الرئيسية » أرشيف الكاتب: محمد شحرور

أرشيف الكاتب: محمد شحرور

كتب الله؟ أم لم يكتب؟

المسجد الأموي في حلب بعد سيطرة قوات النظام. AFP / George Ourfalian

ضمن الصور والأفلام التي انتشرت من حلب المنكوبة، يظهر طفل صغير مات أخوته الثلاثة جراء القصف، ووسط حزنه ومعاناته تبدو قناعته بإرادة الله وأنه كتب لإخوته الموت وكتب له النجاة، تمنحه نوعًا من الرضا والتسليم. ورغم أن هذه القناعة قد تكون مواسية للطفل ولغيره ممن فقدوا أحبتهم، ونالهم التهجير والتشرد، إلا أنها تزوّر الحقيقة، وتجعل من الله تعالى (حاشاه) مسؤولاً عن الجرائم كلها، وكأن كل أولئك الأطفال الذين قضوا ما كان لينتظرهم أي مستقبل، وما كانوا ليصبحوا أطباء أو مهندسين أو رياضيين أو موسيقيين أو نحاتين ورسامين، ولا آباء وأمهات، مما يطرح سؤال منطقي هل الله فعلاً مسؤول عن كل هذا؟ الحقيقة مغايرة تمامًا، فالله لم يكتب منذ الأزل أن يحدث ما يحدث اليوم، ولو كتب على القاتل أن يقتل لأصبح الحساب في اليوم الآخر سيناريو سخيفًا لا معنى له، يتناقض مع ما جاء في التنزيل الحكيم عن عدالة الله المطلقة، وحول مسؤوليتنا عن أعمالنا بما فيها من خير أو شر {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة 7 – 8). لكن الطغيان العقائدي الموروث كرس في عقولنا ما يعيق تطورها، بحيث تلاشت إرادة الإنسان لصالح “المكتوب”، وفهمنا {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا} (التوبة 51) على اعتبار أن الله كتب على فلان الفقر وعلى آخر الغنى، وعلى هذا أن يموت طفلاً، وذاك يعمر حتى المائة. بينما الصحيح أن الله تعالى وضع قوانين الكون من حياة وموت وليل ونهار وصحة ومرض وغنى وفقر وغيرها، كل في كتاب {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (الحديد 22)،  وترك لنا دراسة هذه الكتب والقضاء فيها لنتمكن من السير قدمًا. وكلمة “كتبَ” في اللسان العربي تعني جمع أشياء بعضها مع بعض لإخراج معنى مفيد، أو موضوع متكامل، فإذا اجتمع مهندسون في مكان لدراسة مشروع بناء ما سمي مكان اجتماعهم “مكتب”، وإذا أردنا دراسة كتاب البصر مثلاً علينا جمع كل المواضيع ...

أكمل القراءة »

ثقافة عصور الاستبداد

الدكتور محمد شحرور

اضطرت الظروف السوريين للهجرة من بلدهم هربًا بأولادهم من الجحيم المستعرة، وعانى أغلبهم الأمرّين للوصول إلى بلدان اللجوء. ورغم أنهم غالبًا وجدوا الأمان المطلوب، إلا أن اختلاف الثقافات سبّب ويسبّب العديد من المشاكل، وعلى مختلف الأصعدة، سواء من حيث اندماج اللاجىء مع المحيط، أم تفهمه لأعراف المجتمع الجديد، أم ما فرضته من شروط موضوعية، وما نتج عن كل ذلك من تخلخل أسري ضرب أركان البيوت المبنية على علاقات واهية أصلاً، ولا يبتعد كثيرًا عن هذا ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي من خبر الوالد الذي ضرب ابنه في المطعم، فسحبت السلطات الألمانية الطفل من أبيه، معتبرة أنه جدير بتلقي رعاية أفضل. وقد يتمنى هذا وذاك لو أنهم لم يخرجوا من بلدهم أصلاً، لكان واحدهم استطاع ضرب ابنه براحته، ولما تمردت زوجه عليه حين وجدت عملاً يكفيها شره، ولما تحررت أخته من الحجاب الذي أثقل عليها، وإن كنت أتعاطف قليلاً مع الوالد المكلوم وقد أتفهم موقفه، إلا أني آسف في الوقت ذاته لما وصلنا إليه، في ظل ثقافة الاستبداد، ابتداءً من الطفولة وحتى الكهولة، مرورًا بالمدرسة والجامعة والعمل، ناهيك عن الخدمة الإلزامية، هذا الاستبداد الذي طبع حياتنا حتى أصبحنا كالقردة في تجربة بافلوف، لا نجرؤ على تخطي ما نشأنا عليه  قيد أنملة، ونمنع كل من يحاول التجرؤ أيضًا. الفقه الموروث كرس مبدأ “الطاعة لذي الشوكة” ومن المفارقة أنه في حين أسست ثقافتنا الإسلامية الموروثة للاستبداد بكل أشكاله، فإن التنزيل الحكيم جعل من الحرية أساس الأنسنة، فهي الأمانة التي حملها الإنسان وأبت السموات والأرض والجبال حملها {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب 72)، واختلاف الإنسان عن باقي الكائنات على الأرض هو كونه حرًا، يطيع ويعصي بملء إرادته، وهي كلمة الله العليا التي سبقت لكل أهل الأرض، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ ...

