الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

مثل نهر حيث الفضاء شحيح: ملاحظات عن اللجوء والاندماج

  ضحى عاشور* تعليقاً على المناظرة الأخيرة بين مارين لوبن وماكرون العام الماضي، قال أحد الصحافيين: “لم ينقص المناظرة إلا قفازات الملاكمة”. حمّلت لوبن مسؤولية معظم الأوضاع المتردية في فرنسا إلى اللاجئين والسياسات الحكومية المتساهلة معهم، وطالبت بطرد قسم منهم والتوقف عن استقبال المزيد، وحرمانهم من حقوق الصحة والتعليم المجانيين وحصرها بالمواطنين الفرنسيين. وللأمانة لم تذكر لوبن السوريين، لكنها كانت ساخطة على الجميع والأجانب عموماً، ودعت إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوربي، معللّة كل مطالبها بأن الفرنسيين “يشعرون بأن هويتهم وسيادتهم تُنتزع منهم”. لم يكسب ماكرون المناظرة فحسب، بل فاز بالرئاسة أيضاً. لكنه في خطاب التنصيب أكد “يجب التغلب على الانقسامات والتمزق في مجتمعنا”، وأشار في أكثر من مناسبة إلى تفشّي التهرب الضريبي واستغلال النفوذ والاثراء غير المشروع في المستويات العليا، وكان قد قطع في برنامجه الانتخابي ستين وعداً بينهم: تخفيض النفقات العامة، كما الضرائب على الشركات (كانت لوبن قد اتهمته بدعم العولمة المتوحشة)، ترميم مليون منزل، خفض البطالة، توظيف عشرة آلاف شرطي جديد، وزيادة خمسة عشر ألف مكان في السجون. هذه إشارات سريعة إلى طبيعة الأزمة التي تواجه الجمهورية الفرنسية، وتجد تعبيراتها في الشارع حيث الاضرابات ضد قانون العمل مازالت مستمرة منذ عامين، كما اضرابات واعتصامات الجامعات وعمال السكك الحديدية، وأقربها اعتصامات مارسيليا إثر انهيار منزل أودى بحياة ثمانية أشخاص، وآخرها “الغضب الأسود” حيث عطّلت جماعات “الستر الصفراء” حركة السير في معظم المدن احتجاجاً على رفع الضريبة على الوقود وغلاء المعيشة. في كل موجة احتجاجات تقرأ وتسمع الكثير من التعليقات فتتوقع أنها بداية لثورة تشبه ثورة مايو 1968، الأمر الذي يظهر عمق الأزمات التي تواجهها فرنسا. مع من يجب أن يندمج اللاجئون؟ كما أن المجتمع الفرنسي ليس كتلة واحدة كذلك هم اللاجئون ليسوا مجموعة موحدة. ومن الطبيعي أن يتوزعوا في أهوائهم وأفعالهم وانحيازاتهم وفق مصالحهم وثقافاتهم المختلفة وطموحاتهم، وهذا ما يحدث فعلاً، فاللاجئون أصحاب الأموال والأعمال والسياسة يندمجون بسرعة في مجالاتهم، بسبب العولمة التي تيسّر الاندماج، وكذلك أهل الموضة ...

أكمل القراءة »

