الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

“لستَ وحيداً” لعارف حمزة: القصيدةُ بوصفها قارب النجاة الوحيد

عماد الدين موسى   يُسيطر على أجواء قصيدة الشاعر الكُردي السوري عارف حمزة (مواليد 1974)، نبرةٌ حادّة وهادئة في الآنِ معاً؛ ثمّة “الصوت” و”الصدى” ها هنا، وفي درفةٍ واحدة. حيثُ الأوّل بوصفه حالة من الانفجار الخارجيّ وشبيه بالدويّ الهائل للذكريات، فيما الآخر يبقى صوتُ الأعماقِ المخفيّ، والحميم أكثر ممّا ينبغي، دون شكّ. في مجموعته الشِعريّة الجديدة “لستَ وحيداً”، الصادرة مؤخراً باللغتين العربية والألمانيّة عن دار سيسسيون (سويسرا- 2018)، يستعيدُ الشاعر “عارف حمزة” صرخة الشِعر في وجه البشاعة التي تجتاح عالمنا الراهن، تلك الصرخة المكتومة وكأنّها تتهيّأ للانفجار؛ “الهجران”، “نافذة القطار”، “النار”، “الأنقاض”، “هدنة النسيان”، “الغرق”، المُهرّب”، “القارب المهترئ”، “الحرس التركي”، وغيرها من المفردات والعبارات، التي تخصّ رحلة عبور السوريين من الموت المحتم إلى الموت المؤجّل، نجدها بين جنبات هذه المجموعة، حيثُ الشِعر يغدو قارب النجاة الوحيد، يتمسّك به الشاعر ومن بعده- نحن- القرّاء أيضاً؛ “الرِّقـّةُ عدوّنا الأبديّ/ في هذه الحرب الغامضة./ الرقّةُ تمشي أمامنا فلا نرى أعداءنا/ ومن خلفنا تضحكُ/ وتُطلق علينا النار”.   قصيدة الحرب يكادُ مشهد الحرب لا يُفارق قصائد “لستَ وحيداً”؛ لكن ثمّة خصوصيّة جليّة لدى الشاعر في تناوله الذكي لهذا الجانب، إذْ نجد اللغة الرقيقة والعبارة الشفيفة مقابل قسوة المشاهد المُلتقطة، حيثُ الإدهاش في المزج الإشكالي والحميم ما بين عالمين متناقضين وبصيغةٍ جماليّة غايةً في البراعةِ والذكاء؛ تكاد أن تكون السمة الأبرز لشِعريّة قصائد هذه المجموعة. في قصيدة بعنوان (نصف قمر)، نجد “الأنا” و”الآخر”، “الأسرّة” و”القبور”، “النجاة” و”الهلاك”، جنباً إلى جنب، عدا عن “نصف قمر” و”مدنٍ” خالية “لم يبقَ فيها أحد”، هذه المشاهد ومشاهد أخرى كثيرة نجدها تتداخل بأُلفةٍ وإتقان، لترسم عالماً خلاباً من الشِعر الساحرِ والمدهش؛ حيثُ يقول الشاعر: “نصفُ قمرٍ يسطعُ الآنَ فوق مدنٍ/ لم يبقَ فيها أحد/ نصف قمر يؤلمني/ كانشطار وجهكِ إلى نصفين/ تحت هذا النصف من القمر الضعيف/ حملنا أولادَنا إلى الأسرّة/ بينما حملهم الآخرون إلى القبور!!”. ربّما، ما نجده هنا، هي حالة من الألم حينَ تجتاح جسد القصيدة، دونما استئذان، ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات حول قديم وجديد آداب المنافي ج1