أكمل القراءة »

العقل العربي وإنتاج المعرفة

british-muslims-anonymous-generic

أنتجت البلاد العربية في القرن الماضي ثلاثة آلاف شاعر، منهم من نسيت قصائده بعد برهة من الزمن، ومنهم من ستبقى قصائده على مر الأزمان، لكن هذه البلاد ذاتها لم تنجح في إنتاج عالم واحد. واضطرت كلما أرادت التباهي بعلمائها أن تستحضر التاريخ لتجلب علماء مضى على وفاتهم ما لا يقل عن ألف عام، قضى أغلبهم وقد أحرقت كتبه أو عانى ما عاناه من اضطهاد نتيجة لما أتى به، واليوم يشعر العرب وهم يهاجرون إلى أوروبا ببعض من العنجهية والغرور، على اعتبار أن أجدادهم كانوا السبب في نهضتها وحضارتها، ويتناسى هؤلاء أن أوروبا رغم استفادتها من أفكار ابن رشد وغيره، لكنها لم تحنطهم وتجلس عند تماثيلهم، بل تجاوزتهم وسارت إلى الأمام، بينما بقينا نحن العرب نجتر ما كتب الغزالي وابن تيمية، فلم نكن محظوظين بما يكفي ليحصل العكس، فتأخذ أوروبا الغزالي ويبقى لنا ابن رشد، لعلنا لو بقينا على أفكاره كنا استطعنا السير إلى الأمام قيد أنملة. فللأسف أن ما حصل هو اتخاذنا شعار “من تمنطق فقد تزندق” نبراسًا لنا، فرمينا العقل والمنطق جانبًا، واستعنا بالنقل على قضاء أمورنا، واستكان العقل العربي الجمعي لهذا الحال، فأصبح غير قادر على انتاج المعرفة، كونه يستخدم الشعر في التعبير فلا يتوخى الدقة، حيث الشعر لا يعيبه الترادف ولا الخيال ولا الكذب، بينما لا ينطبق هذا على أي بحث معرفي. والعقل العربي عقل قياسي، يحتاج لنسخة كي يقيس عليها، غير قادر على الابتكار، فالملحد يستحضر نسخته من الاتحاد السوفيتي السابق حتى لو ثبت فشله، والمؤمن يستحضر نسخته من الصحابة في القرن السابع الميلادي، والاثنان يراوحان في المكان دون تقدم، حتى أصبحا خارج الزمان. والعقل الجمعي العربي اعتاد السؤال عما هو مسموح بدل السؤال عن الممنوع، فبالنسبة له كل شيء ممنوع وحرام حتى يثبت العكس، بينما يفترض في الأمور الإباحة إلا ما حرّم بنص ديني أو مُنع بقانون ما، وبدل أن يسأل العربي عن كيف تم اختراع الموبايل، أول ما يخطر في باله هل استخدامه حرام ...