ضعف المشاركة السياسية عند النساء اللاجئات

علياء أحمد* للوهلة الأولى قد يبدو العنوان غريباً، فهل يملك اللاجئون أساساً، نساءً كانوا أم رجالاً، الحقّ في المشاركة السياسية في البلدان التي تستضيفهم حتى يمكن قياس هذه المشاركة وتقييم فعاليتها؟ للمشاركة السياسية أشكال مختلفة تبعاً لنوع الأنظمة السياسية في الدول، ويتناسب اتساع المشاركة وتعدّد مجالاتها طرداً مع وجود قوانين تحفظ حقوق الإنسان وتضمن الحريات، كما أنّ العلاقة متعدية بين طرفي المعادلة، حيث أن فعالية الأنشطة التي يقوم بها المواطنون في الشأن العام، بصورها المختلفة، تؤثر على الوضع السياسي والقرارات الحكومية في الدول التي تتيح للأفراد حرية التعبير عن آرائهم، وترجمتها إلى وقائع ومشاريع ملموسة على الأرض، عبر الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والحركات الثقافية وحملات المناصرة، وغيرها من الآليات التي تساهم في صنع القرار السياسي. على ذلك، لاتنحصر المشاركة السياسية في شكل واحد كالانتخابات، وهو شكل الممارسة السائد الذي اعتاد مشاهدته كثير من القادمين الجدد في بلدان أوروبة الغربية كألمانيا. حيث تسود في أذهان الكثيرين فكرة خاطئة بأن المشاركة السياسية محصورة بحق الترشّح والانتخاب والانضمام للأحزاب السياسية، الأمر الذي لم يكن يجري في أطر من الحرية في بلدانهم، وإنما ضمن لعبة هزلية لا تعدو كونها تمثيلية سياسية سمجة. ورغم تواجد عشرات آلاف اللاجئين في ألمانيا، إلا أن تأثيرهم في عملية صنع القرارات المتعلقة بهم ضعيف للغاية، لاعتقادهم بأن مشاركتهم بلا جدوى وغير فعالة، وأنهم لايملكون الحق في الإدلاء بدلوهم، فتنحصر همومهم بتفاصيل حياتهم اليومية مثل دورات اللغة ومتابعة الأمور البيروقراطية في مركز العمل “الجوب سنتر” أو مكتب الأجانب “الأوسلندر بيهورده”. فبرغم وجود مئات المنظمات التي تعمل لأجل اللاجئين والمشاريع الكبيرة التي تستهدفهم، إلا أن انخراطهم في هذه المشاريع ومشاركتهم فيها دون المستوى المطلوب، وتكاد تنحصر في الأنشطة الترفيهية كالرحلات والحفلات! لا يدرك كثير من اللاجئين أن حضور اجتماع أولياء الأمور في مدارس أطفالهم، والمشاركة في انتخاب المجلس المدرسي مثلاً هي من أشكال المشاركة السياسية، وأن المشاركة في المظاهرات ضد العنصرية أو سياسة الترحيل، هي أيضاً من الممارسات السياسية ...

أكمل القراءة »

