الرئيسية » باب مفتوح » دليلك المسلّي إلى الاندماج. كيف تصبح ألمانيًا (الجزء الثاني)

دليلك المسلّي إلى الاندماج. كيف تصبح ألمانيًا (الجزء الثاني)

نجح كتاب “”How to be German / Wie man Deutscher wird الذي ألفه آدم فليتشر وسي.إتش. بيك عام 2012، في استقطاب ما يناهز مليوني قارئ، ليصبح أكثر الكتب مبيعًا من سلسلة شبيغل لكتب الجيب.

والكتاب عبارة عن مجموعة من خواطر منشورة عبر مدونة، تم جمعها باللغتين الألمانية والانكليزية، لتكون دليلاً مسليًا “للأوسلندر الصغير” الطامح أن يصبح ألمانيًا في خمسين خطوة تتضمن تفاصيل طريفة حول الحياة في ألمانيا، في أسلوب لا يخلو من المفارقات والمبالغات المضحكة. وسنعرض لأهم 20 خطوة وردت في الكتاب في هذا العدد والأعداد القادمة.

افطر ببذخ، خطط واحجز عطلتك لسنوات مقدمًا. البس بشكل معقول، وأطع رجل الإشارة الأحمر! ستساعدك قراءة هذه السطور على معرفة كل شيء بدءًا من عصير التفاح مع المياه الغازيةApfelsaftschorle  وحتى السلام عليكم Tschüss.

2-copy 2-5-copy

 

. تعلم الألمانية

لدى كل أمة أمور تخجل منها، كتاريخ مظلم وما إلى ذلك، ولا يشذ الألمان عن تلك القاعدة. أعني هنا اللغة الألمانية.

الألمانية على الأغلب، خليط غير مفهوم من الاستثناءات. فخ مصمم للإيقاع بالأجانب، وزنزانة مصمتة يحتجزون فيها كرهائن ويعذبون مرارًا وتكرارًا بواسطة الأجهزة النحوية وآلات الصرف المحكمة.

الخبر السيء هو أنك لكي تندمج بشكل كامل مع الألمان، فعليك أن تتعلم لغتهم. الأمر من حيث المبدأ، ليس صعبًا. وهو يتم على مرحلتين: تعلم الكلمات وتعلم قواعد اللغة. القسم الممتع هو تعلم الكلمات، فمعظمها يشبه الإنكليزية بفضل الأصل اللغوي المشترك، سرعان ما ستحرز تقدما كبيرًا مستمتعًا بلفظ كلمات مثل  : Schwangerschaftsverhütungsmittel موانع الحمل- Weltschmerz  الهم العام- Zeitgeist روح العصر.

وبعد جمع أكبر عدد ممكن من البطاقات الصغيرة التي تحتوي على المفردات، سيكون عليك أن تبدأ بتعلم القواعد، وهي الوصفة التي ستحول التمتمة التي تعلمتها إلى جمل مترابطة ومتماسكة بالألمانية. وهنا ستأتي تلك اللحظة التي ستبدأ فيها بالشعور بأن اللغة الألمانية هي شيء خالٍ من المعنى وغاية لا يمكن إدراكها.

لطالما كانت الإنكليزية، على الأقل لغويًا، أكثر اللغات تبسيطًا وأوسعها انتشارًا، تطبع الناطقين بها بطابعها الخاص ولا تتطلب منهم التعقيد. الألمانية ليست كذلك، فعلى الرغم من جهودهم الحثيثة، لم يتمكن الألمان من فرضها، لأنهم وعلى النقيض من الإنكليز، لم ينجحوا في أن يكونوا أحد لاعبي القوى العالمية. ولذلك فإن الإنكليزية فرضت نفسها كجسر مصنوع من الورق والغراء لرأب الهوة مع الشعوب التي غزتها، عفوًا استعمرتها. ولهذا كان على الإنكليز أن يبسطوا لغتهم وهو ما أجبر الإنكليزية على التطور بطريقة مختلفة عن الألمانية التي احتفظت بدورها بالمنطق القواعدي المعقد نفسه الذي كان للإنكليزية القديمة.

3

خذ مثلاً المذكر والمؤنث والمحايد، فهو موجود في الإنكليزية القديمة، ولايزال إلى اليوم موجودًا في اللغة الألمانية. من المؤكد أن هناك نوعًا من المبادئ التوجيهية لمعرفة جنس الكلمة من خلال الكيفية التي تنتهي بها. أو تلك الفكرة التي تقول أن كل ماله علاقة بالوقت مثلًا هو مذكر der. ستساعدك تلك القواعد على تخمين جنس 30% من الأسماء ربما. ولكن يبقى عليك أن تحفظ الـ70% الباقية عن ظهر قلب كي تتمكن من الهبوط بجملتك بالشكل السليم.

