمن جمالها في غموضها فكيف سأشرح لك مغبة اللحظة الأولى والنظرة الأولى التي لم تستغرق سوى ثلاث ثواني، والتي ما زالت حتى اليوم تشغل مساحة سنين في الذاكرة. لا أعرف كيف سيستطيع رجل ضعيف أن يدفع دبابةً نحو قمة جبل دون أن يفكر بك، فالقصة لا تتعلق بأنك تشعلين أعواد الثقاب كلما تسللتِ مع الشهيق الخفيف إلى رئتي، ولا بأنك تتجاهلين قانون الجاذبية رغم أنك تعرفين أن الخطأ كان فقط في التوقيت، فلو أنني جئت للحياة في العام 1966، ورآني نيوتن كيف أسقط منك بشكل مستقيم نحو الهاوية، لكنت أنا التفاحة التي غيّرت مسار البشرية بسقوطها الحر. المسافة بيننا أقل من ساعتين ولكن فارق الزمن أكبر بكثير، فأنت تعيشين في العام 2019 أما أنا فلم أصل بعد، لا زلت في العام 2017 أحاول تفسير الأشياء التي لا يمكن تفسيرها، فالقصة لا تتعلق بأن متجر الأزهار الذي يقع في طريق المقبرة، تعمل فيه أمرأة سبعينية ضاع زوجها قبل عشرين عام في رحلة إلى جزر القمر، فعادت وحدها وفتحت متجرآ للأزهار وكلما أشتري منها وردآ تقول لي بصوت خافت “رجلٌ طوله متر وستة وسبعين يضيع .. هل تصدق” أفكر أحيانآ بأن أصير قويآ فقط لأركل تلك الدبابة المتربصة على قمة الجبل وأتأملها وهي تتدحرج ككرة نحو الوادي. ففي طفولتي كنت قويآ وذات ليلة أسقطت نجمة بتسديدة من سبابتي. ستقولين أن النجمة سقطت نتيجة خطأ ميكانيكي كما يحدث عندما يُسقط الثوار طائرة حربية ببندقية بدائية. القصة ليست كيف ولماذا سقطت تفاحتي.. الحدث أنها سقطت ولكن ليس بشكل مستقيم بل كانت تتأرجح وتحترق في سقوطها البطيء. في طفولتي لم أكن طفلآ بل كنت رجلآ صغيرآ يفكر بمشاكل والده وبأحلام أمه، ولهذا لم أكبر كما الآخرين الذين سبقوني الى النهايات بل درّبت نفسي على العودة للوراء وعدتُ في الزمن حتى وصلت كل البدايات. لا علاقة لآينشالين بفكرتي، أنا ...

أكمل القراءة »

العالم السيبراني: ابتكارات علمية أم حرب قرصنة؟

فؤاد الصباغ* يشهد العالم اليوم طفرة نوعية من المتغيرات الصاعدة والواعدة على مستوى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فلا مجال في عالمنا هذا لرسم الحدود بين الدول، حيث أصبح الجميع في فضاء معولم إلكترونياً، مندمج في شبكة إتصالات تشمل الجميع من خلال التواصل المباشر مع الجميع في ثواني معدودة وكأنهم في غرف صغيرة. مع بداية التسعينات بدأت ملامح أولى هذه الاتصالات الرقمية، وذلك بإستغلال الإنترنت كشبكة عالمية إلى أن بلغت هذه التقنيات ذروة إبداعاتها العلمية لتخلق لنفسها عالم جديد شبيه بفضاء خيالي. هذه التطورات في الاقتصاد الرقمي شملت مؤخراً العديد من المجالات العلمية والقطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني لدول العالم لتشكل بذلك العمود الفقري للاقتصاد العصري. فهذه المتغيرات سمحت للعلماء والباحثين بتطوير أساليب عملهم ومعاملاتهم اليومية، بحيث شمل قطاع الصحة، فأحدث بالنتيجة آخر صيحة وهي العمليات الجراحية الإلكترونية عن بعد، والتي تدار في قاعات جراحة تضم أطباء من مختلف دول العالم وذلك عبر الأقمار الصناعية. أما قطاع التعليم فهو يعد من أبرز القطاعات الحيوية التي استفادت بشكل كبير من العالم السيبراني، خاصة في مجال البحوث العلمية وتطوير نمط التدريس عبر إستعمال القاعات الإفتراضية عن بعد. بالإضافة لاستعمال الشبكات الإلكترونية التي تضم جميع القواعد العلمية والمكتبات الرقمية. و كان قطاع التجارة أيضاً من أكبر المستفيدين من تطور التقنيات الحديثة، بحيث تحولت المبادلات التجارية في العالم إلى التجارة الإلكترونية، والدليل بروز العديد من مواقع البيع بالجملة وأشهرها موقع علي بابا الصيني، وموقع أمازون الأمريكي، بحيث انتفت حاجة المستورد اليوم للسفر قصد شراء منتجات بطريقة معقدة، إذ أصبحت عمليات المبادلات التجارية تدار عبر الإنترنت من أجل الشراء بالجملة والتخليص والشحن. كذلك استغل مجال التسويق الإلكتروني الإنترنت كمنصات للإعلانات والترويج وعرض المنتجات قصد جلب أقصى عدد ممكن من العملاء المستهدفين. وصار لوسائل التواصل الإجتماعي أهمية كبرى في التسويق والترويج، نظراً لتزايد عدد المستخدمين لهذه المنصات الافتراضية، والتي أصبحت تضم الملايين من المتصفحين يوميا من مختلف دول العالم. أما على الصعيد السياسي فقد ساهمت التقنيات المعلوماتية على ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد – عزرا باوند: الدقة الشعرية، الاقتصاد، وتكثيف المعنى