بقلم المستشرق الألماني شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن   في ستينيات القرن العشرين طرأ تغيّر عميق على الأدب الفلسطيني، فصدرت رواية “غسان كنفاني”: “رجال في الشمس” 1962، والتي تدور أحداثها العام 1958 أي بعد عشر سنوات من بدء الشتات الفلسطيني. الرواية هي أول عمل عالمي يعبّر فيه كاتب عن مأساة الهرب البشعة/ المابعد حداثية وبتعبيرات قاسية بالغة التأثير. أحداثها تدور في فلسطين، الأردن، العراق، والكويت، وتحكي قصة ثلاثة رجال ينتمون إلى ثلاثة أجيال مختلفة، يجمعهم طريق الهرب في مدينة البصرة جنوب العراق، بعد أن تركوا وطنهم ليبحثوا عن حظهم في الكويت. لكن سطوة الهروب تبقى وحدها الحاضرة في حيواتهم، تقود شكّهم الدائم بالغرباء، الأمر الذي يجعلهم يثقون بالفلسطيني الرابع، الذي يعمل سائق شاحنة لدى ثريّ كويتي، والذي يعرض عليهم تهريبهم إلى الكويت: “أرض الميعاد”! كانت فكرة نقلهم في صهريج مياه كبير وفارغ وحار فكرة مأساوية، فحرس الحدود الكويتيون استقبلوا السائق بالنكات والسخرية، الأمر الذي أضاع الكثير من الوقت، وجعل السائق نهاية لا يجد في الصهريج إلا ثلاثة جثث متيبّسة من الحرّ، رماها في مكبّ قمامة موطنه الجديد: الكويت، ولكن ليس قبل أن يأخذ الساعات والأموال التي بحوزتهم! لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ السائق الذي أصيب برضّ نفسيّ كبير، جراء انفجار حصل العام 1948 خلال الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى، يعود ليعاني رضّاً نفسياً (تراوما) ثانياً بعد ارتكابه هذه الفعلة، ولكن هذه المرة لم يكن بالإمكان تخطّيه أبداً! فبينما فقد رجولته في الانفجار وكان ضحية للحرب، تحوّل بتهريبه الناس ورمي جثثهم في مكب القمامة إلى قاتل! التراوما الثانية تولّدت هذه المرة من شعوره بالذنب لقتله ثلاثة من مواطني بلده، ولهذا كان صراخه: “لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟”، محاولة فاشلة لتكفير الذنب، فقد كان في العمق مدركاً لذنبه وعليه إكمال حياته مع كل هذا الألم البليغ! في العام 1972 تم تحويل الرواية إلى فيلم، بتوقيع المخرج المصري “توفيق صالح”، وجاءت نهايته مع مقاطع من قصيدة قديمة لمحمود درويش يقول فيها: “وأبي قال ...

أكمل القراءة »

بدون لغتي، أنا كائن ميت!