أكشاك بيع المطبوعات في برلين: حرية التعبير فوق الرفوف

يحيى الأوس* تثير رؤية الصحف والمجلات الألمانية والأجنبية المعروضة في أكشاك برلين ومكتباتها لدي شعوراً بالارتياح، فهي جزء لا يتجزأ من إحساسي بحرية الفكر والتعبير، وتحديداً شعوري بالحرية الإعلامية في هذا البلد. قد يكون مرد هذا الشعور المتّقد هو أنني أنحدر من بلد لا ترى في أكشاكه سوى صحف السلطة الهزيلة ومجلات التسلية والتابلويد. في كل مرة أتوقف أمام المراكز الكبيرة التي تعرض المجلات، أتعرف على مطبوعات جديدة لم يسبق لي ان رأيتها قبلاً، صحف ومجلات محلية وأجنبية من بلدان مختلفة بلغات متعددة، مطبوعات سياسية، علمية، كاريكاتور، طب، أزياء، ثقافة، رياضة، صحف ذات توجهات ثورية يسارية وأخرى راديكالية محافظة، حتى المجلات الجنسية تجد لها مكاناً وسط هذه الفوضى الرائعة بعيداً من مقص الرقيب الذي لا يبق ولا يذر. طوال ثلاثة سنوات في ألمانيا لم أسمع عن منع توزيع مطبوعة أو منعها من الدخول إلى ألمانيا أو سحبها من الأسواق، ولا أتمنى أن يحدث، لأن هذا من شأنه تعكير الصورة التي يحملها كل صحفي أو مثقف طريد وصل إلى هذه البلاد فاراً من جمهوريات القمع.    عندما وصلت إلى برلين كان تقصّي توجهات الصحف الألمانية الرئيسية أمراً أساسيا بالنسبة لي، ليس لكوني صحفياً وحسب، بل لأن التعرف إلى الخطاب الإعلامي للصحف الرئيسية، ونهجها السياسي والاجتماعي، يسهّل عملية فهم واستيعاب السياسة التي تُدار بها البلد، رغم صعوبة الأمر الناجمة عن عدم اتقاني للغة الألمانية، فقد تمكنت بمساعدة زملاء ألمان من تمييز توجهات الصحف الرئيسية. لم يكن التصنيف يتراوح بين صحافة اليسار واليمين والصحف المحافظة وحسب، بل تعداه إلى تصنيفات أخرى مثل المستقل والحزبي، الليبرالي والوسطي، الفكري والأكاديمي بالإضافة إلى اعتبارات أخرى عديدة.   أعرف أنه ليس من العدل المقارنة بين توجهات الصحف السائدة في ألمانيا والصحف في سوريا، نظرا للفوارق القائمة بين نظام يقدّس حرية التعبير وآخر يقوم على كمّ الأفواه، لكن التفاوت الشاسع يثير حفيظة الصحفيين دوماً، فجميع الصحف الرسمية والتي يطلق عليها “الخاصة” تتبع للنظام الحاكم في سوريا، ولا تختلف ...

أكمل القراءة »

احتفالات الهدنة وآلة الحروب التي لن تتوقف

شريف الرفاعي* فيما كنت أتابع قبل أيام الاحتفالات الفرنسية بذكرى الهدنة والذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، تذكرت رواية اسمها: صبر العصافير اللامتناهي وهي تخرج عن المألوف في صياغتها وموضوعها، يروي كاتبها الأسترالي دافيد معلوف (وهو من أب لبناني وأم بريطانية) قصة شاب استرالي مولع بالطيور، يراقب تحركاتها ويسجل أنواعها وطقوسها ومواعيد هجراتها في مستنقعات وبراري أستراليا الشاسعة. ثم تندلع الحرب العالمية الأولى ويذهب متطوعون للمشاركة في القتال، ومنهم جيم، الذي يعلل ذلك بأنه “إذا لم يذهب فإنه لن يفهم أبداً، عندما سينتهي كل ذلك، ِلمَ تغيرت حياته وكل ما عرفه حتى الآن، وأن أحداً لن يكون بمقدوره أن يقوله له. وسيمضي حياته متسائلاً عما جرى له باحثاً في عيون الآخرين عن إجابة”. يذهب جيم إلى الحرب إذاً، دون الانتماء إلى طرفٍ محدد ودون إيديولوجيا أو إيمان بجدواها، وسيكشف هناك أن: “الحروب ستستمر حتى الأزل. الحرب، أو شيء يشبهها يحمل اسماً آخر، سيستمر بالانتشار من هنا وحتى يطال الأرض كلها؛ الآلة الهائلة والمجرمة التي تشتغل في المقدمة تتطلب مزيداً من الرجال ومزيداً من الدماء كي تعمل، ولم يعد بالإمكان السيطرة عليها”. لا تبحث الرواية عن مذنب وبريء، ولا تقول كلمة واحدة عن سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى التي حصدت الملايين والتي تحتفل فرنسا اليوم بمرور قرنٍ كامل على نهايتها. فبعد مرور الزمن لا يبقى من الحروب سوى ذكرى مآسيها وضحاياها الذين لم يختاروا بالضرورة خوضها. إذاً تذكرت كل هذا وأنا أتابع الاحتفالات الفرنسية، والحقيقة أنها كانت جميلة ومتقنة على كافة الأصعدة، الفنية منها والتعبيرية، حتى خطاب ماكرون كان جيداً ومؤثراً وهو يتحدث عن السلام وعن إمكانية تجنب الأسوأ في كل لحظة. وبينما كانت الموسيقى تعزف مقطوعة باخ ثم مقطوعة البوليرو لرافيل، كنت أتأمل وجوه الحاضرين في الصف الأول: بوتين، ترامب، نتانياهو، ثم تساءلت عن جدوى الكلام المنمق في حضرة هذا الجمع الغفير! فإذا كانت مقتضيات السياسة والبروتوكول تبرّر دعوة روسيا وأميركا باعتبارهما طرفان في الحرب، فإنها حتماً لا تقتضي دعوة نتانياهو ...