“من الأفضل تقديم صورة واحدة خلال عمر الشاعر على أن يُنتج أعمالاً غزيرة”، هذه المقولة تلخّص فلسفة الشاعر الأميركي “عزرا باوند” الذي ولد في “نورث ويست” العام 1885، والذي يُعتبر حتى اليوم من أهم شعراء “الحركة المعاصرة” في آداب القرن العشرين. حيث بدأت مشاركاته الشعرية مع تطور مذهب التصويرية، وهي حركة مشتقة من شعر الهايكو الصيني والياباني، تشدّد على الوضوح والدقة مع الاقتصاد باللغة وتكثيف المعنى، وذلك من خلال تأثره بثقافات الشرق الأقصى، حين آمن بأن الشعر لا ينعزل بأي حال عن الفنون والعلوم والثقافات الأخرى. تأثر عزرا باوند بالنحت والرسم والموسيقا، وكذلك بالشعر الإغريقي القديم والرمزية الفرنسية. ورغم أنه درس في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلا أنه ذهب ليبحث عن ذاته الشعرية خارج البلاد، في أوروبا على وجه التحديد، وهو لم يبلغ الثانية والعشرين من عمره بعد. وصار على علاقة قوية مع الشعراء المعاصرين البارزين في زمنه. عمل على مساعدة الشباب من الشعراء، وأقام علاقات قوية مع الشعراء القدامى ومن أهمهم ييتس. ومن خلال مركزه كمحرر أجنبي لمجلة “شعر” أصبح صديقاً لروبرت فروست، كما ساعد الشاعر الكبير “ت. س. إليوت” في مراجعة قصيدته الشهيرة “الأرض اليباب” قبل نشرها، وهو من اقترح عنوانها المعروف. فأطلق عليه “إليوت” لقبه: “الصانع الأمهر”. كما ساعد الكاتب جيمس جويس عبر إحساسة العملي في النشر، ووينهام لويس. كتاباته هجمات مضادة(Ripostes)  نُشرت في العام 1912، وعام 1917 صدر ديوانه “الطاعة للصفات الجنسية” الذي لفت إليه أنظار العالم الشعري، وكتب قصيدته عن الاضطراب المعاصر بعنوان “هيوج سلوين موبرلي” العام 1920. وطيلة سنين عمل على كتابة مقطوعات شعرية غامضة تحتوي الكثير من الأساليب واللغات المتعددة، أشبه برحلة بحثية في ذهن الشاعر، عن معاني الحياة والثقافة والفكر في العالم المعاصر بشرقه وغربه. كما كتب الكثير من المقالات الأدبية البلاغية. نشرت رسائل “عزرا باوند” عام 1950 وهي نصوص جياشة وحيوية، تظهر كم كان للشاعر عقل مغامر، وكم وجد نفسه دوماً على علاقة برعاية المواهب والبحث عن المثل الأعلى في الفن الشعري. ينسب المحللون دفاعه ...