خضر الآغا*   جزء من نص طويل نشر بالألمانية بعنوان:  Vom Schriftsteller zum Flüchtling   في إحدى المقابلات الصحفية مع إحدى وسائل الإعلام الألمانية عرّفني الصحفي بأنني شاعر وكاتب سوري لاجئ لاجئ؟! قلت له: “أنا لست لاجئاً، لي أم في سوريا، وأخوة وأخوات وأصدقاء، لي بلد، لي بيت هناك، لي كتب كثيرة، كثيرة جداً، ولي لغة هناك… وسأعود”. وعلى الرغم من كل تلك المكابدة إلا أنني لم أستطع تعريف اللجوء تعريفاً حقيقياً إلا عندما غادرت بيت هاينريش بول، حيث استُضفت ككاتب زائر، إلى مدينة ألمانية أخرى وليس إلى سوريا! في بيت هاينريش بول كنت صاحب بيت، ضيفاً مرحباً به، كاتباً. حين غادرته بدأت حياة أخرى مختلفة في “لوبيك” المدينة الساحرة، وتحوّلت، خلال يوم واحد، من صاحب بيت وكاتب، إلى لاجئ! في “لوبيك” كنت وحيداً، وحيداً على نحو صفيق، ومن شدة وحدتي كنت أسمع صوت دمي في الأوردة. كنت أمشي مثل أمّيِّ لا يعرف القراءة والكتابة، أنا الذي قرأت (كل) الكتب. في “لوبيك” وقفت وألمانيا وجهاً لوجه، كما لو أننا مصارعين على حلبة. وراحت تهزمني المرة تلو الأخرى، بدت قوية جداً وأنا ضعيف، بدت متماسكة جداً وأنا متفكك، بدت صلبة جداً وأنا هشّ… إذ أن لغتها قوية جداً وأنا بلا لغة! بدا اللاجئ الذي فيّ يكبر على نحو متسارع حتى صار عملاقاً وابتلعني كوحش، ابتلعني حتى لم أعد أرى نفسي، ولم يعد يراني الآخرون. كنت لاجئاً فقط، مجرد لاجئ. كنت أفسر الأشياء باللغة، كنت أفسّر الحياة باللغة، وباللغة كنت أفسّر الأفكار والمفاهيم والتاريخ والروح. في كتاب لي عن الشعر السوري اعتبرت الشعر لغة تقول. انطلقت من اللغة لمعرفة الشعر وتعريفه. وفي كتاب آخر تتبّعت أصوات الإنسان الأولى، لغته الأولى؛ اللغة التي أسّست وجوده، وكانت عبارة هايدغر: “اللغة بيت الوجود” بمثابة تعويذة تمدّني بقوة التفسير. أمضيت نصف حياتي بالتفكير حول اللغة وفيها. جاء في العهد القديم أن قوة شمشون الجبار تكمن في شَعره، وعندما قصّوا شَعره قُتل. اللغة هي شَعر الكائن، قوّته ...

أكمل القراءة »

الجزر البشرية الغريبة: أسئلة شائكة عن الهوية والاندماج

منصور حسنو* لطالما بدأت المشاكل الكبرى في التاريخ بحوادث صغرى، لكن خروج ألمانيا من المونديال الماضي في روسيا 2018 لا يشكّل شيئاً أمام تاريخ ألمانيا الكروي، فبدا الجدل الأخير حول لاعب الكرة الألماني “مسعود أوزيل” أكبر من المسألة الرياضية وخروج ألمانيا من المونديال. إنّها مسألة في قلب علم الإجتماع السياسي وتناقضات الوضع الإجتماعي بين سكان أصليين وبين سكان غير أصليين (أجانب)، شرارة هذا التناقض كانت مع صورة اللاعب الشهير “أوزيل” مع الرئيس التركي “أردوغان” وحديث الإعلام عنها، وطلب الجهات المعنية بالأمر توضيحات وتفسيرات من أوزيل حول لقائه مع أردوغان. يبدو لي أن هناك مشكلة عميقة بين المجتمع الألماني والمجتمع التركي في ألمانيا، وقد ظهرت إلى السطح مع اللاعب أوزيل. وأقول المجتمع التركي بكل ما يحمله معنى المجتمع علمياً، فكثير من الأتراك يعيشون في جزر بشرية في مختلف الولايات الألمانية منعزلة عن المحيط الإجتماعي، في السوق، المطاعم، المتاجر، المساجد، المراكز الثقافية الخاصة والمنظمات الإجتماعية. وهم في حقوق المواطنة متساويين بموجب الدستور والقانون كأي مواطن ألماني آخر، ولكن تكمن المشكلة أنه ورغم العهد الطويل الذي عاشوه في ألمانيا فقد ظهر الأتراك كشعب عصي على الإندماج، أكد هذا الأمر أنّ قلوبهم وميلوهم الودية ماتزال للنظام السياسي الحاكم في تركيا، في حين أنّ هذا النظام السياسي، ممثلاً بالرئيس أردوغان، لا يحظى بأي شعبية أو قبول لدى الشعب الألماني عموماً واتجاهاته السياسية خصوصاً، واليسار منه تحديداً. هذا التناقض بين الإجتماعي والسياسي جعل صورة أوزيل مع الرئيس أردوغان تحمل بين رسائلها معنى التحدي وربما عدم الشعور بالإنتماء إلى ألمانيا، وكان خروج ألمانيا من المونديال مفتاحاً لفتح هذا الملف الشائك. هناك مشكلة برأي في ألمانيا تتعلق بفلسفة الإندماج وبحقيقة الإتجاه الليبرالي في ألمانيا وأنصار المجتمع المفتوح في مقابل النزعات المنغلقة أو الأيديولوجيات الكارهة للآخر، ومن الجيد الجدل المثير اليوم حول أوزيل واعتزاله اللعب، ربّما لشعوره بأنّ المجتمع الألماني قد رفع بوجهه الكرت الأصفر، أقول من الجيد أن حدث هذا حتى نغوص في عمق المشكلة الإجتماعية السياسية بغية ...

