الرئيسية » أرشيف الكاتب: جميل جرعتلي

أرشيف الكاتب: جميل جرعتلي

خيبة

بعد أكثر من أربعين عامًا على هذا الكوكب الأزرق، مقابل عدد هائل من الخيبات! كانت أحلامي  صغيرة وطبيعية ضمن المقياس البشري العام، إلا أنني لم أنل تمر العراق ولا عنب اليمن، بل حطمت الرقم القياسي في حصاد الخيبات.. الخيبة الأولى كانت عندما فتحت عيني في هذه البقعة الجغرافية من الأرض الحبلى بالأحداث والحزن وانتظار شيء لن يأتي للأسف، لم أكن أستوعب وقتها لما هرعوا كي يعصروا الليمون في عيني ثم قاموا بلفّ يدي ورجليّ وجسدي بقطعة قماش قاطعين أي أمل لي بالاحتجاج أو الحركة أو حتى التثاؤب والتمطمط بحرية أسوة ببقية البشر.. ما فهمته أن هناك ضرائب لا بد أن أتحملها حتى أصل إلى تلك المرحلة التي أصبح فيها مواطنًا صالحًا. صعود سلم الخيبات بدأ بتسارع رهيب كأنني في سباق مع الخذلان، والمشكلة كانت دائمًا في اعتقاد الكبار أنني أمكث في النعيم مقارنة بالجحيم الذي عاشوا فيه طفولتهم وشبابهم، ومع أنني كنت على يقين بأنه ليس هناك من جحيم أكبر مما أنا فيه سوى أن أتحول إلى جسد بلا رأس مثلاً، إلا أن إصرار أستاذ التربية الوطنية على أنني أعيش في الفردوس المفقود جعلتني أشكك في قدرتي على محاكمة الأمور، لكن استمرار وابل الخيبات المشار إليه، كان يؤكد أن هناك أحدًا مصاب بالانفصال عن الواقع أو مريض بالزهايمر، أنا أو أولئك الذي يرسمون مساراتي كأنني مجرد رقم في دفتر العائلة وسجلات النفوس!. خيبة البحث عن وظيفة وحبيبة ومنزل، عدا عن الخيبات التي تجبر على حملها قسرًا لأنها تدخل في تركيب الخريطة الوراثية المليئة بأمراض نادرة مثل السكري وضغط الدم وتضيُق الشرايين، خيبات تنتقل مع السعال والمصافحة والابتسام في المجالس العامة كنوع من النفاق الذي لا يعرف أحد سببه بالضبط، فالجميع قابعون تحت خط الفقر بعشرات الدرجات، وتحت خط الحب وخلف ظهر الإنسانية والسعادة وفي مواجهة كاملة مع كل شيء رديء في هذا العالم المتحضر. خيبة العرب والعروبة، كانت من الخيبات التي تجعلني في كل صدمة أقلب على ظهري من شدة ...

أكمل القراءة »

صفعات

جميل جرعتلي   النظر إلى المستقبل البعيد قد يكون من اختصاص كُتّاب الخيال العلمي، أما النظر إلى ما سيأتي بعد عشرين أو ثلاثين سنة، فهو توقع يدعمه كثير مما وصلنا إليه اليوم. ما وصلنا إليه هو حروب على مد عينيك والنظر، لا تكاد تخلو منطقة على كوكبنا من حروب أو نزاعات عرقية أو طائفية أو مذهبية أو حضارية. ومع ذلك فالأرض تدور، وتدور دون أن تعبأ بما يجري فوقها. أليس من المخجل بعد آلاف السنين من المعرفة، أن يكون هذا العالم، كل العالم، عبارة عن خلايا دبابير متقاتلة، بدل أن يكون خلية نحل واحدة، العالم أصبح قرية صغيرة ولكننا لم نحصل على سند إقامة بها، مازلنا غرباء أو في أفضل الأحوال ينظر إلينا كثور إسباني يتلقى الطعنات من أكثر من لاعب والعالم يصفق لهم. يحكى أن صيادين كانا يعبران حرشًا، عندما صادفا دبًا رماديًا غاضبًا جدًا (وجائعًا جدًا)، بدأ أحد الصيادين يتخلص من عتاده ملقيًا به إلى الأرض. سأله الثاني: ما الذي أنت فاعله؟ قال: سأجري. فأجابه: لا تكن سخيفًا، لا يمكنك أن تجري أسرع من ذلك الدب!. فقال: ليس عليّ أن أجري أسرع من الدب فقط علي أن أجري أسرع منك أنت! أصبحت سوريا الآن أشبه بغابة متوحشة، فهل على كل واحد منا أن يركض لوحده خوفًا من حيوانات الغابة المتوحشة؟ فإذا سلّمنا جدلاً استحالة ترويضها، فأضعف الإيمان أن نتحد في مواجهتها. لا أعرف من قال إن الحياة عبارة عن فقاعة صابون فصورها قبل أن تنفجر، كل ما أعرفه من الحياة هو أننا من ننفجر دون أن نملك أي كاميرا للتصوير إنمـا الفضائيات هي من تصورنا بالأســــود والأبيض، تصورنا ونحن مطمورون تحت الركام أو عالقون على حدود البلقان، أو تائهون في بلاد اللجوء. كان هناك طفل يدعى (كاوس) وكان كاوس طالبا ذكيا، ذكاؤه من النوع الخارق للمألوف وكلما سأل مدرسُ الرياضيات سؤالا، كان كاوس هو السباق للأجابه على السؤال، وفي أحد المرات سأل المدرس سؤالا صعبًا، فأجاب عليه كاوس ...