أكمل القراءة »

لن أتعلم يوماً

زين صالح* لن أتعلم يوماً ، غضاريفي تعظّمت عند باب الشادر الأسود، قرب جموع المتلفّعات بالأسود والمناديل البيضاء المطرزة. يوم كسرتُ الساعة “الأورينت” الثمينة دون قصد. شهر آب الموسوم بالقيظ والخسارة، حين لفّ محمد أفراحنا معه.. هناك في جيوب الثوب الأبيض الذي لا جيوب له. سقطت براءتي مع كسرة الحشوة التجميلية الهاربة من فمه تاركةً فجوةً سحيقةً لا قرار لها. لن أتعلم يوماً ، عظامي ازرقّت والتفّت بذعرٍ بالغٍ حول قلبي اليافع المتعب.. يوم استدنت خمسمئة ليرة من مدير المدرسة وسافرت أعد الخطوط البيضاء المتتالية تجاه الضيعة، حيث انكسر جسري وظهري وغاب دليلي ونجمي قبل أن أريه جعبة ألواني وأتسمّر أمامه منتظراً رده وحبه ورضاه.. وتُركت أرزخُ تحت أثقال الفقد وأبكي ليالٍ عسيرات قادمات. لن أتعلم يوماً ، جبلتُ حيث ينام الحمام على أعمدة الكهرباء، وترشقُ الساعة الوقت رشقاً وملامة، حيث تطلع الشمس لتدثّر كل راحلٍ وتكشف بقسط أشعتها فداحة فعائل الجهل والشرور. أظفار يديّ الغضّتين خشنت تحت وابل الكره والرّجس والوَجَس، كبرتُ وصغرت واستعمِلت وكهلت وأُتلِفت حتى انتهيت وخدّرت السماء وجهي وأطرافي حتى هِمْت على وجهي وقُلِعت راضياً أو مجبراً لم أعد أذكر. لن أتعلم يوماً، صدمت ووقفت وتبعت طرق السلوى واكتشفت سبلاً للصحبة، واستكنتُ فابتليت وخرجت وزجرت حيّاً لا يحبني لكنه يرمي لي فتاتاً أقتات عليها فتسدّ جوعي وتعكّزُ قلبي وتعيد عليّ تلاوة ما كتب في أوراقي الممزّعة منها والمسلوبة. لن أتعلم يوماً، خبرتُ أصوات المبعدين عبر الهاتف، وصرت أعرف أيّتها التنهيدة وأيّتها البكاءة وكيف يلتوي وقع الكلام ويقصر حياءً ويخجل ويحزن ثم ينطفئ. خبرت زوايا كاميرات السكايب الناجحة وأوقات الاتصال المناسبة وغير المناسبة وكيف تتزحزح الصور وتذوب وتفنى.. عندما ينقطع الخط، فألوذ بسترتي وأهمس: دثروني.. دثروني، وآخذ نفساً عميقاً يصل لب الأرض وأزفر بعدها كل الألم والودّ والغضب والسكنى. لن أتعلّم يوماً، اللغاتَ المزخرفة والكلمات بوقعها الرنان والمصطلحات المحفورة في الألسنة بكل ما تحمله من تاريخٍ وعرفٍ وسننٍ وفرادة.. هي محط إعجاب ومحلّ للاهتمام وحلٌّ لألغازٍ وموطئ ...

أكمل القراءة »