أكمل القراءة »

المزهرية والفراغ 2

  من أفكار جورج براك / ترجمة الخضر شودار الحقيقة موجودة ونحن لا نخترع سوى الأكاذيب. ** عليك أن تختار؛ فالشيء لا يمكن أن يكون حقيقياً وفي الوقت نفسه محتملاً. ** مع النهضة أخذت المثالية مكان الروحانية. ** المستقبل هو امتداد الماضي المحكوم بالحاضر. ** لم أتمكن أبداً أن أتنبأ ببداية ما من النهاية. ** إنه الحظ هو الذي يكشف لنا عن معنى الوجود، يوماً بعد آخر. ** السر يتجلى في وضح النهار، والغامض يلتبس بالظلام. ** ينبغي دائماً أن تكون لك فكرتان؛ واحدة لتقويض الأخرى. ** أن تدافع عن فكرة هو أن تتخذ موقفاً. ** المتشائم لا يحمي أفكاره ولكنه يستعرضها. ** لا جدوى من تغيير أفكاره، هو مثلي لا زال يحتفظ بأنفه وسط وجهه. ** تحمي الحقيقة نفسها. الادعياء يتكاثرون حولها متناظرين دون الوصول اليها. ** ليس المهم هو الهدف ولكن طرق الوصول إليه. ** عذرهم أنهم يريدون أن يكونوا على حق بالاعتماد على من هم على باطل. ** الشكل واللون لا يلتبسان ، كلاهما متواز مع الاخر. ** تنتهي اللوحة حين تمحو الفكرة. ** الموضوع؛ تكف حبة الليمون بجانب البرتقالة على أن تكون ليمونة والبرتقالة على أن تكون برتقالة. ليكون كلاهما فاكهة. علماء الرياضيات يعملون بهذه القاعدة، ونحن أيضاً. ** قليل من الناس من يقول: أنا هنا. إنهم يبحثون عن أنفسهم في الماضي ويَرَوْنها في المستقبل. ** ما لا يؤخذ منا، يبقى معنا، وهو أفضل ما فينا. ** ألا تنتمي أبدا. ** الصدى يتجاوب مع الصدى ولكل شيء رجع في العالم. ** مع العمر يصبح الفن والحياة شيئاً واحداً. ** ما لا نتوقعه يخلق الواقعة. ** بالنسبة إلي لا يتعلق الأمر بمجاز وإنما بمسخ. ** الحب ، أن تحب بلا سبب منطقي. ** لنكن على حذر، فالموهبة شيء مرموق. * لست بحاجة إلى تقويض الشكل، أخلق شكلاً مما لا شكل له. • بالبحث عن المصائر الوخيمة نكتشف أنفسنا. • في وسع الراعي أن يقود القطيع،  لكنه لا ...

