عن العلمانية والدين

تشغل “العلمانية” موقعًا بارزًا بين المصطلحات والمفاهيم الإشكالية التي تناولها البحث والنقاش السياسي والفكري في البلدان العربية. ويمكن اختصار العلمانية على سبيل التبسيط في فكرة: “حيادية الدولة تجاه العقائد والأديان المختلفة في المجتمع، وفصل المجالين السياسي والديني عن بعضهما البعض”.

العلمانية من أكثر المفاهيم التي لحقها التشويه وحُمّلت ما لا تحتمل من قبل بعض من يدّعونها أحيانًا، وعلى يد خصومها غالبًا، خصوصًا حين يتعلّق الموضوع بالعلاقة بينها وبين الدين. حيث يبتعد كلا الفريقين عن جوهر العلمانية ومعناها الحقيقي، فيجانب الأولون الصوابَ حين يفترضون أن على العلمانية محاربة الدين والتديّن، ويخطئ الآخرون عند وصمها بالإلحاد أو معاداة الدين.

لا تعني العلمانية رفض العقائد الدينية أو نفيها، وإنما ترفض إعطاء أهمية خاصة لاعتقاد روحي معيَّن، ولا تتيح له التدخّل في شؤون البشر الدنيوية عمومًا، والسياسية والقانونية على نحو خاص. ومع بداية ظهور العلمانية وتبنّيها في أوروبا، اعتقد كثير من رجال الدين المسيحي أنّ دور الكنيسة سينتهي نتيجة فصلها عن الدولة، غير أن التجربة العملية أكّدت أنّ هذا الفصل دفع بالكنيسة إلى التركيز على مهامها الروحية الحقيقية.

الدول الشيوعية لم تكن دولاً علمانية

إذن، ثمة خلط يتعمّده خصوم العلمانية إذ يربطونها بالإلحاد، وفي الحد الأدنى بمعاداة الدين، وهو قول مغلوط. الدول الشيوعية، مثلاً، لم تكن دولاً علمانية، لأنها لم تكن محايدة تجاه الأديان والعقائد، وإنما تبنّت عقيدة “إلحادية” ناصبت الأديانَ العداء ودخلت في معارك ضدها، وهي بالتالي “لم تكن دولاً علمانية حقيقية بل متأدلجة علمانيًّا، وقد حاربت الدين. الدولة العلمانية الحقيقية لا تحارب الدين، بل تتيح حرية الدين للجميع” وفق تعبير المفكّر الراحل جورج طرابيشي، أحد أبرز منظّري العلمانية العرب.

وللتوضيح أكثر، لعلّ من المفيد قراءة آراء علمانيين فرنسيين في موضوع العلمانية والدين، باعتبارهم أبناء تجربة علمانية “متشددة” وفق ما توصف به العلمانية الفرنسية، إذ ينصّ الدستور الفرنسي على أنّ “فرنسا جمهورية علمانية”، وشهدت بعض مراحل الثورة الفرنسية مواجهات عنيفة، أيديولوجية وسياسية، بين أنصار الجمهورية العلمانية التي جاءت بها الثورة وبين الكنيسة. يؤكّد مارسيل غوشيه، المنظر العلماني الفرنسي، أنّ العلمانية لا تعني “التخلي عن الدين” أو العقائد الدينية عمومًا بقدر ما تعني في بعد من أبعادها الأساسية “الخروج عن الدين” وإعادة بناء النظام الاجتماعي العام على ضوء المبادئ الدنيوية بدل الاستناد إلى المرجعيات الدينية أو الروحية، وهو ما يفضي إلى تحويل التعاليم الدينية إلى نوع من الأخلاق الاجتماعية. وإذا كانت الأديان تنسب لنفسها دورًا أخلاقيًا أساسيًّا، فإنّ تحوّلاً من هذا النوع لن يُفقد الدين مكانته “الروحية” أو وظيفته الأخلاقية.

العلمانية لا تعني التخلي عن الدين

التطبيق العملي لكلام غوشيه بأن العلمانية لا تعني “التخلي عن الدين”، يأتي عبر مقولة “حق الإنسان في حرية العقيدة” دون إكراه أو تدخّل من أحد، كمبدأ أساسي في العلمانية، وبالتالي ضمان حرّية الأديان على أن تبقى في إطارها “الديني”. ويتجلى احترام حرية العقيدة في حياديّة الدولة تجاه الأديان واحترامها للتعددية الدينية والدنيوية على قدر المساواةـ وتاليًا عدم وجود أي شكل من التمييز بين المواطنين، سلبًا أو إيجابًا، استنادًا إلى الأديان والعقائد التي يؤمنون بها.

بدوره يؤكّد الفيلسوف الفرنسي جان لاكروا، أنّ العلمانية ليست المقابل المعارض لفكرة الدين، ولكنها تستدعي على الأقل “التمييز بين ما هو دنيوي وما هو مقدس”. حيث أنها تفترض جانبًا من الحياة البشرية لا يخضع لقبضة التعاليم الدينية، أو على الأقل يقع خارج سلطة رجال الدين.

وإذا كانت العلمانية الفرنسية “المتشددة” كذلك، فلا بدّ أنّ هناك ما هو أكثر مرونة منها في التطبيقات والتجارب العلمانية المختلفة.

بوجه عام، يمكن وصف قواعد العيش المشترك المقبولة من جماعة ما بالعلمانية إذا لم تشر إلى أي معتقد ديني خاص. وبالتالي لا يمكن لهذه القواعد أن تصدر سوى من البحث عن فهم أفضل لحياة البشر الواقعية، وإن محاولة الفهم هذه هي ما يشكل أساس تطوّر العلم عبر التاريخ.

العلمانية تحرر الدولة من سلطة رجال الدين وتحرّر الدين من هيمنة السلطة

والعلمانية إذ تعمل على تحرير الدولة والمجال السياسي من سلطة رجال الدين أو من تدخّلهم، فإنّها في الوقت عينه تحرّر الدين من هيمنة السلطة السياسية عليه وتمنعها من العبث به، فلا تتيح إمكانية أن يُستخدم الدين كأداةً بيد السلطة السياسية، على نحو ما يحصل في غالبية نُظم الحكم الاستبدادية، التي تجد في الدين إحدى وسائل الضبط الاجتماعي لتكريس سلطتها، وهو ما يتعذّر في ظلّ العلمانية، بما تقتضيه من فصل بين المجال السياسي والمجال الديني.

بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إنّ العلمانية تقدّم إمكانيّة فعليّة للتجديد والإصلاح الديني، من خلال تحفيز الأديان على إعادة إنتاج مقولاتها وتكييفها بما يتناسب مع تطورات الحياة الإنسانية واحتياجات البشر الروحية في العصر الحديث، عوضًا عن ليّ عنق الحياة المعاصرة لتتوافق مع قراءة أو فهم ما خاص للنصّ الديني، وفق ما يسعى إليه الأصوليون والمتطرّفون من مختلف الديانات والمذاهب، مدّعين احتكار الحق والحقيقة!

طارق عزيزة
كاتب سوري من مواليد مدينة اللاذقية 1982، مجاز في الحقوق من جامعة دمشق – 2006. عملَ أستاذاً ومحاضراً في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ببيروت. له عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية عربية. من مؤلفاته: “جبهة النصرة لأهل الشام القاعدة في طبعتها السورية” (2013)، “العلمانية” (2014). مقيم حالياً في ألمانيا.