أكمل القراءة »

عن سطوة الأساطير في مخيال البشرية: أسطورة أوديب مثالاً

  محمد عبد الوهاب الحسيني*   يرى بعض الباحثين، أن الثورة العلمية الحديثة كادت في إحدى مراحلها أن تقضي على الأسطورة، خصوصاً بعد أن حولتها إلى مجرد حكاية مسلية، لكن القرن التاسع عشر جلب معه ثورة فنية وجمالية، أعادت إلى الأسطورة مكانتها الرفيعة كشكل من أشكال التعبير الفني والأدبي. ومن جهته يرى فرويد أن الأسطورة هي أصل الفن والدين والتاريخ! والحقيقة أن الأسطورة منذ القدم، كانت موظفة ببراعة في الأدب، كما هو الحال في اليونان القديمة، فقد جرى تناول أسطورة أوديب في المسرحيات اليونانية منذ ألفي وخمسمائة سنة قبل الميلاد، حيث نجد مأساة ملك طيبة المدعو أوديب في مسرحية “سبعة ضد طيبة” لكاتبها “إيسخيلوس” ثم بعده تناول مواطنه “سوفوكليس” أسطورة أوديب في مسرحياته الثلاث: “أوديب ملكاً” و”أوديب في كولون” ومسرحيته “أنتيغون”، لقد كان “سوفوكليس” الأكثر براعة أدبية في تناول هذه الحكاية الأسطورية ومأساة بطلها أوديب، الذي نسجت له الآلهة قدراً لا فكاك منه، فهو الطفل الذي كان يتوجب موته إلا أنه حسب نبوءة العرافات فأن هذا الطفل الوليد يعيش ويقتل أباه، دون أن يدري أن القتيل المسمى “لايوس” إنما هو والده. كما كان قدره الذي كتبته الآلهة دلفي أن يتزوج أمه أيضاً دون أن يدري حقيقة ذلك، وحينما علم بالحقيقة فقأ عينيه عقاباً لإثمه الكبير. وهكذا تاه في البراري وعمّر طويلاً في مأساته بعد أن أنزل بنفسه القصاص المؤلم، وهو حقيقة المذنب الذي لاذنب له، ولكن الأمر كان مدوّناً مسبقاً في سيرة قدره منذ أن كان وليداً. إن تناول هذه الأسطورة في الآداب قديماً وحديثاً جارٍ على قدم وساق، فقد تطرق إليها “هوميروس” في ملاحمه المعروفة، ونعني بها الإلياذة والأوديسة. ومن جهته تناولت هذا الموضوع الأوديبي مسرحيات شكسبير مثل مسرحيته “هاملت” طبعاً بمعالجة فنية خاصة بكاتبها، ناهيك عن أعلام أدبية كثيرة تناولت هذه المأساة مثل “فولتير” و”أندريه جيد” و”جان كوكتو” في مسرحيته “الآلة الجهنمية” ونجد في العالم العربي كاتباً مرموقاً مثل “توفيق الحكيم” قد تناول بطريقته مأساة الملك أوديب في ...