أكمل القراءة »

مخرجات عربيات: رشيدة براكني: تجربة مميزة بين التمثيل والاخراج

محمد عبيدو* قدّمت النجمة الفرنسية من أصل جزائري “رشيدة براكني” كمخرجة للفيلم الروائي الطويل: “اوقات الزيارة” (2016). والفيلم يحكي في 82 دقيقة عن مجموعة نساء يقصدن كل شهر سجناً على أطراف باريس، لزيارة أحبابهن: سواء كانوا أبناء أو آباء أو أخوة أو شركاء. في أواسط آب/أغسطس، تنتظر فاطمة وابنتها نورا وصديقاتها جوديث ولولا وأورلا وغيرهن، تحت حرارة الصيف الحارقة بانزعاج. يجب على الجميع، خجلين أم منفتحين، شركاء أم أعداء، المرور عبر مراحل عدّة تفصلهم عن غرفة الزيارة. وتنشأ علاقات فيما بينهم، وتنقطع وهم ينتقلون من تفتيش أمني لآخر، وترتخي الألسن ويزداد التوتر حتى ينشب شجار خلف القضبان. لرشيدة براكني (1977) تجربة مميزة أيضاً في التمثيل، بعد حصولها على ليسانس في التاريخ، قررت تكريس نفسها للمسرح، درست التمثيل المسرحي في “كونسرفاتوار” العاصمة الفرنسية وانضمت إلى “استوديو جان لوي مارتان باربا”، ونجحت حين خسرت كثيرات، في إيجاد مكان لها في مسرح “الكوميدي فرانسيز”. ارتبط اسمها باسم بطل كرة القدم “ ” الذي أُغرم بها وجعلها شريكة حياته منذ 10 سنوات. أنجبت براكني من كانتونا ولداً أسمته أمير، استناداً إلى الجذور العربية التي تتمتع بها الممثلة والتي يعتزّ بها كانتونا. ولم ترغب الفنانة الأربعينية في الابتعاد طويلاً عن عملها عقب الولادة، فسرعان ما انغمست في عمل مسرحي جديد بعنوان “في مواجهة الجنة”. إلا أنها لم تشارك فيه كممثلة مثل العادة ولكن كمخرجة، الأمر الذي تلاءم مع حياتها كأم لأن التمثيل يتطلب جهوداً جسمانية أقوى من الإخراج. وبدل أن يجرّها” كانتونا” الى عالم الرياضة أو العشّ الزوجي، جرّت براكني زوجها الى المسرح، إذ أسندت إليه الدور الذكوري الرئيس في المسرحية. وحوّلت شريك حياتها والأب حديث العهد إلى ممثل مسرحي مبتدئ، من بعد تجربته الدرامية الوحيدة أمام الكاميرا في عام 2009 عندما أسند إليه السينمائي البريطاني “كين لوتش” أحد الأدوار الأساسية في فيلمه “البحث عن إيريك “. اعترف “كانتونا” بأنّها “أصرّت على أن تكون أول من يدير، كانتونا، مسرحياً”. نالت براكني ثلاث جوائز قيّمة في ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche: الفيلسوف الإشكالي