أكمل القراءة »

وقل اعملوا

Photo. Aljazeera

{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ} بحلول عام هجري جديد، أتقدم من السادة القراء بأجمل الأمنيات والتهاني، راجيًا من الله أن يكون عامًا سعيدًا، على الناس جميعًا وعلى السوريين خاصة في سوريا والمهاجر. وفيما يستمر الجدال بين الدول الأوروبية حول تقبل اللاجئين، تعيش المأساة السورية عامها السادس، ولا يزال السوريون يبحثون عن ملاذ آمن، فيحاولون بشتى الطرق والوسائل الوصول إلى بلد ما، ينالون فيه بعض الراحة والاستقرار، تحت سقف يحميهم من الدمار والقتل والاعتقال، وكل الضغوط الأخرى الناتجة عن الحرب، فيعانون الأمريّن في طريق الهجرة، ورغم ما قد يجدونه بداية من تعاطف وود لدى أهل البلد المضيف، إلا أن خيبة الأمل ما تلبث أن تطفو على السطح. إذ تصطدم الأحلام بالواقع، فيجد اللاجىء الحالم بالجنة أن الحياة على الأرض الجديدة تختلف عما تصورها في خيالاته، ولن يقدّم له العيش الكريم على طبق من فضة، فمجتمع الجنة تنتفي فيه ظاهرة العمل، والرزق مفتوح غير مشروط، ولا مرض ولا موت. لكن في الدنيا لا وجود لهذا المجتمع، والعمل أساس الحياة وكل ما فيها قائم عليه  {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ} (التوبة 105)، ولا جزاء من دون عمل، يتساوى في ذلك الذكور والإناث {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل 97)، والله تعالى سخر الناس ليخدم بعضهم بعضًا من خلال أعمالهم {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف 32). فطرق المعاش تجعل كل يعمل وفق اختصاصه، الطبيب يعالج المزارع، والمزارع يزرع طعام الطبيب، والنجار يصنع أبوابًا لبيوتهما وهكذا، وعلى أساس العمل يأتي الرزق {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} (يس 35)، والرزق الجماعي يأتي من خيرات الطبيعة {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات 22)،{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ ...

أكمل القراءة »

الحرام محدد والحلال مفتوح

6666

لا يكاد يمضي يوم إلا ونسمع عن اكتشافات جديدة في كافة مجالات العلوم، التكنولوجية والطبية والصناعية والزراعية والفلكية وغيرها، وبينما يتصدر الغرب المسؤولية عن تلك الاكتشافات؛ نتصدر نحن العرب والمسلمين بشكل عام المسؤولية عن الاستهلاك دون أي إنتاج يذكر، وتنشغل جامعاتنا بمناقشة رسائل الدكتوراه حول نواقض الوضوء ووجوب أو جواز نوم الأرملة جانب الحائط خلال فترة العدة، فيما يصّدر الدعاة أفواجًا من “المجاهدين” ينشرون العنف في العالم باسم الإسلام، في حين تنتشر مواقع الفتاوى لتحلل وتحرم باسم الله فتحول حياة المسلمين إلى أناس خارج العصر والتاريخ. ويقف المرء في لحظة تفكير ليتساءل أين الخلل؟ وهل يعقل أن يكون دين الله الخاتم بهذا التعقيد وقد أتى رحمة للعالمين؟ وأين تلك الرحمة إذا كنا نرزح في عقدة الذنب لكثرة ما ارتكبنا من حرام سيودي بنا إلى جهنم وبئس المصير لا محالة؟ فإذا علمنا أن الله أرسل لنا كتابه لنقرأه لا لنزين به رفوف المكتبات ونتلوه في المآتم، وأن هذا الكتاب من حي إلى أحياء، علينا النظر إليه بعين العصر لا بعين 1400 سنة سابقة، وأن علينا فهمه وتدبره دون وسيط، والتدبر لا يكون إلا بالسؤال والاقتناع، دون ممنوع هنا، لوجدنا الله رؤوفًا رحيمًا {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحديد 9)، والجنة عرضها السموات والأرض {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران 133)، ورحمة الله وسعت كل شيء بينما عذابه محدود {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف 156)، وأن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا سيلقى خير الجزاء يوم القيامة، مهما كانت ملته {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62). لكن الثقافة الإسلامية الموروثة رسّخت في أذهاننا دينًا مغايرًا تمامًا لدين التنزيل الحكيم، فحنطت ما أفتى به الشافعي وأبو ...