تحميل العدد 41 من جريدة أبواب بصيغة PDF

لتحميل العدد 41 من أبواب بصيغة PDF يرجى الضغط هنا: افتتاحية العدد 41 من جريدة أبواب “بين أحلام المعماريين وواقع اللاجئين” بقلم ريتا باريش باب ألمانيا: إعداد أحمد الرفاعي: عدد الأجانب في ألمانيا يتعدى عتبة الـ10 ملايين مخاوف من انتشار فيروس غرب النيل في ألمانيا قلق بسبب موجة الجفاف الحالية في البلاد د. محمد الزّكري: متصوفة برلين: حاضنة التنوع الألماني باب العالم: إعداد تمام النبواني: “مدن وأقاليم من أجل اندماج المهاجرين” نحو أجندة أوروبية موحدة للهجرة ضربات التحالف “الدقيقة” تقتل أكثر من 1600 مدني في الرقة فرنسا: ندرة الأسماء العربية الإسلامية بين أبناء الجيل الثالث من المهاجرين باب مفتوح: جلال محمد أمين في الزاوية القانونية: ما بين السوسيال والجوب سنتر: أسئلة وأجوبة حول المعونات الاجتماعية وفق قانون التشريعات الاجتماعية. الجزء الأول رضوان اسخيطة: حسم الجدل في متطلبات الجنسية الألمانية نوار حرب و د. هاني حرب: علوم الإنسان الحيوية في جامعة ماربورج – ألمانيا د. بسام عويل: سلسلة في الجنس وعن الجنس بدون تابوهات. 3- صحتك النفسية في متناول يديك فحافظ عليها د. نهى سالم الجعفري: تعيش في ألمانيا؟ إذاً أنت بحاجة إلى فيتامين (د) بيداء ليلى: مطبخ من غربتي 2. باب شرقي: جان داود: رمضان هذا العام.. في الغربة تجمعنا الدراما سناء النميري: رمضان في ألمانيا.. كيف يتعامل المهاجرون مع يوم الصيام الطويل وأعباء العمل والدراسة شريف الرفاعي: ثلاثة مشاهد باريسية زيد شحاثة: أكتب يا حسين.. أكتب أنشطة متنوعة لسيدات برلين.. “فطور بنات مع التمكين/Ladies-Frühstück mit Empowerment” هل أنت “جديد في مركز المدينة”؟ خدمات جديدة تقدمها لك بلدية مركز برلين ضمن مشروع #NeuinMitte مشروع على مستوى العينين يدعوكم إلى تدريب على الوساطة الثقافية وإدارة الحوار! باب القلب: زاوية يوميات مهاجرة. 6 بقلم د. نعمت الأتاسي: إدمان.. بطرس المعري: زاوية حديث سوري. المثليّـون وأزنافور وأنا.. كاريكاتير حكايا من ورق بورتريه العدد من إعداد ميساء سلامة فولف: بيلكان مراد.. ضوء قادم من سوريا د.د. مروة مهدي عبيدو: أسطورة أم صدفة؟ باب أرابيسك: زين صالح: لن أتعلم يوماً.. شخصية العدد: عزرا باوند. الدقة الشعرية، ...

أكمل القراءة »

الفنان السوري ناصر حسين.. كـأنْ لا شيء آخر في الوجود..

الفنان ناصر حسين من مواليد حلب سوريا 1971، درس الرسم والتصوير في “كلية الفنون الجميلة” بدمشق وتخرج منها عام 1997. بعد أن أقام معرضه الأول في العاصمة دمشق عام 2001 سافر بمنحةٍ دراسية إلى ألمانيا، حيث درس في “جامعة زيغن وبعد ذلك تابع دراسته في أكاديمية الفن في “دوسلدورف”. عام 2006 عاد حسين إلى سوريا ليغادرها بعد سبعة أعوام متجهاً إلى ألمانيا حيث اختار برلين مقراً له، فالعاصمة الألمانية تعتبر من المراكز الفنية الأكثر إثارة وحيوية في العالم. يعتبر ناصر حسين أن إقامته في مدينةٍ عالمية كبرلين، أتاحت له فرصة التواصل المباشرمع أحدث ما ينتج من فن، كما كان لدراسته في أكاديمية دوسلدورف دوراً هاماً في إغناء معرفته على هذا الصعيد. مؤكداً أن هذا التواصل اليومي ترك أثره على أعماله، ويقول “نعم.. برلين طورتُ تجربتي من حيث الشكل وربما الموضوع ولوبشكلٍ غيرمباشر، أنا الآن أرسم ذكرياتي التي ابتعدتُ عنها زمانياً ومكانياً”. يمكن للمتابع أن يرى كم تغيرت شخوص الفنان خلال الأعوام الأخيرة في أعماله في معرضيه الأخيرين في بيروت (غاليري أجيال) والذي سبقه في برلين (Pierre boulez saal)، إذ تبدو شخصياته الجديدة أكثر سخريةً بعدما تجاوزت صدمة الحرب. يعتمد حسين في لوحاته على مشاهداته الخاصة، تلك التي كونت شخصيته وذائقته كرسام. يرسم أشخاصه ضمن فراغٍ لوني فيه من السكينة ما يشعرك أن لا شيء آخر في الوجود، فيأتونك صامتين، زاهدين وساخرين. ثم يقدمهم في لوحاتٍ بلا عنوان متيحاً للمشاهد أن يختار هو اسماً أو عنواناً.. متيحاً له أن يكون هو أيضاً شريكاً في إنتاج اللوحة بشكلٍ من الأشكال. قدم ناصر حسين أعماله في العديد من المعارض الفردية والمشتركة في دولٍ عديدة منها سوريا والأردن ولبنان وألمانيا، وهو الآن بصدد التحضير لمعرضه القادم في البحرين، يليه معرض آخر في برلين للسنة القادمة. من أجمل ما وصفت به أعماله قول الفنان السوري يوسف عبدلكي: “هناك ملوّن حساس، لا يضع لمسةً إلاّ ويخلع جزءاً من أنفاسه معها، بحيث تبدو اللوحة نسيجاً دقيقاً من الانتقالات ...