أكمل القراءة »

السينما الألمانية: معالجات جريئة للواقع والتاريخ ج1

بقلم محمد عبيدو* عبر هذه السلسلة من المقالات التي يكتبها الكاتب والناقد السينمائي السوري محمد عبيدو سنسلط الضوء على تفاصيل السينما الألمانية تاريخها وواقعها واهم أفلامها ومخرجيها. وهذه المقالات ستنشر في كتاب سيصدر قريباً تعتبر السينما الألمانية من أعرق السينمات في العالم وأكثرها عمقاً وجدية عبر تاريخها الحافل، فقد بدأت السينما الألمانية بالعرض قبل الإخوة لوميير حيث أن الإخوة سكلادانوفسكي قاموا بتصوير فيلم “الحديقة الشتوية” وعرض للجمهور في مسرح برلين بداية تشرين الثاني 1895 (أي قبل شهر من عرض الإخوة لوميير التاريخي في الجراند كافيه).  استغل قيصر ألمانيا هذه الوسيلة مبكراً، وأعطى أوامر بإخراج أفلام وثائقية تمجد تاريخه، ومن هنا عُبّد الطريق للاستعمال السياسي لهذا الفن، وقد عرف هذا الاتجاه نمواً متزايداً نهاية الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن وصول السلطة آنذاك إلى قناعة مفادها أن السينما تشكل الدعامة الاولى للدعاية السياسية. فاتحد أصحاب المصارف والصناعات الكيميائية والتسليح، لتأسيس شركة (يونيفرسوم فيلم) العام 1917، بصفة منتج مهيمن على الفيلم الالماني، حيث تم حظر الأفلام الفرنسية والإنكليزية والأميركية باعتبارها أعداء لألمانيا أثناء الحرب، فاضطرت صناعة السينما الألمانية إلى زيادة الإنتاج الذي وصل إلى 300 فيلم سنوياً، فازدهرت المعالجات الإخراجية، وتنوعت الموضوعات، فظهرت أفلام ممتازة ومخرجين أكفاء يقف على رأسهم “أرنست لوبتش”، الذي أخرج مجموعة من الأفلام منها: كارمن، الأميرة ذات المحار.. وبرز ما أطلق عليه أفلام “سينما فيمار” التي اعتبرها العالم واحدة من أغنى وأكثر الفترات ابتكاراً في تاريخ السينما. بعد الحرب العالمية الأولى والمشاكل الاقتصادية التي تخبّطت فيها الصناعة الألمانية، تخلصت الدولة من تسيير استديوهات الإنتاج لفائدة أشخاص آخرين، ومن هنا بدأنا نحسّ بتيار التغيير يهب على السينما الألمانية باتجاهها نحو تصوير الحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي كان يعيشها المواطن الألماني. السينما التعبيرية: بدأت هذه السينما بالظهور بعد الحرب العالمية الأولى، واستوحت تقنياتها واتجاهاتها من المدرسة التعبيرية، وهي حركة فنية ظهرت في عشرينيات القرن الماضي وشملت فنون المسرح والتصوير والرسم والنحت والتصميم المعماري والسينما أيضاً، وهي تعتمد على توظيف الخيال بشكل ...

أكمل القراءة »