سوف تصرف الكثير من الوقت على حفظ جنس الكلمة (نصيحة: لا تحفظ أبدًا اسمًا دون جنسه، فلن ينفع أن تحفظه لاحقًا لما سيتطلبه ذلك من وقت وجهد قد لا يكون فعالاً). فبدون معرفة جنس الاسم، لن تتمكن من أن تلفظ بدقة نهايات الجمل، وتلحق الأسماء والصفات أو الاحوال. وهي أمور لا طائل منها بكل الأحوال، ولا تضيف شيئًا إلى معنى الجملة أو تعزز من فهمها، ولكنك دونها قد تقول أشياء محرجة مثلeiner grosser Wasser بدلاً من  ein grosses Wasser، أرأيت؟ لا طائل منها!

بالطبع هناك لغات أصعب من الألمانية، لا خلاف على ذلك. للإنكليزية أيضا تفاهاتها. والفرق هو أن اللغة الإنكليزية تكون سهلة في البداية، ثم تتدرج صعودًا ببطء وبشكل مشجع. أما الألمانية فهي تدحرجك من على قمة جبل شديد الانحدار قائلة لك”Viel Spass”  وأنت تقوم بالصعود البطيء.

عندما بدأت بتعلم اللغة، كنت لا أوفر مناسبة للجلوس والشكوى حول هذا الموضوع، إلى أن قام صديق لي بتذكيري أن بعضًا من أذكى الأشياء التي كتبت عبر التاريخ، كانت مكتوبة بهذه اللغة. ليس عليك في البداية إلا أن تحترمها، وستتمكن في وقت لاحق من أن تحبها.

.  احصل على المزيد من المؤهلات

4

في البداية عندما انتقلت إلى هنا، قدّم لي أحدهم نصيحة قائلاً: “في انكلترا، ليس عليك لكي تفوز بفتاة سوى أن تثبت أنك تشرب أكثر دون أن تتقيأ على حذائك، أما هنا، فمن يعرف أكثر عن الفلسفة هو من يفوز بفتاة”، ولعل في هذا القول بعض المبالغة.

ولكن الألمان، علاوة على نظامهم التعليمي الممتاز، والوقت الطويل الذين يمضونه في الدراسة (أصبح الآن أقصر بسبب اعتمادهم نظام البكالوريوس/الماستر) هم شعلة من الثقافة. وبالنتيجة فإنهم يملكون عددًا كبيرًا من المؤهلات.

يحتاج التبجح دائمًا إلى جمهور، ولا يشذ التبجح الفكري عن القاعدة. ولهذا فإن الألمان لا يوفرون فرصة أو مناسبة لتذكير الألمان الآخرين كم يتفوقون عليهم بالمؤهلات بكياسة. وهي عادة اجتماعية عفا عليها الزمن في الثقافة الإنكليزية، حيث أصبح كل شيء يدور حول الاسم الأول: أنا آدم، وهذا جون، وذكاؤنا ومؤهلاتنا نحملها في رؤوسنا فقط.

أما هنا، فهي عبارة عن الحروف التي تسبق أو تلي الاسم الكامل، الحروف التي نستخدمها عندما نخاطب بعضنا البعض. فعلى سبيل المثالHerr Dr Schneider  أو  Frau Prof Dr.h.c Schmidt، لا مكان هنا لرفع الكلفة والاسم الأول، حتى جرس الباب المتواضع يقدم فرصة للتبجح بين الجيران من خلال سرد الألقاب والمؤهلات الأكاديمية على متنه.

يمكنك أن تتخيل قدر التعاطف والشفقة الذي قد تحصل عليه إن قلت لهم بأنك حائز على بكالوريوس في الدراسات المسرحية.

.  أطع رجل الإشارة Ampelmännchen

5

لعلنا نستطيع أن نعزو الفكرة النمطية المبالغ بها حول حب الألمان لاتباع القواعد، إلى ذلك الرجل الأحمر المضيء. إله المشاة والملاك الحارس لعابري الشوارع. إن من يجرؤ على تحدي سلطته بأن يخطو خطوة واحدة إلى الطريق بحذر وهو لا يزال يضيء أحمر، حتى عندما يكون خاليًا تمامًا، قد يعرض نفسه إلى مخاطر شخصية كبيرة.

لن تدهس، فالطريق خالٍ تمامًا، ولن تصيبك سيارة غير مرئية، أنت بأمان.

ولكن لا، ليس هذا هو مكمن الخطر حقيقة، بل نظرات الازدراء، وصيحات الجموع بأن “قف!” الذين سيعتبرونك انتحاريًا، أو شخصًا منشقًا غير مسؤول.