أكمل القراءة »

العلمانية والإسلام

muslims-in-india

يختلط تعريف العلمانية لدى كثير من الناس مع الإلحاد، لدرجة أن إطلاق صفة “علماني” على أحد ما، يسمه تلقائيًا بصفة ملحد، وتأييد العلمانية يتعارض في مجتمعاتنا مع صيامك في رمضان مثلاً، أو ذهابك إلى الحج، لاسيما مع اعتيادنا على إطلاق الأحكام القطعية وتقييم الناس وفق أهوائنا. لكن هذا الخلط لم يأت من فراغ، فبالنسبة للغرب وبعد عهود من تحكم الكنيسة بحياة الناس واستفرادها بالسلطة ومحاباتها للملوك باسم الدين، جعل المجتمعات الغربية تتحسس من موضوع تدخل الدين بالمفهوم الكنسي في شؤون السياسة، مما دفع بمفكريها ومنظريها إلى رفض إقحام الدين في الفلسفة السياسية تمامًا، لأن الدين بالنسبة لهم يقابل سلطة الإكراه والحد من الحرية الشخصية وحرمان الإنسان من حقوقه الطبيعية، لذلك نادوا بالعلمانية ليس بكونها فصل الدين عن السلطة السياسية فقط، وإنما بالدعوة للاهتمام بالحياة الحالية عوضًا عن الاهتمام بالحياة الآخرة، إنما خلصت العلمانية فيما بعد لتترك للأفراد حريتهم الدينية، طالما أنها لا تؤثر على حرية الآخرين. ورغم أن الإسلام “الموروث” لا يقل تحكمًا برقاب العباد عما كانت عليه الكنيسة في الغرب، إلا أن قراءة التنزيل الحكيم وفق الأرضية المعرفية اليوم، تجد أن الإسلام لا يتعارض إطلاقًا مع مقومات المجتمع المدني ومع الحق الطبيعي للإنسان في الحرية، وعلى رأسها حرية المعتقد، وأنه لم يعط الحق لأحد بالحكم باسم الله على الأرض. فالدين هو الانقياد والطاعة، والصفة الأساسية لأي دين هو تدخله بالحياة الشخصية للإنسان، فينقاد له بكل طواعية ودون إكراه، تحميه سلطة الضمير فقط، وأنت مثلاً تؤمن بالله لأنك تريد هذا الإيمان ولست مجبرًا عليه، وتتبع تعليماته برغبة منك ومن قناعة شخصية، فالدين لا يملك أداة الإكراه، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 156) مع ملاحظة أن الإيمان بالله يوافقه الكفر بالطاغوت، أي رفض كل أنواع الإكراه التي تمارس على الإنسان مهما كان نوعها، وبالتالي الحرية ...

أكمل القراءة »