الفن، المنفى، اللعب

علي جازو*   اسمحوا لي أن أبدأ كلامي بلعبة كلامية، وأرجو ألا تكون مملة. لدينا كلمتان: الفن والمنفى، هما عنصرا اللعبة البسيطة المعقدة في آن واحد، بعد إضافة اللعب إليهما. سأستعير الألف الأخيرة من (منفى) وأعيدها إلى الياء التي هي أصلها، ثم ألصق الياء هذه بـ (فن). ما هي احتمالات القراءة هنا؟ أول الاحتمالات أن يصير (فن) إلى (فنيّ) صفةً، أو يتحول إلى (فَنِيَ) فعلاً ماضياً، والثالث هو (يفن)، أما الرابع فهو (نَفْيٌ)، واحتمالات لغوية أخرى عبثية! نحن أمام أفعال وصفات ومصادر. كلمة (منفى) تمنحنا بدورها خيارات، منها (مَفَنُّ) أي المكان الذي يمارس فيه الفنان عمله، وكذلك أدوات النفي: لا، لم، ما، لن (تحيل إلى الحاضر والماضي والمستقبل). يمكننا وضع الفاء محل النون (مُفْنٍ) فنجد القاتل، لكن (مُفنٍ) تعني أيضاً تخصيص شخص حياته كلها لشأن ما: (أفنى حياته في كذا)، أي خصصها وأفردها لشأن بعينه. في الحقيقة لم أكن أقصد اللعب فقط، فما أردت قوله من خلال اللعب أن المنفى متضمن داخل الفن كجوهر وليس كشيء طارئ أو دخيل، كما أن اللعب يحول المنفي من مشفق عليه إلى فاعل لاهٍ يزيل عن الشفقة طعمها المر، كي يعيدها إلى الفطرة، إلى الحس الإنساني المشترك. لم يكن السوريون، الفنانون خاصة، في نعيم قبل ربيع 2011. ولا داعي لتأكيد ما بات واضحاً للجميع عن حال البلد/ المسلخ البشري. معظم الذين التقيت بهم هنا في برلين ومدن ألمانية أخرى، عبروا عن شعور بالاغتراب والعزلة قبل اضطرارهم العيش خارج سوريا. تأتي عزلة الفن عن حاجة خاصة، لكن عزلة قسرية أحاطت بعالم الفنون في سوريا، شيئاً أشبه بحبس الهواء نفسه، وهذا ما يجعل الخارج أو الداخل مجرد ظرفين حياديين إزاء شعور عميق وصامت أحياناً بعزلة لم تأتِ عن طريق اختيار تلقائي. يبقى الفن وسيطاً، بين مكان مخصّص للعمل ومكان غير مختار للفناء. في الحالتين هو قائم على محلٍ خليطٍ، كما أنه على العكس من اللعبة، التي هي محض تكرار وتبديل لأماكن الحروف، ليس شأناً مجرداً عن ...

أكمل القراءة »

مانسيل في متاهة المشرقة: قراءة في كتاب “ثلاث مدن مشرقية”

جهاد الرنتيسي*   يعود المؤرخ البريطاني “فيليب مانسيل” في كتابه “ثلاث مدن مشرقية” إلى مناخات شواطئ البحر الأبيض المتوسط بين القرنين السادس عشر والعشرين بحثاً عن أرضيات ملائمة لمدّ الجسور بين “المشرقية” والعولمة. ويحاول عبر رصده لأنماط الحياة والتحولات في المدن البحرية الثلاث: “سميرنا/أزمير”، و”الإسكندرية” و”بيروت”، أثناء الحكم العثماني وما بعده، التركيز على التعايش بين الأعراق والأديان. في هذه المحاولة يرسم خطاً بيانياً للصراعات الدولية والنزعات العرقية والدينية التي ساهمت بتأرجح حياة سكان هذه المدن وإمكانيات تعايشهم، وتقويض احتمالات استمرار التجربة وفرضية انبعاثها. كما يحرص على التعريف بأنماط التفكير والعلاقات الاجتماعية التي تكوّنت بفعل التركيبة السكانية وأنماط الحياة الاقتصادية وإفرازاتها الطبقية. محاولات التجسير في كتاب “مانسيل” الصادر في جزئين عن سلسلة “عالم المعرفة” اصطدمت بأجزاء من الصورة التي رغب في أن تكون وافية. فإحدى الحقائق التي خدشت فكرة التجسير تمثلت في معطيات نشوء المدن “المشرقية”، والتي كان أبرزها التقارب السياسي والمصلحي بين الدولة العثمانية وفرنسا، مما يقلّل من أهمية البعد “التعايشي” في دوافع تطور هذه المدن ومشرقتها، بمعنى آخر جاء التعايش الصوري نتيجة لتوجّه سياسي أملته المصلحة، ولم يقم على التفاعل بين أعراق وقوميات مختلفة اختارت أن تبني عالماً تعددياً وتعيش فيه. قد تكون الصراعات الدموية التي اندلعت بين المكونات العرقية والدينية خلال تلك العقود، التضاد الهوياتي الذي صاحب التجربة، والمآلات التي انتهت إليها مظهراً ونتيجة للهوة الفاصلة بين معطيات النشوء والظواهر الناجمة عنه. على هذا تترك شمولية الصورة التي سعى إليها المؤلف دافعاً للقيام بمراجعات لصور نمطية حول زمن ما بين القرنين السادس عشر والعشرين، وهامشاً للخروج باستنتاجات ترجّح وجهات نظر في قضايا خلافية. من بين هذه الاستنتاجات أن المدن “المشرقية” تبدو الأكثر قبولاً للآخر والأقدم في حال مقارنتها بالغرب، فقد تجاورت المساجد والكنائس رغم التوترات التي كانت تحدث بين الحين والاخر، حيث افتتح أول مسجد في باريس في العام 1926 تكريماً للمسلمين الذين قتلوا من أجل فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. هناك استنتاج آخر يستحق التوقف عنده، وهو ...

