الرئيسية » أرشيف الكاتب: عبد الرحمن القلق

أرشيف الكاتب: عبد الرحمن القلق

“الحرية، غايتنا المنشودة.. هواءٌ هنا”

عبد الرحمن القلق نعلمُ جميعًا لحظة عبورنا ما بينَ فكّي العالم أنّ الضّفة التالية ليست إلا جزءًا جغرافيًا واحدًا تستطيعُ أقدامنا التّعرف على جاذبيّته، ونعلم أن الروح لا تكيلُ اهتمامًا بكلّ المفارقاتِ الماديّة والجسورِ والقطاراتِ السّريعة والموازين الاقتصادية واختلاف أشكالِ الثقافة المتوارثة أو المستوردة. “إذن، ما الذي سلب أجسادنا حجمها ومنعها من السير بثباتٍ مع جاذبية الأرض في هذه البلاد؟” علينا أن نعترف أن أسس الحرية التي تلّقناها في بلادنا تفقد اتزانها تمامًا هنا بل وتسلبنا ما وجبَ عليه أن يثبّت أقدامنا في هذا الكوكب الواحد! لقد زُرعتْ ونَمتْ فينا فكرتها لنعيش ونحيا قبالتها وهي مصلوبة في مدينتها الفاضلة، لنبقى نتغنّى بها كغاية برزخيّة بعيدة، تمدّ جسورها نحو الخسارة ومبدأ التّخلي بدءًا من مادياتِ الحلمِ وحتى الأعماقِ السّحيقة من ذواتنا، بينما قد تجاوز العالم خيال هذه الفكرة منذ زمن، حيث نتفاجأ بأن الحرية في ألمانيا توقّفتْ عن كونها ’غايةً منشودةً‘ بعد انتهاء الحكم النازيّ وفشل أول تجربة لتحقيق الديمقراطية، ليتحوّل مفهومها بعد ذلك إلى ’استحقاقٍ وجوديٍّ‘ كالهواء والماء. – مثلاً: مصورٌ صحفيٌّ وصل حديثًا يجد نفسه فجأةً قادرًا على التقاط الصّور دون تصريحٍ من رجل الاستخبارات فيسأل نفسه: هل أكمل؟ أمتأكدّ أن أحدًا لن يحملني نوح الفرع الفلاني؟ وما إن يذهب تأثير الأدرينالين العربي حتى تنتابه رغبة جامحة بأن يشكر أحدًا ما، لتبدو تلك اللحظة من نظرة المحيط كغرابة الموقف بأن تشكر أحدًا على منحك الهواء الذي تتنفّس!! هنالك الكثير والكثير من أحلامنا المنشودة ليست إلا هواءً يتنفسه المواطن في هذه البلاد! – لقد كنا نركض خلف البالون المرمي من شباك القصر ثم نثقبه لتتجلّى لنا الحريّة لحظة انفجاره ونقول أننا تنفسناها بالتقاطِ شيءٍ حبسه القصر داخل البالون!! بينما لم نتنفّس إلا زفيرهم المحشوّ داخل (1 سم) من المطّاط الجّاف إلا من لعابهم؟! –  ما الذي أدخلهُ آباؤنا وندخلهُ حتى اللحظة في صدورنا؟! – ألا يعني تنفّسُنا لذلك الأوكسجين المستهلك أننا ميّتون؟! – و إن متنا قبلَ ذلكَ.. فكم مرة، ...

أكمل القراءة »

عن الذي حملناه معنا

عبد الرحمن القلق لقد كان الفرق -بين هنا وهناك- مجازيًّا، ومن الصّعب عليّ أن أدرك جرحنا المشاع ما بين نصاله. كان عليّ أن أستيقظ مرّتين وأفركَ عينيّ ألفًا كي أتأكدّ أن الصوت القادم من شّباك المخيّم الألماني ليس ذاته صوت أطفال جيراننا النازحين من جوبر. أتذكّر محادثتي أمس مع صديقتي، وأتساءل الآن إن كانت مصادفةً أن ليس في هذه البلادِ شاطئٌ بدفء المتوسّط يذكّرني بما كان فأكرهه! من كان يصدّق أن الفتاة التي كبرتْ تدسّ أصابعها برمل السّاحل السّوري وتحيي حفل زفافها على شاطئه لترقص حافيةً مع مدّه وجزره ستكرهه يومًا ما؟ من كانَ يصدّق أنها ستكره صوته ودفئه وكلّ شيء يذكّرها بالماء المالحة التي ملأت جسدَ صديقتها حتى الموت؟ لم تكن الفاجعة بالدم الذي سال من خمشة الحربِ على رقابنا، لكنها كانت في قدرتها على تحويل أجمل ما لدينا إلى وجعٍ نشتاقهُ حينما كان جميلًا. ولو جمعنا مِن شقوقِ الأرض دمنا السّائب وسكبناهُ على طول الدّرب الذي سلكناه، لامتلكنا خطًّا دوليًّا أحمرَ، ومشينا كُلّنا من هذهِ الحرب، لكن الحربَ كانت فينا، حملناها معنا ومضينا، ظننا أننا سنمتلكُ فرصةً للنجاة منكسرينَ أو حتى للموتِ راضين، لكننا انهزمنا جميعًا! وأوّلنا منتصرٌ شربَ نخبَ هذا الرحيل، وثانينا منتصرٌ جاءت إليهِ -مع رائحة الفجر- لعنةُ البقاء فانتحر. انهزمنا، ووحدها الحربُ مَن ربحت. الأول حملَ شظايا مدينته في أمتعتهِ، أضاع جوازَ سفره عند أوّل نقطةٍ حدوديّة، وأضاع لعبة ابنته في البحر ثمّ -بينما يصعدُ الصّخر إثر وصولهِ إلى إحدى الجزر اليونانية- انكسرت ساعة يده التي ورثها عن أبيه، فأضاعَ الصّور، وكسّر آخر ذكرياته، ولمّا وصل ليبدأ لم يجد إلا الشظايا. شهق ذات صباحٍ وكاد يختنق ففتحَ يديه ليشمّ الحبقَ والملّيسة فلم يجد إلا الشّظايا. قبل أن تحمل أشياءك انفض عنها رماد بيتك كي لا تشعر بدفءٍ في خيمة لو وضعوا لك فيها شمسًا تحترق، قبل أن تركب البحر انسَ فيروز وعشقها، وتذكّر أن تبقي عينيك مغمضتين كي لا تحقد على البحر والضوء و الله. ...

أكمل القراءة »