أكمل القراءة »

أنوثة الشعر ج2- المصائر الشعرية

بقلم: خضر الآغـا* خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، بزغ عدد من الشاعرات يضاهي، بل يفوق ما ظهر منهن على امتداد تاريخ العرب، أو ما وصل إلينا منه. خلال هذه الفترة كانت قصيدة النثر تتسع وتتمدد، وكان شعراؤها يقفون على الجهة المقابلة لشعراء الحداثة. هؤلاء الأخيرون كتبوا القصيدة الاستعلائية، وحشدوها بقضايا كبرى: كالتحرير، والبعث، والتقدم، والتخلف، والحضارة… إلخ. كتبوا عن الإنسان القوي، القادر، السوبرمان، وأسبغوا على الشاعر صفات الألوهة والنبوة، فيما كانت الحياة اليومية للناس وتطلعاتهم وحركتهم نحو الحياة غائبة عنهم. فيما اهتم شعراء قصيدة النثر، غالباً، بالإنسان في حركته اليومية، بالأشياء والتفاصيل التي تعني البشر في حياتهم، ربما، أكثر مما تعنيه الميتافيزيقيا ومصائر البشرية والثقوب السوداء، لم ينظروا إلى الإنسان السوبر، بل إلى الإنسان العادي، نظروا إلى الهشاشة لا الصلابة والصلافة، نظروا إلى الأرض لا السماء، إلى وحل الشارع والأرصفة، نظروا إلى الانكسارات الشخصية والعامة، لا إلى وهم الانتصار على اللاشيء… وهكذا. اتخذ ذلك كله شكل الأداء اللغوي البسيط، اتخذ شكلاً مضاداً لبلاغة الحداثة ودالاّتها ومدلولاتها السابعة، اتخذ شكلاً لغوياً هو أقرب إلى لغة الناس من لغة التقعّر والتحدّب والخطابة، وكان الدليل إلى ذلك هو محمد الماغوط. العرض هنا، أيضاً، تاريخي، فقد وصل التبسيط في الأداء اللغوي إلى مستوى من الثرثرة والكلام والحكي الذي لا يؤسس لشعرية من أي نوع.. في هذا السياق ظهرت الشاعرة الأنثى بتعداد كبير وبروز لافت، إذ وجدت أن القصيدة لانت، واستدارت زواياها، وراحت تقول ما يشبه قول الأنثى أيضاً، لا من حيث التشكي والثرثرة وبث الهموم والدموع كما هي الصورة النمطية عن كتابة النساء، بل من حيث التخفّف من/ أو انهيار العجرفة اللفظية وصلافة القول وقسوته، والكتابة المضادة للطغيان والتسلّط والإرغام. وهذا يقع في الجوهر من فكرة جعل العالم أنثى، أو فكرة تأنيث القصيدة والعالم. وإذا بدأت مرحلة التسعينيات الشعرية التي أشرت إليها بزخم أنثوي، فإن هذا لم يكن على نحو مستقل، أو منفصل، أو متمايز عن القصيدة التي يكتبها الشاعر الذكر، لم يكن ...