أكمل القراءة »

الرضوض النفسية (التراوما) في آداب المنافي واللجوء: تأملات عابرة للحدود حول قديم وجديد آداب المنافي ج2

بقلم المستشرق الألماني: شتيفان ميليش ترجمة: روزا ياسين حسن   لكن هناك بالتأكيد الكثير من الوظائف والمهام الأخرى للأدب العربي: فهو يستطيع نقل عبث وبشاعة تجربة الواقع لغوياً، ويعيد إحياء الحقيقة بابتذالها وشذوذها في اللغة. كما يستطيع استخدام تجربة الظلم الخاصة بالكاتب كفرصة ليعكس تجارب الظلم الأخرى التي عاشها الآخرون. ويمكن أن يكون الشعر كمنولوجات داخلية أو كحوار، أي يدور حول الذات أو يحتفل بالحوار وتعدّد الأصوات. أفكر كيف كان كل من “بول سيلان” و”كمال سبتي” مثلاً منشغلاً بتعاسته ومأساته الخاصة، في حين كان ثمة شعراء آخرون كـ”محمود درويش” و”إنجبورغ باخمان”، فكّروا بالآخرين وبالضحايا الغرباء، ربما لأنهم كانوا مميزين بطريقة ما، وبالتالي تمكّنوا من اختراق المونولوجات أكثر من غيرهم، أو على الأقل بطريقة خاصة بهم، باتجاه الحوار وتعدّد الأصوات. في نهاية الأمر، يعيش الأدب أيضاً بعد الهرب عبر التخييل وقدرة اجتراحه والرغبات والأمنيات، بغية الفرار من قيود الواقع الضاغطة الصادمة والمليئة بالخسارة، ليواجهه وليضع نقاط علام جديدة لعالم آت أفضل. ربما كان التخييل هو الكنز الأكثر حيوية وقيمة، حينما لا يتحوّل على المدى البعيد إلى هروب ثانٍ، وحين لا يقود المرء للخروج من الواقع تماماً. لذلك من غير المسموح للأدب أن يتخلى عن الخيال، سواء لأدب السوريين اليوم، اليمنيين، الأفغان، والكونغوليين وغيرهم. ولكن هل يوجد بالعموم أدب للكبار يرقى إلى مستوى هذا الادعاء؟ حيث يجب عليه بالإضافة إلى سرد الفظاعات أن يمتلك قدرة التخييل وموهبة الحالمين بمستقبل أفضل، والتي تصبح واضحة في ظروف الحياة الجديدة والجيدة. وإلا لن يبقى إلا أدب الأطفال، الذي نستطيع فيه، نحن الكبار، أن ندنو من المستحيلات (كما يطلق عليها أبرز شعراء الحداثة العرب): الوطن، البيت، الجمال، الحب، والصداقة، بطريقة فورية وبسيطة وربما ساذجة. وفيما يستمر العالم بسقوطه في الدمار والرماد، وفي تبديد مصادر الحياة، تتم تنحية الواقع الحقيقي من خلال الافتراضية والثقافة المزيفة. *** يمكننا أن نجد الكثير من أوصاف المنفى في الأدب العربي بعد العودة من المنفى إلى الوطن الأم، وليس فقط في المنفى. ...