صورتنا وصورتهم

شحرور

د. محمد شحرور   تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي أفلامًا قصيرة تحكي عن الاندماج بين السوريين المهاجرين أو اللاجئين وشعوب البلدان التي وصلوا إليها، لا سيما في أوروبا، وضمن مجالات مختلفة كالمأكولات أو الأغاني واللهجات، ورغم كل المآسي التي مر ويمر بها هؤلاء المهاجرون فالأمل كبير أن يجدوا آفاقًا جديدة للدراسة والعمل، ربما تعوضهم عما مروا به وتفتح لهم أبوابًا للإبداع، في ظل حرية افتقدوها في بلادهم، ونتمنى أن تكون هذه الأفلام عاكسة لصورة عامة عن وضع السوريين في المجتمعات الجديدة لا حالات خاصة. وتشكل الصورة النمطية للآخر المختلف العائق الأكبر أمام الاندماج بين الطرفين، الضيف الذي لن يبقى ضيفًا، والمضيف الذي سيصبح جارًا وزميلاً وصديقًا ربما، وكل طرف يحمل انطباعًا راسخًا في ذهنه عن الآخر، شكلته الخلفية الثقافية المتراكمة عبر العصور، يجعل من الصعوبة بمكان تغييره، إلا من خلال التجربة والعيش المشترك، رغم أن الإنسان الغربي عمومًا قد تعامل مع قضية اللاجئين بإنسانية، وتوارت في ذهنه الصورة النمطية للمسلم والعربي لتحل محلها صورة الإنسان المحتاج للإغاثة بشكل أو بآخر، تلك الصورة التي ساهمنا نحن بجزء منها، وساهمت السياسة بالجزء الأكبر، فنظرة الغرب لنا (بكل مللنا وطوائفنا) تشوبها دونية  تنبع عن كوننا الشعوب المستعمَرة، منذ الصليبيين وحتى قرن مضى، بما يحمله الاستعمار من عدائية، ناهيك عن أننا كدول عربية، لم نستطع للأسف تحقيق الكثير منذ خروج المستعمر وحتى يومنا هذا، فإما وقعنا تحت حكم طواغيت مستبدين، استباحوا الأرض والعرض، أو بقينا تابعين مستهلكين لا منتجين، وزاد الطين بلة ما شهده العالم منذ نهاية القرن الماضي وحتى اليوم من عنف الإسلام “المتطرف”، فلم تقف صورة المسلم عند حد المتخلف حضاريًا بل أضيف لها صورة الإرهابي أيضًا، وعندما رسموا صورتنا وصورة نبينا في عيونهم، لم نحاول إثبات العكس، بل بادرنا إلى قتل من تطاول علينا لنكرس في الأذهان تلك الصورة، علمًا أنهم لم يرسموا أكثر مما وصفته أحاديث البخاري ومسلم، وما يتشدق به فقهاؤنا صباح مساء، فقدمنا رسولنا بقالب معين (كان يطوف على ...

أكمل القراءة »

رمضان مبارك

القران الكريم

بمناسبة حلول شهر رمضان أتقدم للسادة القراء بأحر التهاني والأمنيات، راجيًا من الله أن يكون شهر خير وبركة على المسلمين في كل أنحاء العالم، ولا سيما في سوريا حيث ما زال أهلنا للسنة السادسة على التوالي يعانون كل أنواع المشقة، من قتل واعتقال وخطف وتدمير، إضافة لنقص الحاجات الأساسية وغلائها إن توفرت. شهر رمضان شهر مبارك لأن القرآن أنزل فيه، وهو موسم للمغفرة والدعاء، ويهمني اليوم توضيح بعض المفاهيم الملتبسة حول الصوم بكونه ركن من أركان الإيمان لا الإسلام، إذ خلط الفقه الموروث بينهما، من خلال حديث لا أساس له “بني الإسلام على خمس” يناقض ما جاء في التنزيل الحكيم، فأركان الإسلام هي الإيمان بالله “شهادة ألا إله إلا الله” واليوم الآخر مع اقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت 33)، حيث ابتدأ الإسلام مع نوح وتراكمت فيه القيم تدريجيًا لتختتم مع محمد، إذ وصلت الإنسانية لمرحلة من النضوج تستطيع فيها التشريع لذاتها، أما أركان الإيمان بالرسالة المحمدية فهي “شهادة أن محمد رسول الله”، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، حج البيت، أي اتباع محمد في أداء الشعائر، والشعائر من “شعار” هي ما يميز كل ملة عن غيرها، والأمم السابقة عرفت الصوم كشعيرة، فالصوم في زمن مريم كان صومًا عن الكلام، والصوم على ملة محمد (ص) هو صيام عن الطعام والشراب والجماع من الفجر حتى الليل. وجراء الخلط بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، تقدمت الشعائر على الوصايا، واعتبرت هي العبادة المقصودة في قولنا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة 5) مع أن العبادة تكون في اتباع الصراط المستقيم {إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (آل عمران 51)، وفيه لا مكان للاستطاعة، ولا لأنصاف الحلول، بل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران 102)، فلا يمكن أن نغش قليلاً، أو نقتل قليلاً، بينما في أركان الإيمان {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن 16) ...