أقل ما يمكن قوله عن الفيلسوف الألماني المعروف “فريدريك نيتشه” إنه كان فيلسوفاً إشكالياً في زمانه، حمل شخصية بالغة التعقيد وهاجم مجموعة من الأفكار المكرسة والقيم والمثل في زمانه كالأخلاق التقليدية، المرأة، التعاطف مع الضعفاء والعاجزين، العقلانية، والسلطة الدينية للكنيسة. حتى أن أتباع هتلر والنازية كانوا يعتبرونه ملهماً لهم على الرغم من أنه توفي في العام 1900، وعلى الرغم من أنه كان معادياً للنزعة القومية للإمبراطورية الألمانية. لكن الأمر يتعلّق بصعوبة فهم “نيتشه” وفلسفته، فهو كثيراً ما عبّر عن أفكاره المثيرة والخطيرة بقصد خلخلة الوعي السائد وهزّ المجتمع القاسي والمغلق في تلك الحقبة التاريخية، فانتقد  الفلسفة الكانطية والهيغلية، ورفض المثالية الأفلاطونية وكل ما يتعلّق بالميتافيزيقيا بشكل عام، كما دعا إلى تبني قيم أخلاقية جديدة في المجتمع الأوروبي. في بدايات مسيرته كان “نيتشه” شاباً متميزاً، تخصّص في علوم الفلسفة الكلاسيكية في جامعتي بون ولايبزغ الألمانيتين على الرغم من ميوله الموسيقية واللاهوتية، وأصبح أستاذاً لليونانية في جامعة بازل العام 1869 وهو لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره. ظهرت كتاباته البدئية قبل ذلك بوقت قصير حين أثارت أعمال الفيلسوف “آرثر شوبنهاور” إعجابه وانغمس في قراءتها، وقد اعترف فيما بعد بأنه مدين بصحوته الفلسفية لكتاب شوبنهاور: “العالم كإرادة وتصور”. يعزو الكثير من الباحثين شخصية “نيتشه” التي تبدّلت وتطورت مع تطوّر أفكاره المختلفة إلى تربيته الدينية الأسرية، فأجداده من جهة أبيه وأمه كانوا ينتمون إلى الكنيسة البروتستانتية منذ حركة الإصلاح قبل ثلاث قرون من وقتها، وكان العديد من أفراد أسرته قساوسة، ومنهم أبوه القس اللوثري الذي توفي حين كان “فريديك نيتشه” في الخامسة من عمره، ليترعرع في بيت مليء بالنساء ثم يخوض غمار تعليمه في مدرسة خاصة. في كتابه “آراء مجردة” 1876 ينتقد غرور الدولة البسماركية الجديدة ويتناول أضرارها، أما كتابه “هكذا تكلم زرادشت” 1883-1892 فيعتبر من أهم كتبه وهو سلسلة مقولات نثرية لنبي وهمي، وبعد سنوات قليلة من إصدار كتابه “ما وراء الخير والشر” في العام 1886 عانى “نيتشه” من انهيار عقلي لم يشف منه بقية حياته على الرغم من أن ...

أكمل القراءة »

لندع الموتى يرقدون بسلام

عمر قدور* ظهرت بعد الثورة محاولات لإعادة النظر في الثقافة السورية السابقة عليها، هي بمجملها محاولات قليلة، لم يخلُ بعضها من أسلوب صادم، وحالف بعضها الحظ فأخذت قسطاً من الجدال. كذلك كانت هناك محاولات متسرعة لتأريخ الثقافة السورية فيما بعد الثورة، ولم تغب المزاجية عنها أيضاً، سواءً بالاحتفاء بأسماء محددة بلا سند نقدي واضح أو الاحتفاء بأية كتابة تجهر بانتماء صاحبها إلى الثورة، أو الطعن بما أُنتج بعد الثورة بذريعة غلبة اعتبارات السياسة عليه والتضحية بالاعتبارات الفنية. يمكن لنا في هذا السياق استرجاع مقارنات مفتعلة، مثل المقارنة بين نزار قباني وسعدالله ونوس للقول بأن الثاني نال أكثر من حقه إعلامياً بدعوى قربه من سلطة الأسد، وبالطبع ما يبرر هذا القرب هو الاعتبار الطائفي الذي لا يتوفر في حالة قباني. وإذ لا نستطيع تنزيه سلطة الأسد عن اللعب على الوتر الطائفي ماضياً وحاضراً إلا أن المقارنة بين نزار وونوس لا تستقيم من دون الإشارة إلى الشعبية الواسعة للأول ونخبوية الثاني، وإلى أن الكاتبين حقّقا انتشارهما الأوسع انطلاقاً من بيروت لا من دمشق. وينبغي على نحو خاص تفحّص النص السياسي لديهما، حيث لا يصعب اكتشاف ذلك الهجاء السياسي المرسل على نحو عام، ومهما بلغت شدّته يبقى في إطار من العمومية بحيث لا يشتبك مباشرة مع سلطة الأسد أو أية سلطة عربية محددة. هذا النوع من الكتابة لم يكن يقتصر عليهما، بل كان سمة شبه عامة لكتابات المرحلة كلها، وكان ضمن الحد المسموح به الذي لا يعرّض صاحبه للمخاطر. ربما كان من حسن حظ الماغوط أنه توفي قبل الثورة، فنحن لا نعرف ما الذي سيكون عليه موقفه فيما لو عاصرها. في كتابات الماغوط وفي جزء كبير من سيرته ما يوحي بأنه لا بد أن يكون مع الثورة، لكن فيهما أيضاً ما قد يوحي بخلاف ذلك، فالرجل قبِل وساماً من سلطة بشار، وقبِل أن تُحرّف مسرحية له لتصبح هجاءً وردحاً لانتفاضة الاستقلال اللبنانية التي تلت اغتيال الحريري، أي أنه سار بخلاف ما توحي به ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد 32: الأخوات برونتي.. سيرة حياة وموت غامضة!