Halt!  قف! وانتظر رجل الإشارة الأخضر. وانظر إلى الأمر على أنه تمرس متقدم في ضبط النفس. ستحتاج إلى كل ما لديك من ضبط للنفس وعدم الوقوع فريسة للهلع، في المرة الأولى التي ستزور فيها مكتب الأجانب Ausländerbehörde وتدرك أنهم لا يتكلمون الإنكليزية.

. اشرب عصير التفاح مع  المياه الغازيةApfelsaftschorle  

6

يخشى الألمان من أي مشروب غير فوار، ويشربونه على مضض. إنها لمفارقة مضحكة أن تعيش في بلد حيث يمكنك أن ترى أسرابًا من السياح يشترون زجاجات المياه المدون عليها “Klassik” أليست المياه الكلاسيكية هي التي نزلت من السماء منذ فجر التاريخ، بدون أية إضافات؟ وبالتالي يجب أن تكون هي نفسها هنا، أليس كذلك؟

أما هنا فالأمر مختلف. ملايين السنين من تاريخ المياه تم نسيانها. لتصبح “Klassik” مرادفًا للمياه الغازية ولا شك. يجب أن تتعلم أن تحبها. عند زيارة أصدقائك الجدد الألمان ، سينظرون إليك باستهجان إن طلبت ماءً من الصنبور.

أما بالنسبة لعصير التفاح مع  المياه الغازيةApfelsaftschorle . فإن الجنة بالنسبة للألمان هي السباحة عراةً في بحيرة مملوءة به. بعد يوم طويل ومتعب من ختم وملء الاستمارات، والعشاء في مطعم تتألف قائمة الطعام فيه من 15 صفحة على الأقل، فإنهم ولا شك، سيجنبون أنفسهم عناء الاختيار بطلبهم لعصير التفاح مع  المياه الغازيةApfelsaftschorle  فهو ثابت وموثوق.

علاوة على اكتشاف الألمان للمياه الغازية، ومصانعهم التي تصنع البيرة الممتازة بكميات وفيرة، حاول أحدهم بشرارة من الإبداع أن يضيف عصير التفاح إلى المياه الغازية، ليحصل على مزيج منعش وتجديدي أكثر بنسبة 6%. كان الأمر أشبه بثورة.

لم يكن الناس مستعدين لهذا الطعم الممتع! كان لعصير التفاح مع  المياه الغازيةApfelsaftschorle  مفعول حفلة ديسكو لحليماتهم الذوقية. بطبيعة الحال، لن يشعر لسانك بأن هذا المشروب هو خارق للطبيعة، ولن يكون Apfelsaftschorle بالنسبة لك سوى شراب يكسر رتابة المياه العادية.

. تناول الطعام الألماني

8

من الصعب مناقشة المطبخ الألماني دون الإتيان على ذكر الفورست، وهنا سأشعر كما لو أنني أضرب من جديد بعصا الصورة النمطية. لذلك لن أفعل. الفورست مهم، ولكنني أعتقد أن أهميته تنبع مما يمثله أكثر من مجرد طعمه. الفورست ممل بشكل رهيب. ففي بلد يجله إلى هذا الحد، سنستنتج كم هو فقير خيال أبنائه المطبخي. ولكن ما إن تتعرف على أصناف أخرى من المطبخ الألماني، فلن تجد صعوبة في تقبله.

7

هنا، اللحوم هي محور كل وجبة. من المسلي أن تراقب كيف يتدبر النباتي هنا أمر غذائه كشخص أعمى يسير في حديقة للحيوان. يترقب الألمان موسم الهليون Spargelzeit كما لو أنه الحدث الأهم في السنة، يجن جنون الناس، ويدخل الهليون القدير في كل طبخة وتجده من حولك في كل مكان.

وفي الختام، ما قدمه المطبخ الألماني للعالم من طعام، يعادل ما قدمته فرقة ايفل 65 لتاريخ الموسيقى الشعبية: كلاهما حاضران بشكل ما، لكن كحضور الحاشية في النص. ربما كنت تتساءل كيف أكتب عن الطعام الألماني دون أن أذكر تلك الكلمة التي تبدأ بحرف S- الملفوف المخلل Sauerkraut. لا تقلق، فسأفرد لها بندًا خاصًا في العدد القادم…

مواضيع ذات صلة

دليلك المسلّي إلى الاندماج، كيف تصبح ألمانيًا؟ الجزء الأول

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

دليل المواد الغذائية الأساسية في ألمانيا ونصائح مجَّربة – الجزء الأول

تميل النسبة الكبرى من أفراد الجالية العربية في ألمانيا إلى شراء المواد التموينية وخاصة الزيوت والسمون والحبوب وغيرها من متاجر العرب أو الأتراك أو الهنود لمعرفتهم بأنهم سيحصلون غالبًا على نتائج مُرضية، وتتسم تلك المنتجات إجمالاً بجودتها ونوعيتها، فهي تمثل قمة ما يمكن تصديره من ...