أكمل القراءة »

أخيراً، أصبح لي جناحان بين أنغبورغ باخمان ومجموعة 47

وداد نبي نشر هذا النص بالألمانية بعنوان: Ich habe Flügel, endlich على موقع Zeit Online في شباط 2014 كان رأسي يتدحرجُ ككرة قدم على أحد شوارع حلب، فيما عيناي تنغلقان بقوةٍ. أردت الموت بشدة، كان الدم يسيل من أنفي فيما كلمات “أنغبورغ باخمان” تقفزُ في رأسي المدمى على الأسفلت: “كل شخص يسقط لديه أجنحة.” كنتُ أسقط في موتي الذي اخترته، منتظرة الجناحين اللذين سيطيران بي لعالم أخر أكثر عدالة وإنسانية، عالم لا وجود لقسوة الحب فيه. كنتُ أريد إنهاء حياتي تحت عجلات السيارة العسكرية التي لم أنتبه لهويتها إلا بعد أن رميت بنفسي أمامها، إنهاء حياتي التي سرقتها مني الحرب، الحب غير المحقق، الحواجز العسكرية، الخوف من الاعتقال، القصف اليومي، اليأس، انقطاع الكهرباء والماء يومياً لساعات طويلة، هجرة معظم الأصدقاء والعائلة، وكل التفاصيل الصغيرة غير المتوفرة في مدينة تعيش تحت قبضة الحرب الهائلة.  أردت أن أضع حداً لحياتي القاسية لذا ذهبت للانتحار، لكن الموت رفضني، قذفني خارج أرضه، أهانني وأذلني حين وضعني بين يدي الجندي الذي كنت أهرب منه، وأرفع صوتي عالياً في المظاهرات ضده، ذلك الجندي من دهسني بالسيارة العسكرية حينما قرّرت الموت! كانت إحدى سخريات القدر، إذ حملني بين ذراعيه من الشارع فيما كعب بندقيته يلامس جبيني. فتحت عينيّ للحظات، لمحت كعب البندقية، أغلقتهما وعدت مرة ثانية لـ”أنغبورغ باخمان”، أسألها: لماذا الألم قاسٍ يا باخمان، لماذا؟ كيف نجا قلبك بالاحتراق؟ ولماذا لا أنجح مثلك؟ خرجتُ حينها من المشفى بكسرٍ في الحوض، أقعدني في السرير ثلاثة أشهر. ضحكة الطبيب وكلماته في أذني: “هذه أول حالة تأتيني منذ عامين بحادث سير، هناك جرحى بسبب قذيفة، صاروخ، قصف، رصاصة قناص، جرة غاز، أما أن يأتيني أحد بسبب حادث سير فهو عجب العجاب في حلب”، وأطلق ضحكة طويلة. كدت أخبره بأنه ليس حادث سير، إنما محاولة انتحار للخلاص من بؤس الحياة في هذه المدينة، لكنني قرّرت الصمت، وعدت لقصيدة باخمان: “لكل شخص يسقط جناحان”، وأنا الآن بلا أجنحة أسقط في هاوية اليأس والألم. ...

أكمل القراءة »