تبقى قصة الأخوات الثلاث “برونتي” قصة غريبة وملهمة للكثير إلى اليوم. فقد كنّ ثلاث أخوات مبدعات، كتبن روايات بقيت حتى اللحظة من أعلام الأدب الإنكليزي في الحقبة الفكتورية، لكنهم عشن في عزلة وتوفين في أعمار صغيرة نسبياً. فقد تربت الأخوات في كنف والدهن “باتريك برونتي” وقد كان راعياً في الكنيسة الإنجليزية ومهووساً بالكتابة والثقافة، وقد نشأن بعد وفاة أمهن المبكرة مع خادم عجوز في قرية بعيدة في سبخات يوركشاير في شمال شرق إنكلترا. وعلى الرغم من التربية الدينية فإن هذا لم يؤثر على كتاباتهن المتحررة من أي ملمح ديني، ولكن لأساليب والدهن المختلفة والحرة في التعليم وتثقيف أولاده دور كبير في تنمية مواهبهن، الأمر الذي جعلهن عاجزات عن الاختلاط الاجتماعي بمجتمع وجدنه مغلقاً وفقيراً بالإبداع، والاكتفاء بحياتهن الغنية بالقراءة والكتابة والموسيقا والفنون في البيت وفي تفاصيل الطبيعة المحيطة الغنية. “شارلوت برونتي” هي الأخت الكبرى بين الأخوات الثلاث، توفيت عن عمر 37 عاماً بعد أعوام قليلة من كتابة روايتها الشهيرة: “جين إير” في العام1847  باسم مستعار هو: “كيور بيل”، فلم يكن معتاداً على النساء في ذلك الوقت الكتابة بأسمائهن الصريحة. يمكن اعتبار الرواية من أوائل الروايات المعاصرة فهي تتحدث عن حياة امرأة عادية بسيطة لكنها متمردة متحررة في التعبير عن مشاعرها وفي عيش تلك المشاعر. كما تناقش الرواية الظلم الاجتماعي المتجسّد في أحداث حياة جين المأساوية، والتي فيها من تجربة “شارلوت” في مدرسة الكنيسة الصارمة الكثير. أما “إيميلي برونتي” فقد نشرت رائعتها: “مرتفعات وذيرينغ” في العام الذي نشرت أختها فيه روايتها 1847 وكذلك باسم مستعار هو: “ايليس بيل”. وقد صدمت الرواية المشهد الثقافي في تلك الحقبة الفيكتورية، وتحدث النقاد عنها طويلاً، حتى أن أحدهم وصف كاتبها بأنه (ذو مواهب غير عادية، لكنه وغد ووحشي ومكتئب)، فهي تحكي عن العشق الجارف الذي يصل إلى حدّ تدمير الحبيبين: “كاثرين” و”هيثكليف”، كما تدمير المحيطين بهما. وقد توفيت “إيميلي” بعد سنة من ذلك عن عمر 30 عاماً. الشقيقة الأصغر “آن برونتي” والتي توفيت عن عمر 29 عاماً كتبت روايتين هما: “أغنيس ...