أكمل القراءة »

أنا الذي رأى

جميل جرعتلي محمولاً على الأكتاف لأول مرة، تلك كانت جنازتي، الشيء الوحيد الذي أذكره هو استيقاظي من غيبوبتي لأجد نفسي داخل تابوت يتأرجح على أكتاف المشيعين، كان بإمكاني الصراخ والخروج من هذا الصندوق الخشبي لكن لماذا؟ رب رمية من غير رام!. رغم كل مظاهر التصحر الموجودة في النفوس؛ كان بالإمكان توقع اكتظاظ الطريق المؤدي من بيتي إلى المقبرة، لا شك أنه قد فاض بالناس مثل الدموع المنهمرة هذه اللحظة من عيون أمي وزوجتي، التابوت يهتز ويميل إلى الأسفل، لابد أنهم خرجوا من حارتنا وأصبحوا في الحارة السفلى من الضيعة، يبدو أننا صرنا عند نزلة أبو يوسف، لا شك أن أبا يوسف يلوم حظه العاثر الآن، فقد أفرد لي صفحتين كاملتين في دفتر ديونه، أعتقد أن له بذمتي ألفي ليرة وعلى الأرجح أنها ستكون ديونًا ميتة، فمن سيرد له المبلغ؟ كنت ملفوفا كتبغ، لدي رغبة شديدة في تغيير جهة الاتكاء التي وضعوني بها، ومن محاسن القدر أنني تدحرجت داخل صندوقي الخشبي عندما عبروا الحفرة الممتدة على الطريق الفرعي والتي عجزت البلدية عن ردمها في كل خططها الخمسية. في الخارج علا صوت النحيب والبكاء كنت على وشك أن أصرخ، فأنا أحق منكم بالبكاء على هذا العمر الذي ضاع هباء، لكنني انكفأت على نفسي خشية افتضاح أمري وبدأت أرتب مستودع ذكرياتي للمرة الأخيرة. كنت كل صباح أدخل مستودعي، أنفض الغبار عن رفوفه، ألمعها، أرتب ذكرياتي الحلوة والمرة، رف لأشيائي الحميمة التي تضم أصدقائي وعائلتي وكتابي المفضلين، بضاعتي تلك لا أبيعها أبدا، لا يعلو وينخفض سعرها تبعا لسعر الذهب أو الدولار أو الين الياباني، ولا ترتبط بأي بورصة، ذكرياتي تلك مخبأة في صندوق عمري الأسود الذي لن تجده كل فرق الإنقاذ مهما حاولت. رف آخر لمسيرة حياتي يبدأ بمجيئي إلى هذا العالم دون رغبة، ودون إلحاح يذكر من والدي فلم يكن لي حرية الاختيار بالقدوم إلى هذا الكوكب الأزرق المرمي على طرف ذراع المجرة. رغم غيظي الشديد لهذه الإقامة الجبرية لم تعتذر الحياة مني ...

أكمل القراءة »

أولدنبورغ السورية في ألمانيا!

جميل جرعتلي رغم أن أولدنبورغ الألمانية، مليئة بدلاء الألوان، إلا أنّ أقواس قزح السورية حضرت بقوة منذ لحظة وصولنا إلى المطار، حيث الضباب والأشجار العارية التي ما فتئت تواجهنا بسؤالٍ خطيرٍ لم يكن في الحسبان في السابق: هل نحن بقايا حرب أم بشر لنا تاريخ نحمله في حقائبنا، وهو قادر على التحدث إذا ما اقتضى الأمر؟ هل ما جرى يستحق كل هذا الانسلاخ أو الدخول طوعًا في التغريبة السورية كما يسميها معظم الأهل خلف الحدود؟. في هذا الجو كان علينا اختراع أولدنبورغ سورية في هذا المكان القصيّ والنائي، “نحن لسنا نكرات” قالها ابني عمار، الشاعر الصغير والحاذق الذي كان بصدد إصدار كتاب شعري قبل وصولنا بقليل إلى هذا المكان، القصة ربما ترتبط بالمعجم الجديد الذي راح يتشكل في أذهاننا حول السياسة والاقتصاد والثقافة وجغرافيا العالم العربي، الطاعن في التخلف والحروب والاغتيالات واقتتال الأهل على امتلاك الحقيقة. أو ربما هو شيء من الصدمة التي حملناها على طائرة “اللوفت هانزا” التي هبطت بكامل غربتها ثم تركتنا لمصيرنا. اختراع أولدنبورغ سورية، يبدو تجربة مغرية بالنسبة إلينا، حتى لو اقتصر الأمر على ما وراء الجدران أو في أحواض الحديقة الصغيرة التي خصصناها ببذورٍ حملناها من بلادنا الأم، كما يسميها المهاجرون القدامى. الجدران في الداخل كانت ملعبًا لرسومات الأطفال، والصور الفوتوغرافية التي تركت زوجتي لأجلها الكثير من أغراضنا الشخصية، لأن الوزن لم يكن يسمح بالكثير من تلك الألبومات التي سمتها حينها بالذاكرة. ولشدَّة ما كنا نضحك بمرارة خلال المراحل الأولى عندما كان يقول شاعرنا الصغير إننا تحولنا إلى كائناتٍ من صور. الهاتف لا يرن إلا إذا اتصل أقرباؤنا في المدينة المجاورة. إنّ إعادة كتابة الشعر باللغة الألمانية ليس بالعملية السهلة كما كنا نتخيل، يقول عمار، وهو يشتم الحرب التي توشك أن تترك انقلاباتٍ جذريةٍ في معجمه وصوره، حين يضطر إلى تعلم لغةٍ أجنبية ثقيلة، ويعمل على تحميلها كل مشاعره وسخطه ومزاجيته. بالنتيجة كنا كمن يحاول بناء مدينته أو سوريته داخل عالمه الصغير الكبير في الوقت ...

أكمل القراءة »