أكمل القراءة »

عندما لا يكفى الحب! Wenn Liebe nicht reicht

ينطوي مرض الاكتئاب على غربة الذات عن المجتمع الذي تعيش فيه، وهو مرض خطير من حيث أنه يؤثر أيضًا على الأشخاص المحيطين بالمكتئب، خاصةً أقرب الأقارب. وقد تصل التأثيرات إلى ما يسمى بالاكتئاب المشترك، وربما يأخذ المرض الأسرةَ برمتها في دوامة من العجز واليأس والغضب وفقد الثقة والحزن والشعور بالذنب. وتشير الاحصاءات إلى أن واحداً من خمس ألمان يعاني مرة واحدة في حياته من الاكتئاب الذي يحتاج إلى علاج. فى كتاب عندما لا يكفى الحب، تحكي الممثلة نوفا ماير هنريك – Nova Meierhenrich – عن معاناة والدها من الاكتئاب لأكثر من عقد من الزمان، لينزلق أكثر وأكثر مع هذا المرض الغادر حتى ينتهى به الأمر إلى الانتحار. تصف هنريك فى كتابها الذي جاء في ٢١٧ صفحة، كيف كانت هي وعائلتها في مواجهة مع المرض النفسي لسنوات عديدة بلا حول ولا قوة، فتتحدث عن مرض والدها، وتوضح كيف يعجز المريض عن ممارسة نشاطات الحياة اليومية العادية، وكيف يصبح ثقلاً من أثقال الحياة، فيتراجع المريض ببطءٍ عن المجتمع. كما تبين كيف تتحول حالة الأسرة على نحو يتماشى مع الكآبة التي تملأ المكان، فيما قد يتجدد الأمل من حين لآخر بأن تكون هذه مرحلة مؤقتة فقط، وأن الأمر يحتاج إلى المساعدة العاجلة وهذا يستلزم معرفة صحيحة لطبيعة المرض، لأن تأخرها يجعل الأمر أكثر صعوبة؛ فلابد أن تعلم أنه حتى وإن استطعت – وحدك- أن تفعل شيئاً، فإنه لن يكون أمراً سهلاً. وتطرح إجابات لأسئلة عدة مثل : كيف يمكن الحصول على مساعدة واضحة ناجحة؟ أين هو المكان المناسب؟ كيف يكون التعامل مع التوتر؟ مع الأخذ بالاعتبار الانتظار الطويل للحصول على مكان للعلاج النفسي للمكتئب، والعبء النفسي الهائل على الأقارب والآثار التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مشاركتهم واكتساب حالة الاكتئاب بالتبعية. وتؤكد المؤلفة أن الاكتئاب ليس مرحلة يمكن أن تمر ثم تعود للسيطرة على حياتك بعدها ببساطة، بل مرض قد يكون خطيراً وقد يؤثر على حياة جميع المحيطين بالمريض. حين تقرأ الكتاب تجد ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: جين أوستن كثافة التعقيد تحت سطح الحياة البسيطة

واحدة من أهم الروائيات الإنكليزيات في القرن التاسع عشر، والتي ساهمت مع غيرها من الكاتبات في تلك الفترة في صنع ما اصطلح على تسميته: الرواية النسائية الإنكليزية، في الوقت الذي لم تكن فيه الكاتبات قد دخلن بشكل مؤثر عالم كتابة الرواية. ثمة تماثل واضح بين روايات “جين أوستن” وتفاصيل حياتها، فهي تعبّر عن حياة الناس الروتينية الهادئة في المدن الريفية، وشخصياتها بالعموم تنتمي إلى الطبقات الاجتماعية الوسطى، مع نقد دائم لطبقة ملّاك الأراضي الإنكليزية. لكن هذا لا يعني أن سطح الرواية الهادئ بأحداثه لديها لا يكتنف على شخصيات تعيش في عمقها تجارب إنسانية غنية ومركبّة، حيث أن كثافة التعقيدات التي تكمن تحت سطح الحياة الهادئة للرواية لا تحتاج إلى عناء لاكتشافها. ولدت “جين أوستن” العام 1775 بين سبعة أخوة، وقد عاشت حتى الخامسة والعشرين من عمرها في قرية “ستيفنسون” التابعة لمقاطعة هامبشاير حيث كان والدها قسّ البلدة. وهي تحكي عن أسرتها المتجانسة والموهوبة في تسلية الذات عن طريق الألعاب والمطالعة وخصوصاً آداب القرن الثامن العشر. وعلى الرغم من أنها عاشت في زمن مجد الرومانسيين الإنجليز البارزين، إلا أنها لم تعر الأدب الرومانسي كثيراً من المبالاة، وخصوصاً طريقته في تصوير الشخصية فنياً. لكنها استمدت في رواياتها أكثر من تراث الكلاسيكية الجديدة ومن الكوميديا الأخلاقية. رواية “السيدة سوزان” التي كتبتها وهي لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها، ونشرت في العام 1871، فيها عرض ذكي للعبارات العاطفية والرومانسية للرواية الشعبية. أما روايتها “العقل والإحساس” التي كتبتها العام 1796، وأعادت كتابتها بعد سنتين ثم نقحتها ونشرتها العام 1811، فهي تقارب المثالية وتكتنف على غفران ذاتي عاطفي للانجراف في العاطفية. وفي رواية “دير نورثانجر” التي نشرت أيضاً بعد وفاتها 1818 تسخر “أوستن” من البدعات الأدبية السائدة من خلال الحديث عن الرعشات الوهمية والمخاطر التي تتعرض لها بطلة الرواية “كاترين مورلاند”، وهي قارئة لا تميز ما تقرأه من الروايات القوطية. في نهاية القرن كتبت رواية “الكبرياء والكراهية”، وتترجم أحياناً “الكبرياء والتحامل“، وهي من أهم أعمالها، ناضجة ...