أكمل القراءة »

“كُنْ بريئاً كذئب” تقديس الحُبّ في كتاب ريم نجمي

عماد الدين موسى* يُمكِنُنَا اعتبار كتاب الشاعرة المغربيّة “ريم نجمي” الجديد: “كُنْ بريئاً كذئب”، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو 2018)، بأنّه كتابُ حُبّ بامتياز، بدءاً من الغلاف مروراً بالإهداء ومن ثمّ الشذرات المنتقاة لتكون في مستهلّ بعض القصائد لِكُتّاب وشعراء آخرين، وصولاً إلى محتوى القصائد وعناوينها. ولعلّ ما يميّز كتابة “ريم” هو تلك الطريقة المُغايرة في تناول موضوع “الحُبّ”، حيثُ كل شيء من حولنا يشي به، الحبّ وحده دونَ غيره، بينما يتصّدر الكتاب شذرة لإيفون أودوار، يؤكّد فيها أنّ “هناك الكثير من الرّقّة علينا أن نتعلَّمَهُا من الذئاب”. في هذا الكتاب تنحو الشاعرة “ريم نجمي” إلى تدوين كل ما هو حميمٌ وآني من التفاصيل اليوميّة، تلك المُهملة أو العابرة ومن ثمّ تخليدها؛ ثمّة روحٌ تحوم داخل قصائدها، روحٌ حقيقيّة تتوق إلى الحريّة وذلك بالخروج على المألوف والمُعتاد، سواء من جهة المُفردة المنتقاة بعنايةٍ فائقة أو من حيثُ خصوصيّة العبارة لديها، عدا عن زاوية الالتقاط المشهديّة للأجواء والعوالم التي يتم تسليط الضوء عليها؛ فتقول: “في مَدِينتِنا/ يَكُونُ الخريفُ بارداً./ رغمَ ذلك كُنّا نَقِفُ طوَالَ الليْل/ مُتَعَانِقَيْن بِجَانبِ النَّهْر/ حتّى إن المارّينَ/ اعتقدوا أنّنا شَجَرَة”. تكتبُ “ريم نجمي” كأنّها في نزهةٍ قصيرةٍ لجمع الأزاهيرِ في يوم العطلة؛ تؤنسن الأشياء والموجودات من حولها وتستنطقها، ليس هذا فحسب، بل تبثّ فيها الروح أيضاً؛ كما في قصيدة (فصل الربيع)، أحد أبرز وأجمل (فصول الحُبّ الأربعة) على حدّ وصفها، وفيها تقول: “الساعةُ العاشرةُ تحتَ الصفر/ الثلجُ يُقبِّل النوافذ/ والريحُ تُمشِّط شَعْرَ الحديقة/ الناسُ في عَجَلة/ مِظلّةٌ مكسورةٌ تُلوّح بيديها/ للمُتسكّع الأخير في الشارع./ وحدي كنتُ دافئة/ فقلبي الآنَ في فصلِ الربيع”. الحواريّة ما بين “الظاهر” و”الباطن” بوصفهما عالمين منفصلين ومتقابلين، أو بين الأحاسيس الداخليّة في تعاطيها مع العالم الخارجيّ، هو ما جعل من الشتاء ربيعاً مزهراً؛ ثمّة انبهار شِعري جليّ نجده هنا في هذه القصيدة، رغم الثلج والبرد والحرارة التي تبلغ عشر درجات تحت الصفر. فيما يخصّ تعريفها للحُبّ فتقول الشاعرة: “لا أستطيعُ أن أُعرِّفُ الحُبَّ/ لكنّي ...

أكمل القراءة »