أكمل القراءة »

المرأة بين التنزيل الحكيم والفقه

شحرور

إذا شبهنا إسلام التنزيل الحكيم الذي أتى إلى محمد (ص) بكرةٍ من نور، فإن المنظومية التراثية نسجت طبقات من خيوط حول هذه الكرة، وتضخمت تدريجيًا إلى أن حجب أي بصيص من ضوء صادر عنها، وأثقلتها بما هو معتم، وإن كان المسلمون جميعهم قد تأثروا بهذا التشويه، فإن الأثر الأكبر كان من حظ المرأة، فرغم أن الإسلام قد وضع اللبنة الأولى في تحريرها، إلا أن الثقافة الإسلامية الموروثة كرست وضعًا مهينًا  لها، وجعلت منها متاعًا لخدمة الرجل ليس إلا. المرأة وفق الموروث هي المسؤولة عن خطيئة آدم وطرده من الجنة، وهي ضلع قاصر، ووفق كتب البخاري ومسلم تتساوى مع الكلب والحمار في إبطال الصلاة، حتى أن الحمار يسبقها “…فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود”، ومن باتت وزوجها غاضب عليها ستلعنها الملائكة، لذلك فإن معظم النساء في جهنم، ومعظم أهل جهنم من النساء، والأحاديث من هذا القبيل لا تعد ولا تحصى، ولا يتسع المجال لذكرها. أما في التنزيل الحكيم فصورة المرأة مختلفة تمامًا، وهي مساوية للرجل، ندًا لند، بدءًا من آدم (الجنس البشري بذكوره وإناثه) الذي حمل وزر العصيان والخروج من الجنة {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه 121)، ثم خطابه تعالى فيما بعد للاثنين معًا، ذكورًا وإناثًا على حد سواء {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ أوَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} (الأحزاب 35)، أما الجزاء فمقياسه التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، ومن ثم لا يمكن أن يعتبر الله المرأة متاعًا من الأشياء أو يصنفها مع الدواب كما اعتبرها الفقه في فهمه للآية  {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران 14) فـ “النساء” هنا من ...

أكمل القراءة »

المؤمن في بلاد اللجوء

شحرور

د. محمد شحرور   لا يكاد يمر يوم إلا ويطالعنا الإعلام بأخبار اللاجئين السوريين إلى أوروبا أو كندا، وألمانيا بشكل خاص، وتتنوع الآراء في هذا الموضوع، إلا أن الرضا عن حسن المعاملة يغلب عليها. وإن كنا نتمنى لو أن أوضاع بلدنا كانت بخير، ولو أن هؤلاء الشباب والعائلات لم يضطروا لتركها والهجرة منها، لكن نشعر بالامتنان عندما نسمع بحسن الاستقبال والرعاية التي يتلقونها في بلاد اللجوء، فالإنسان أخو الإنسان أينما وجد، وهذه الدول، بغض النظر عن مصالحها وسياساتها، يفترض أنها تمثل أرقى ما توصلت إليه الإنسانية في عصرنا من حيث حقوق الإنسان، وبالتالي يعامل فيها السوري بصفته إنسانًا قبل كل شيء، والناس متساوون بغض النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم وعرقهم، والقانون فوق الجميع، والأفراد فيها بشكل عام يتصرفون بدوافع إنسانية محضة، دون أي مواقف مسبقة. ورغم كون اختلاف الثقافات أمر طبيعي ومحمود، إلا أنه كان من الأولى بنا كمسلمين مؤمنين بالرسالة المحمدية أن نكون الأكثر انفتاحًا على الآخر، حيث نحمل رسالة رحمة عالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) قوامها الإيمان بالله مقترنًا بالعمل الصالح {مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل 97)، ولا تميز بين دين وآخر  {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62) والفصل بين الناس بيد الله وحده، لا أحد غيره {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج 17)، تحت شعار عظيم تختصره الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256) فالإيمان بالله يوافقه الكفر بالطغيان بكل أشكاله، ومنه نفهم {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(الكهف ...

أكمل القراءة »