أكمل القراءة »

عبدالله القصير لـ”أبواب”: حالة الانتقال من الخاص إلى العام دفعتني لكتابة “كوابيس مستعملة”

حاوره طارق عزيزة “الكتابة هي الحَجر الوحيد الذي أملكه وأريد أن أرمي به نافذة العالم، بعد أن أَغلقَ أبوابَه في وجوهنا.. النافذة عالية وما زال حجري لا يصيب سواي”. كنتُ أراقبُ الكاتب السوري عبد الله القصير وهو يخطّ هذه العبارة كإهداءٍ على إحدى نسخ روايته “كوابيس مستعملة”، وأتساءل: هل يمكن للرواية أن تكون حجراً؟ وعندما قرأت كوابيسه المستعملة وجدت داخل ذلك الحجر كيف قام بأنسنة الأشياء على طريقته، لتحكي قصص مَن أُريدَ لقصصهم أن تموت مثلهم. عمل عبد الله القصير صحفياً في العديد من الجرائد والمواقع الالكترونية، وأشرف على مشروع لتوثيق الموسيقا السورية. عام 2015 نشر كتابه الأول، مجموعة قصصية بعنوان “عارية في العباسيين”، وفي نهاية 2018 صدرت روايته “كوابيس مستعملة” عن دار فضاءات للنشر. على هامش أمسية قصصية له في مدينة لايبزيغ، كان لـ”أبواب” هذا الحوار معه:   العديد من النقّاد يأخذون على معظم الأعمال الأدبية السورية التي تناولت ما جرى في سنوات الثورة ثم الحرب في سوريا، احتواءَها قدراً غير قليل من اللغة الصحفية أو التقريرية تحت ضغط الحدث اليومي ربّما. هل تعتقد أنّك استطعت تجنّب ذلك، سيما وأنّك لا تكتب في الأدب فقط وإنما تمارس الكتابة الصحفية منذ سنوات؟ لا أستطيع الحكم على الأعمال الأدبية السورية التي تناولت المرحلة الراهنة، لأنني لم أقرأ إلا القليل منها، ولا أستطيع أن أدعي نجاحي في تجنب ذلك، هذا إن اتفقنا أنه مأخذ عليها. لكن عموماً أخشى أن يشار إلى هذه الرواية أو تلك بأنها مكتوبة بلغة تقريرية أو صحفية لأنها لا تتكئ بوضوح على الأساليب البيانية، من استعارات لفظية وتشابيه ومجازات وغيرها من أساليب تشرّبتها جذورنا الثقافية من تربة الشِعر. الأساليب اللغوية البيانية مهمة بحسب توظيفها في النص، لكنها ليست قادرة لوحدها على صناعة الصورة السردية في العمل الروائي، وأركز على مفهوم “الصورة السردية” لأن تحققها يحتاج العديد من مستويات التشكيل اللغوي، مثل سياق الأحداث، التكوين النفسي للشخصيات، البعد الدلالي للحدث أو الشخصية، التحكم بإيقاع السرد، متى تلجأ للحوار ومتى ...

أكمل القراءة »